طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

5015

عبر وعظات من قصة أصحاب الغار

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / بدون / جامع الأعلام /
التصنيف الرئيسي : المواسم البدعية التربية
تاريخ النشر : 1434/02/20
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ من أعظم أسباب تفريج الكربات عمل الصالحات 2/ قصة الثلاثة أصحاب الغار 3/ بر الوالدين وفضله 4/ التقوى والإيمان وأثرهما 5/ حفظ أموال الأجراء وجزاء الأمانة
اقتباس

إذًا إن من أعظم أسباب تفريج الكربات وقت المحن هو عمل الصالحات وقت الرخاء، يقول عليه الصلاة والسلام: “تعرَّف على الله في الرخاء يعرفْك في الشدة”. انظروا إلى يونس بنِ متى عليه السلام وهو يسقط في لجج البحار فيبتلعه الحوت، فلا أحد يعلم مكانه، ولا أحد يسمع نداءه، ولكن يسمع نداءه من لا يخفى عليه نداء، ويعلم مكانه من لا يغيب عنه مكان، فدعا يونسُ ربه وهو في الظلمات ..

 

 

 

أما بعد:

يا أيها الناس: إن سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة منوطة بالأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله زلفى، وإن ثمار هذه الأعمال المباركة يجنيها صاحبها في الآخرة جنة وفرحة وسرورًا، وفي الدنيا سعادة وسلامة وسعة.

ومعلوم لدينا جميعًا أننا إذا أحاطت بنا الكروب وضاقت بنا المحن فإنه لا مُخلِّص لنا ولا منجي إلا الله -جل وعلا-، ولكن كيف تكون النجاة؟!

هناك من يدعو الله تعالى في المحن فلا يُستجاب له، وهناك من يدعو فيُستجاب له، وقد بيّن الله لنا بعض أسباب ذلك.

يقول سبحانه: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: 10]. قال بعض المفسرين: الكلم الطيب هو الدعاء، يرفعه الله بعمل صاحبه الصالح، فيستجيب له.

إذًا إن من أعظم أسباب تفريج الكربات وقت المحن هو عمل الصالحات وقت الرخاء، يقول -عليه الصلاة والسلام-: “تعرَّف على الله في الرخاء يعرفْك في الشدة“.

انظروا إلى يونس بنِ متى -عليه السلام- وهو يسقط في لجج البحار فيبتلعه الحوت، فلا أحد يعلم مكانه، ولا أحد يسمع نداءه، ولكن يسمع نداءه من لا يخفى عليه نداء، ويعلم مكانه من لا يغيب عنه مكان، فدعا يونسُ ربه وهو في الظلمات: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فيجئ الجواب الإلهي: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات: 143، 144].

ويجيء الفرج الإلهي: (وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء: 88]، وليس المراد بقوله: (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ)، تسبيحه في بطن الحوت، ولكن المراد -كما قال المفسرون- أنه كان من المسبحين الذاكرين قبل وقوعه في بطن الحوت.

قال الحسن البصري: “ما كان ليونس صلاة في بطن الحوت، ولكن قدّم عملاً صالحًا في حال الرخاء فذكره الله في حال البلاء“.

وقد قصّ علينا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- قصة واقعية حدثت في الأمم قبلنا توضح هذا المعنى أوضح بيان.

يقول -عليه الصلاة والسلام-: “انطلق ثلاثة نفرٍ ممن كان قبلَكم حتى آواهم المبيت إلى غارٍ فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً -أي: لا أقدم في الشراب قبلهما أحدًا-، فنأى بي طلب الشجر يومًا -يعني: بَعُدَ بي طلب الشجر يومًا في الرعي-، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلَبت لهما غبوقَهما من اللبن فوجدتُهما نائمين، فكرِهت أن أوقظهما وأن أغبق -أي: أقدم في الشراب- قبلهما أهلاً أو مالاً، فلَبِثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برَقَ الفجرُ والصِبية يتضاغَون عند قدمي -أي يصيحون من الجوع-، فاستيقظا فشربا غبوقَهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. قال: فانفرجت عنهم الصخرة شيئًا لا يستطيعون الخروج منه“.

أيها المؤمنون: لقد توسّل هذا الأول ببره بوالديه، وقد ذكرت في خطبة سابقة أن بر الوالدين من أعظم أعمال البر التي يُتقرب بها إلى الله -جل وعلا-، وهذا العبد كان يعمل راعيًا، وكان من عادته أن يحلب بعد عودته، ثم يبدأ بوالديه -ويظهرُ أن هذا كان عشاءَهم-، فيسقيهما قبل أولاده وزوجته، وفي هذه المرة بقي حتى الفجر لم يُقدِّم عليهما أحدًا، حتى استيقظا فشربا.

فليحذر الذين يقدمون أبناءهم وزوجاتهم على آبائهم وأمهاتهم، فإن ذلك من التفريط الكبير في الحقوق ومن الغبن الفاحش. نسأل الله أن يحفظنا.

يقول -عليه الصلاة والسلام- في قصة أصحاب الغار: “وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم كنت أُحِبُّها كأشدِ ما يحب الرجال النساء، فأردتها على نفسها فامتنعت، حتى ألمت بها سنة من السنين -يعني: وقعت في حاجة شديدة-، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تُخلِّي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قَدِرْتُ عليها، قالت: اتَّقِ الله ولا تفضن الخاتم إلا بحقه، فانصرفْتُ عنها وهي أحب الناس إليّ، وتركتُ الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. قال: فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج“.

إخوة الإيمان: ما الذي دفع هذا الرجلَ إلى ترك الحرام مع قدرته عليه، وبعد أن تهيأت له أسبابه، لا شك أنه الإيمان، نعم أصابته غفلة بهذه المعصية، لكنه مؤمن، والمؤمن سريع الأوبة والرجوع، وهذا الرجل ذُكِّر بالله فتذكر، قالت له: “اتقِ الله“، ولم يقم عنها أنفة أو شهامة، فقد قال في دعائه -في مقام لا يكذب فيها أحد-: “اللهم إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا“. إذًا هذا عمل صالح منه أن كف نفسه وابنة عمه عن المعصية، وأعطاها المال كاملاً الذي طلبته، فعرفه الله وقت الشدة بذلك، ففرج عنهم شيئًا من الصخرة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق: 2، 3].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا…

 

 

الخطبة الثانية:

أما بعد: فنُكمل معكم حديث الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، في قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فانحدرت صخرة من الجبل فسدتْ عليهم الغار، يقول -عليه الصلاة والسلام-: “وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أُجَراء وأعطيتُهم أجرَهم، غيرَ رجل واحد، ترك الذي له وذهب فثمرت له أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله: أدِّ إليَّ أجري. فقلت: كلُ ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله: لا تستهزئ بي! فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كلَّه فاستاقه فلم يترك منه شيئًا. قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. قال -عليه الصلاة والسلام-: فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون“.

توسل هذا الرجل بحفظه لأموال أجير له ترك ماله وذهب، فثمَّره له حتى أصبح مالاً عظيمًا، فلما جاءه الأجير بعد غيبة طويلة يطلب ذلك الأجر القليل، أعطاه كلَّ المالِ الذي نتج عنه المال.

ولا نستقي من هذه القصة أهميةَ إعطاءِ العاملين حقوقهم فحسب، ولا نستقي منها أهميةَ حفظِ الأمانات حتى تؤدى لأصحابها فحسب، بل نستقي منها فضل إعطاءِ الناس أكثر من حقوقهم وإكرامهم والإحسان إليهم، فبقدر ما توسع على عباد الله يوسع الله عليك.

ويتبين لنا من هذه القصة بأكملها أن الله -جل وعلا- ينجي عبده بما له من أعمال صالحة سالفة، فكما أنه من يعمل سوءًا يجز به، فكذلك من يعمل خيرًا يجز به: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97].

هذا؛ واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، فقال سبحانه قولاً كريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب: 56].

اللهم صلّ وسلم…
 

 

الملفات المرفقة
عبر وعظات من قصة أصحاب الغار
عدد التحميل 1154
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات
جميع التعليقات
  • عبد الصمد بن محمد البرادعي
    احمد محمد على

    جزاكم الله خيرا وزادكم علما،
    هناك ملحوظة يسيرة أن الآيه التى فى آخر الخطبة ليست في سورة النساء ولكن فى سورة النحل رقم “97” جزاكم الله خيرا