طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

889

طبيعة الصراع على بيت المقدس

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / جامع فهد المقيل /
تاريخ الخطبة : 1428/11/20
تاريخ النشر : 1431/01/20
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الصراع بين الكنعانيين وبني إسرائيل على بيت المقدس 2/ تحرير قوم يوشع بن نون لبيت المقدس من أيدي الكنعانيين 3/ حكم الرومان لبيت المقدس تحت استرضاء اليهود 4/ انتقال حكم بيت المقدس للنصارى 5/ انتقال حكم بيت المقدس للمسلمين 6/ المسجد الأقصى مسجد للمسلمين على مر التاريخ 7/ عقيدة اليهود والنصارى في بيت المقدس 8/ حقيقة المؤتمرات العقيمة
اقتباس

.. واستقر الحكم بعد حروب كثيرة للرومان على بيت المقدس، فاسترضوا بني إسرائيل، وتقربوا إليهم، ولكن بني إسرائيل تمادوا في البغي والظلم فبعث الله تعالى فيهم زكريا ويحيى عليهما السلام، وكان زكريا رئيس المسجد أو الهيكل، وهو الذي كفل مريم عليها السلام المنذورة لخدمة الهيكل، ومن مريم جاء المسيح عيسى عليه السلام بلا أب بمعجزة ربانية مذكورة في القرآن ..

 

 

 

 

الحمد لله العليم الحكيم؛ خلق البشر فجعلهم فريقين:أهل حق وأهل باطل، وقضى ببقاء الصراع بينهما إلى آخر الزمان؛ فلا يجتمعان ولا يرتفعان؛ ابتلاء منه سبحانه لعباده (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) [محمد:4] نحمده كما ينبغي له أن يحمد، ونشكره على عظيم منه وواسع فضله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لا يقضي قضاء للمؤمنين إلا كان خيرا لهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ ختم الله تعالى به النبوات، وقضى بهيمنة شريعته على الشرائع كلها، فلا حق يوصل إلى الله تعالى ورضوانه إلا ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، وما عارضه فهو البعد عن الله تعالى ورضوانه (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ) [المائدة:48] صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله -أيها المؤمنون- واعملوا صالحاً؛ فإن أمامكم كربات وشدائد لا ثبات فيها، ولا مخرج منها إلا بتقوى الله عز وجل، وقوة اليقين به، والالتجاء إليه، وصدق التوكل عليه (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطَّلاق:3].

أيها الناس: من عدل الله تعالى في عباده أن جعل السيادة والريادة لمن يدين بدينه ويقيم شريعته، دون اعتبار لجنسه ولونه ولسانه وماله وسلطانه، وهؤلاء هم أهل الحق، والحق أقوى من الباطل -وإن طغى أهله وظلموا- (بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) [الأنبياء:18] وأهل الحق غالبون ولو كانوا قلة مستضامين مستضعفين؛ لأنهم جند الله تعالى، وقد قال -سبحانه- (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ) [الصَّافات:173].

وبنو إسرائيل أمة قد فضلها الله تعالى على من كانوا قبلها من الأمم، بما آتاها الله تعالى من الحكم والنبوة (وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العَالَمِينَ) [الجاثية:16] وفي الآية الأخرى (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ) [الدُخان:32].

وإذا أطلق إسرائيل في القرآن فهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، جعل الله تعالى أنبياء بني إسرائيل من ذريته، وكان موطنهم بيت المقدس بعد أن اتخذه جدهم الخليل إبراهيم -عليه السلام- موضعاً يعبد الله تعالى فيه، إلى أن جرى على يوسف ما جرى عليه من المحنة والابتلاء، ثم الرفعة والتمكين، فهاجر يعقوب ببنيه من بيت المقدس إلى مصر؛ كما في سورة يوسف عليه السلام (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آَمِنِينَ) [يوسف:99] ومكثوا فيها أربعة قرون وزيادة.

كان الكنعانيون الوثنيون فيها يحكمون بيت المقدس ويسمون العمالقة والجبارين، فلما بعث الله تعالى موسى من نسل يعقوب عليهما السلام، وجرى عليه ما جرى مع فرعون وقومه أنزل الله تعالى التوراة على موسى عليه السلام، وفرض فيها الجهاد على بني إسرائيل فأمروا بقيادة موسى عليه السلام أن يطهروا بيت المقدس من وثنية الكنعانيين؛ فامتنعت بنو إسرائيل عن القيام بأمر الله تعالى وقالوا (يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) [المائدة:22] فعاقبهم الله تعالى بالتيه على عصيانهم أربعين سنة على ما جاء ذكره في سورة المائدة، توفي فيها هارون ثم موسى عليهما السلام.

ونشأ جيل جديد من بني إسرائيل؛ أقوى إيمانا، وأصلب عودا، وأمضى عزيمة، فقادهم يوشع بن نون عليه السلام إلى بيت المقدس ففتحها الله تعالى على يديه، وطُهرت الأرض المباركة من شرك الكنعانيين الوثنيين.

وعمرها أتباع موسى بتوحيد الله تعالى.. إلى أن دبَّ الشرك والعصيان في بعضهم؛ فكان من بني إسرائيل موحدون، كما كان فيهم مشركون، فلما كثر العصيان فيهم سلط الله تعالى عليهم الجبابرة من الكنعانيين، فاحتلوا بيت المقدس، ونكَّلوا بهم، فضاع بنو إسرائيل وتفرقوا، فعمدوا إلى نبي لهم؛ لينصب عليهم ملكا يسوسهم، ويعيد مملكة القدس لهم، فأرسل إليهم طالوت.

فكانت المعركة العظيمة المذكورة في سورة البقرة، التي انتصر فيها بنو إسرائيل على الوثنيين، وبرز فيها نجم داوود عليه السلام حين قتل جالوت، ثم آل الملك إليه بعد طالوت، وآتاه الله تعالى النبوة، فافتتح بيت المقدس، وسميت مدينة داوود، فعزم على أن يبني لله تعالى مسجداً سماه اليهود بيت الرب أو الهيكل، وتوفي -عليه السلام- قبل أن يتم له ذلك فخلفه ابنه سليمان عليه السلام، وآتاه الله تعالى الملك والنبوة، فابتنى المسجد على هيئة عظيمة تليق بملكه وملك أبيه عليهما السلام.

وظل بنو إسرائيل يعبدون الله تعالى في المسجد أو الهيكل على وفق شريعة موسى عليه السلام والنبيين من بعده، ومع تقادم العهد كان بنو إسرائيل يتحللون من شرائع أنبيائهم شيئا شيئا، فيبعث الله تعالى لهم أنبياء يدعونهم إلى التوحيد وإقامة الدين، فربما صدوا عن سبيلهم أو آذوهم أو قتلوهم، فيسلط الله تعالى عليهم من يسومهم سوء العذاب كما سلط عليهم الفراعنة والبابليين، ونتج عن ذلك هدم المسجد أو الهيكل، وخُرِّبت مدينة القدس في السبي البابلي، ثم أعيد بناؤها وبناء الهيكل لما انتصر الفرس على البابليين.

واستقر الحكم بعد حروب كثيرة للرومان على بيت المقدس، فاسترضوا بني إسرائيل، وتقربوا إليهم، ولكن بني إسرائيل تمادوا في البغي والظلم، فبعث الله تعالى فيهم زكريا ويحيى عليهما السلام، وكان زكريا رئيس المسجد أو الهيكل، وهو الذي كفل مريم عليها السلام المنذورة لخدمة الهيكل، ومن مريم جاء المسيح عيسى عليه السلام بلا أب بمعجزة ربانية مذكورة في القرآن. وبلغ من فساد بني إسرائيل -كما في أخبار كتبهم- أنهم قتلوا زكريا، ثم قتلوا ولده يحيى عليهما السلام؛ لأنه رفض الفتيا لهم بجواز البغاء لأحد ملوكهم، ورموا مريم بالإفك والبهتان.

ولما بعث فيهم عيسى عليه السلام انقسم بنو إسرائيل إلى فريقين: فريق آمن بعيسى -وهم الأقل والأضعف- وهم النصارى، وفريق كفر به -وهم الأكثر والأقوى- وهم اليهود، فوعظهم عيسى وذكرهم، وكانت عقائدهم وأخلاقهم قد بلغت المنتهى في الفساد والانحطاط حتى إنهم جعلوا مسجد داود ملهى لهم، وسوقاً للمرابين منهم، فحذرهم عيسى عليه السلام من عقوبة الله تعالى.

وانتشرت دعوة عيسى عليه السلام ومواعظه بين الناس، وتأثروا به، فخاف المتنفذون من رجال الدين والسياسة من اليهود على نفوذهم من دعوته، وحكمت المجامع الدينية اليهودية بقتل عيسى عليه السلام، وأغروا الحاكم الروماني بذلك، وفرَّ عيسى عليه السلام ومن معه بدينهم، وقيل: سمي المسيح لسياحته في الأرض، وكثرة تنقله؛ خوفا من اليهود، إلى أن عثروا عليه فنجاه الله تعالى منهم، ورفعه إليه.

وبعد سنوات من رفع عيسى عليه السلام، وأذية أتباعه بأيدي اليهود؛ سُلِّط اليهود على أنفسهم فحاولوا التمرد على الحاكم الروماني، فاستباحهم، وسبى كثيرا منهم إلى روما، وأحرق المدينة المقدسة، وهُدِم الهيكل للمرة الثانية، وتحققت فيهم نبوءة عيسى عليه السلام فلم يُبْق الرومان في المدينة المقدسة حجرا على حجر. وانتهى أمر اليهود في بيت المقدس، وتفرقوا في أرجاء الأرض، وانتقلت أحقية المدينة المقدسة من اليهود إلى النصارى لشرك اليهود وتوحيد النصارى.

ولكن أتباع عيسى عليه السلام -وهم النصارى- ما لبثوا إلا يسيرا حتى بدأ الانحراف يدب فيهم، ولم يبق على التوحيد منهم إلا طائفة قليلة؛ إذ بعد ثلاثة قرون من رفع المسيح عليه السلام أعلن حاكم الروم قسطنطين عقيدة التثليث عقيدةً موحدة للنصارى، ودخلت الأمة الرومانية في النصرانية المحرفة، وهرب الموحدون من أتباع عيسى عليه السلام في البراري والأدغال؛ خوفا من بطش أهل الشرك والتثليث.

وابتنيت الكنائس في مدينة القدس وغيرها على هذه العقيدة الشركية، وأقيمت فيها التماثيل، وصورت فيها التصاوير التي تناقض دين المسيح عليه السلام.

وظل مسجد داوود عليه السلام سورا خالياً لا بناء فيه، ولما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم، وأسرى به إلى المسجد الأقصى، وأمَّ فيه الأنبياء عليهم السلام كان ذلك إيذانا بانتقال الحق في المدينة المقدسة من النصارى إلى المسلمين، وتم ذلك في فتوح الشام في عهد عمر رضي الله عنه، الذي رحل من المدينة إلى بيت المقدس ليتسلم مفاتيحه من كبار النصارى، ودخلت المدينة المقدسة ومسجدها -مسجد داود عليه السلام- في حظيرة الإسلام، وشرع شد الرحال إلى مسجدها كما شرع لحرمي مكة والمدينة، ولا حقَّ فيها لغير أهل الإسلام بناء على أنها من حق من يقيم دين الله تعالى، ولا دينا حقا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلا دينُ الإسلام، وأما اليهود والنصارى فانحرفوا عن شرائع أنبيائهم، فكان المسلمون أولى بأنبيائهم عليهم السلام منهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود (نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ) متفق عليه.

وفي شأن عيسى عليه السلام قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أَوْلَى الناس بِابْنِ مَرْيَمَ" متفق عليه. وعيسى عليه السلام حين ينزل آخر الزمان فإنه يقاتل اليهود والنصارى على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحكم بين الناس بها.

نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الحق، وأن يجعلنا من أنصاره، وأن يكبت أعداء الإسلام والمسلمين، وأن يرد كيدهم إلى نحورهم، وأن يجعلهم خائبين خاسرين، إنه سميع مجيب.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله تعالى لي ولكم….

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281]

أيها المسلمون: كان المسجد الأقصى على مرِّ التاريخ مسجداً للمسلمين من قبل أن يوجد اليهود ومن بعد ما وجدوا؛ فإبراهيم عليه السلام هو أول من اتخذ تلك البقعة مسجداً، وقد قال الله تعالى عنه (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِياًّ وَلاَ نَصْرَانِياًّ وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ) [آل عمران: 67]، وليس لبني إسرائيل يهوداً ونصارى علاقة بالمسجد الأقصى إلا في الفترات التي كانوا فيها مسلمين مع أنبيائهم المسلمين عليهم السلام، أما بعد كفرهم بالله تعالى، وشتمهم إياه، وقتلهم الأنبياء فقد انبتت علاقتهم بهذا المسجد الذي تحول إلى إرث المسلمين المؤمنين بجميع الأنبياء عليهم السلام.

ولكن اليهود والنصارى في هذا الزمن لا يسلمون بذلك، ويحاربون المسلمين عليه؛ إذ يعتقد اليهود أن بناء الهيكل الثالث سيخرج ملكاً من نسل داوود عليه السلام، يحكمون به العالم، ويقتلون غير اليهود، كما يعتقد النصارى أن نزول المسيح سيكون في الأرض المباركة، وأنهم سيكونون أتباعه، ويقتلون به غير النصارى؛ فالصراع على بيت المقدس هو صراع ديني عقائدي، يعتقد صهاينة اليهود والنصارى أنهم لن يستطيعوا حكم العالم إلا بعد بناء الهيكل فيه؛ ولذا فلن يتنازلوا عنه مهما كلف الأمر.

وأما الملاحدة والعلمانيون من بني إسرائيل فيرون أن هذه العقائد الدينية التي تحرك صهاينتهم فرصة سانحة لإقناع شعوبهم وتحريكهم نحو استعمار منطقة الشرق الإسلامي، وبسط نفوذهم فيها؛ لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية بهذه المعتقدات.

والعجيب أن الأهداف الصهيونية الدينية والأهداف العلمانية عند اليهود والنصارى قد التقت على هذه البقعة المباركة، واتفقت على لزوم السيطرة عليها، وكل واحد من الفريقين وإن كانت له مسوغاته ومشاريعه فإنه يدعم الفريق الآخر ويؤيده. بخلاف المسلمين فإن العلمانيين منهم يريدون التخلي عن الأرض المباركة، وبيعها ومسجدها للأعداء بثمن بخس، بل بلا ثمن، ويحاربون من لا يوافقهم في خيانتهم بلا هوادة.

إن الأرض المباركة هي أرض الله تعالى، ومسجدها أقيم لتوحيده سبحانه، وليس من حق أحد -كائنا من كان- أن يتنازل عن شيء منها للأعداء؛ فهي ملك لله تعالى، وأمانة عند المسلمين، ولن تحرر من رجس اليهود إلا بالتزام دين الله تعالى، وتحكيم شريعته، والتوبة من الذنوب والمعاصي التي هي سبب الذل والهوان المضروبين على المسلمين.

إن الأرض المباركة بمسجدها المقدس لن تحررها مؤتمرات تقام هنا أو هناك، يعقدها من سعروا الحروب لإشباع نزواتهم؛ فاستعمروا البلدان، وخربوا العمران، ونهبوا الثروات، وقتلوا الرجال والنساء والولدان.. هم الخصم في مؤتمراتهم وهم الحكم، وهم من يملون الاتفاقيات، ويشترطون الشروط، ويفرضون إرادتهم الظالمة بالقوة والبطش والتخويف والتهديد، ما يعقدون مؤتمراتهم إلا طمعاً في تنازلات جديدة، ولن يكون حظ المسلمين من مؤتمرهم الأخير إلا كحظهم من اتفاقات مدريد وأسلو وغيرها من مؤتمرات الأعداء.

لن ينال المسلمون منها إلا تكريس الاحتلال، ومكافأة الظلمة، وجلد الضحية، وتشريع الفساد في الأرض؛ فلا أمل فيهم ولا في مؤتمراتهم، وإنما الأمل في الله تعالى، ثم في رجال مؤمنين مرابطين في الأرض المباركة، قد تحملوا عن الأمة كلها مسئولية الدفاع عن المسجد الأقصى، ففدوه بدمائهم وأبنائهم وأموالهم..

ما وهنت لهم عزيمة، ولا لانت لهم عريكة، جوعهم أهل الأرض على ما اختاروا فصبروا وما ضجروا.. هدم اليهود ديارهم، وأتلفوا زروعهم، وفعلوا بهم ما لا يحتمله غيرهم، وهم صابرون صامدون مرابطون، فلهم على المسلمين حق الدعاء والتضرع بأن يفرج الله تعالى كربتهم، ويقوي عزيمتهم، ويربط على قلوبهم، وينصرهم على أعدائهم، ويحرر الأقصى على أيديهم (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الله العَزِيزِ الحَكِيمِ) [آل عمران:126].

وصلوا وسلموا…

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

______________
مربع (1):
ذكر الرازي رحمه الله تعالى: اتفاق المفسرين على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ويقولون إن معنى إسرائيل عبد الله لأن ( إسرا ) في لغتهم هو العبد و ( إيل ) هو الله، وكذلك جبريل وهو عبد الله، وميكائيل عبد الله. قال القفال: قيل: إن ( إسرا ) بالعبرانية في معنى إنسان فكأنه قيل رجل الله، التفسير الكبير(3/28).

وذكر فيه ابن كثير رحمه الله تعالى حديثا مسندا فقال: فإسرائيل هو يعقوب بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب قال حدثني عبد الله بن عباس قال:(حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب قالوا اللهم نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اشهد) تفسير ابن كثير(1/83).

قلت: هو حديث طويل اختصره ابن كثير، وأخرجه الطيالسي(2731) وأحمد(1/273) وابن سعد في الطبقات(1/174) وابن أبي حاتم في تفسيره(433)والطبري في تفسيره(1/431) والطبراني في الكبير(12/246) رقم(13012) وغيرهم من طرق لا تخلو من ضعف عن ابن عباس رضي الله عنهما، وضعف الهيثمي طريق الطبراني في مجمع الزوائد(6/351-316).

قال الطبري رحمه الله تعالى: وكان يعقوب يدعى إسرائيل بمعنى: عبد الله وصفوته من خلقه و(إيل) هو الله، و(إسرا) هو العبد؛ كما قيل: جبريل، بمعنى: عبد الله، ثم أسند إلى ابن عباس رضي الله عنهما قوله: إن إسرائيل كقولك عبد الله. تفسير الطبري (1/248).
ونقل القرطبي في تفسيره(1/330) عن ابن الجوزي قوله: وليس في الأنبياء من له اسمان غيره إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن له أسماء كثيرة ذكره في كتاب فهوم الآثار له، ثم قال القرطبي: قلت: وقد قيل في المسيح: إنه اسم علم لعيسى عليه السلام غير مشتق، وقد سماه الله روحا، وكلمة، وكانوا يسمونه أبيل الأبيلين ذكره الجوهري في الصحاح، وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن الخليل بن أحمد خمسة من الأنبياء ذوو أسمين: محمد وأحمد نبينا صلى الله عليه وسلم، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النون، وإلياس وذو الكفل صلى الله عليهم وسلم.

قلت(القرطبي): ذكرنا أن لعيسى أربعة أسماء، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فله أسماء كثيرة بيانها في مواضعها، وإسرائيل أسم أعجمي، ولذلك لم ينصرف وهو في موضع خفض بالإضافة، وفيه سبع لغات:

1- إسرائيل وهي لغة القرآن.
2- وإسرائيل بمدة مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ عن ورش.
3- وإسرائيل بمدة بعد الياء من غير همز وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر.
4- وقرأ الحسن والزهري بغير همز ولا مد.
5- وإسرائيل بغير ياء بهمزة مكسورة.
6- وإسراءل بهمزة مفتوحة.
7- وتميم يقولون إسرائين بالنون.

ومعنى إسرائيل:
1- عبد الله قال ابن عباس رضي الله عنهما: إسرا بالعبرانية هو عبد وإيل هو الله.
2- وقيل: إسرا هو صفوة الله وإيل هو الله.
3- وقيل إسرا من الشد فكأن إسرائيل الذي شده الله وأتقن خلقه ذكره المهدوي.
4- وقال السهيلي: "سمي إسرائيل لأنه أسرى ذات ليلة حين هاجر إلى الله تعالى فسمى إسرائيل أي أسرى إلى الله ونحو هذا فيكون بعض الأسم عبرانيا وبعضه موافقا للعرب والله أعلم". اهـ من تفسير القرطبي (1/330-331) وانظر: زاد المسير (1/72) وتفسير البيضاوي (1/307) والدر المنثور (1/153)

مربع (2)

كان من سنة الله تعالى في المكذبين من عباده أن يهلكهم بعذاب من السماء كما جرت هذه السنة على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وهامان وقارون وجندهم، فلما شرع الله تعالى الجهاد في شريعة موسى عليه السلام أمسك عذابه عنهم، وجعله بأيدي المؤمنين بالجهاد الشرعي الذي هو باق إلى آخر الزمان، حين يجاهد عيسى عليه السلام والعصبة المؤمنة معه المسيح الدجال ومن معه من اليهود، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، وتضافرت فيه أقوال المفسرين والعلماء:

1- قال الله تعالى: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [القصص:43] وفيما أنزل الله على موسى الجهاد بدليل قوله سبحانه (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) [المائدة:21].

2- ذكر الله تعالى قصة نوح عليه السلام في سورة(المؤمنون) وذكر القرون المهلكة بعده في قوله سبحانه (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) [المؤمنون:44] ثم ذكر سبحانه إرسال موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون وقومه وقال سبحانه عنهم (فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ * وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [المؤمنون:49] فهذا يدل على أن نزول التوراة كان بعد هلاك فرعون وجنده، وفي التوراة شرع الجهاد.

3- عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( غَزَا نَبِيٌّ من الْأَنْبِيَاءِ فقال لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وهو يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بها وَلَمَّا يَبْنِ بها ولا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا ولم يَرْفَعْ سُقُوفَهَا ولا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أو خَلِفَاتٍ وهو يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا فَغَزَا فَدَنَا من الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ أو قَرِيبًا من ذلك فقال لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وأنا مَأْمُورٌ اللهم احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حتى فَتَحَ الله عليه فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ يَعْنِي النَّارَ لِتَأْكُلَهَا فلم تَطْعَمْهَا فقال إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا فَلْيُبَايِعْنِي من كل قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بيده فقال فِيكُمْ الْغُلُولُ فلتبايعني قَبِيلَتُكَ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أو ثَلَاثَةٍ بيده فقال فِيكُمْ الْغُلُولُ فجاؤوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ من الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا فَجَاءَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ثُمَّ أَحَلَّ الله لنا الْغَنَائِمَ رأي ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لنا) أخرجه البخاري(2956) ومسلم(1747)

وهذا النبي المبهم هنا هو يوشع بن نون عليه السلام كما جاء مُعينا في حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أن الشَّمْسَ لم تُحْبَسْ على بَشَرٍ إلا لِيُوشَعَ ليالي سَارَ إلى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أخرجه أحمد (2/325). وكانت هذه الحادثة بعد وفاة موسى عليه السلام.

4- ما قص الله تعالى علينا في سورة البقرة من خبر المعركة بين طالوت وجالوت، وقتل داود لجالوت، وداود عليه السلام من أنبياء بني إسرائيل، وهو بعد موسى عليه السلام.

5- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( ما أهلك الله قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية منذ أنزل التوراة على وجه الأرض بعذاب من السماء غير أهل القرية التي مسخت قردة، ألم تر إلى قوله تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون) أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (2/442) والطبري في تفسيره(9/162) وابن أبي حاتم في تفسيره(16928) وجاء مرفوعا وموقوفا كما في مسند البزار(عن الدر المنثور)

ومن أقوال المفسرين على قول الله تعالى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [القصص:43] .
1- قال ابن عطية رحمه الله تعالى: وقالت فرقة: إن الآية مضمنة أن إنزال التوراة على موسى هو بعد أن رفع الله تعالى عذاب الأمم فلم تعذب أمة بعد نزول التوراة إلا القرية التي مسخت قردة فيما رُوي. المحرر الوجيز (4/289).

2- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:قال موسى (قد جئتكم ببينة من ربكم) إلى قوله (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) إلى قوله (فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) وليس المراد بالآيات هنا كتابا منزلا؛ فإن موسى لما ذهب إلى فرعون لم تكن التوراة قد نزلت، وإنما أنزلت التوراة بعد أن غرق فرعون، وخلص ببني إسرائيل، فاحتاجوا إلى شريعة يعملون بها، قال تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الآولى بصائر للناس وهدى) ولكن تكذيبهم بآياته إنكارهم أن تكون آية من الله وقولهم إنها سحر. اهـ من النبوات (167-168).

3- وقال في موضع آخر: والله تعالى قد جعل أكمل المؤمنين إيمانا أعظمهم بلاء كما قيل للنبي (أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلي الرجل علي حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي علي الأرض وليس عليه خطيئة) ومن هذا أن الله شرع من عذاب الكفار بعد نزول التوراة بأيدي المؤمنين في الجهاد ما لم يكن قبل ذلك حتى إنه قيل لم ينزل بعد التوراة عذاب عام من السماء للأمم كما قال تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون) فإنه قبل ذلك قد أهلك قوم فرعون وشعيب لوط وعاد وثمود وغيرهم ولم يهلك الكفار بجهاد المؤمنين، ولما كان موسى أفضل من هؤلاء وكذلك محمد وهما الرسولان المبعوثان بالكتابين العظيمين كما قال تعالى (إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا) وقال تعالى (قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتى موسى من قبل) إلى قوله (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه) وأمر الله هذين الرسولين بالجهاد على الدين، وشريعة محمد أكمل؛ فلهذا كان الجهاد في أمته أعظم منه في غيرهم، قال تعالى (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وقال تعالى (ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض) وقال تعالى للمنافقين (ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا) اهـ من قاعدة في المحبة 150-151

4- وقال أيضا: إن الله سبحانه وتعالى كانت سنته قبل إنزال التوراة إذا كذب نبي من الأنبياء ينتقم الله من أعدائه بعذاب من عنده كما أهلك قوم نوح بالغرق وقوم هود بالريح الصرصر وقوم صالح بالصيحة وقوم شعيب بالظلة وقوم لوط بالحاصب وقوم فرعون بالغرق قال تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون) فلما أنزل التوراة أمر أهل الكتاب بالجهاد فمنهم من نكل ومنهم من أطاع، وصار المقصود بالرسالة لا يحصل إلا بالعلم والقدرة كما قال تعالى(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا) الجواب الصحيح 5/100-101

5- وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقد كان تعالى إنما يعاقب الأمم السالفة المكذبة للأنبياء بالقوارع التي تعم تلك الأمم المكذبة كما أهلك قوم نوح بالطوفان، وعادا الأولى بالدبور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل، وقوم شعيب بيوم الظلة، فلما بعث الله تعالى موسى وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق في أليم، ثم أنزل على موسى التوراة شرع فيها قتال الكفار واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك كما قال تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر) وقتل المؤمنين للكافرين أشد إهانة للكافرين وأشفى لصدور المؤمنين كما قال تعالى للمؤمنين من هذه الأمة (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم بأعين ازدرائهم أنكى لهم وأشفى لصدور حزب الإيمان.اهـ تفسير ابن كثير (2/292).

6- وقال في موضع آخر: يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم من إنزال التوراة عليه بعد ما أهلك فرعون وملأه وقوله تعالى (من بعد ما أهلكنا القرون الأولى) يعني: أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين كما قال تعالى(وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية) . تفسير ابن كثير (3/391).

7- قال السعدي: مرَّ عليَّ منذ زمان طويل كلام لبعض العلماء لا يحضرني الآن اسمه وهو أنه بعد موسى ونزول التوراة رفع الله العذاب عن الأمم، أي: عذاب الاستئصال، وشرع للمكذبين المعاندين بالجهاد ولم أدر من أين أخذ،ه فلما تدبرت هذه الآيات –يقصد آيات سورة المؤمنين المذكورة آنفا-مع الآيات التي في سورة القصص تبين لي وجهه. أما هذه الآيات –آيات سورة (المؤمنون)- فلأن الله ذكر الأمم المهلكة المتتابعة على الهلاك ثم أخبر أنه أرسل موسى بعدهم وأنزل عليه التوراة فيها الهداية للناس ولا يرد على هذا إهلاك فرعون فإنه قبل نزول التوراة، وأما الآيات التي في سورة القصص فهي صريحة جدا؛ فإنه لما ذكر هلاك فرعون قال (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون) فهذا صريح أنه آتاه الكتاب بعد هلاك الأمم الباغية، وأخبر أنه أنزل بصائر للناس وهدى ورحمة ولعل من هذا ما ذكر الله في سورة يونس من قوله(ثم بعثنا من بعده) أي من بعد: نوح، (رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون) الآيات، والله أعلم.اهـ تفسير السعدي (552).

فائدة: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن جهاد الكفار أصلح من هلاكهم بعذاب سماء من وجوه:

أحدها: أن ذلك أعظم في ثواب المؤمنين وأجرهم وعلو درجاتهم؛ لما يفعلونه من الجهاد في سبيل الله لأن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله.

الثاني: أن ذلك أنفع للكفار أيضا؛ فإنهم قد يؤمنون من الخوف، ومن أسر منهم وسيم من الصغار يسلم أيضا، وهذا من معنى قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) قال أبو هريرة: وكنتم خير الناس للناس تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة) فصارت الأمة بذلك خير أمة أخرجت للناس، وأفلح بذلك المقاتلون، وهذا هو مقصود الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهذا من معنى كون محمد ما أرسل إلا رحمة للعالمين فهو رحمة في حق كل أحد بحسبه، حتى المكذبين له هو في حقهم رحمة أعظم مما كان غيره؛ ولهذا لما أرسل الله إليه ملك الجبال، وعرض عليه أن يقلب عليهم الأخشبين قال:( لا استأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له).

الثالث: أن ذلك أعظم عزة للإيمان وأهله، وأكثر لهم، فهو يوجب من علو الإيمان وكثرة أهله ما لا يحصل بدون ذلك. قاعدة في المحبة152-153

مربع(3) كتب د. عبد العزيز كامل حفظه الله تعالى مقالة نفيسة بعنوان (بناء الهيكل الثالث …سباق مع الزمن) في البيان عدد(135) ص(78) جاء فيها:

الهيكل تسمية قديمة للمكان المختار للعبادة قبل الإسلام، والهيكل الذي كان موجوداً في الأرض المقدسة يمثل مراحل المسجد الأقصى فيما قبل الرسالة المحمدية، وقد صح أنه ثاني مسجد وضع في الأرض، فقد بناه إبراهيم عليه السلام بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة، وكان الهيكل في القدس قبلة لكل أنبياء بني إسرائيل طيلة عهودهم، واستمر المسلمون يصلّون إلى بيت المقدس زماناً، حتى تحولت قبلة المسلمين إلى الكعبة، ولكن حادثة الإسراء كانت إيذاناً بانتقال أرض القبلة الأولى إلى إرث الأمة الإسلامية؛ لأنها أرض مقدسة لا يصلح أن تبقى تحت أيدي أهل الملل الكفرية والعبادات الشركية؛ ولهذا كانت أرض بيت المقدس في مقدمة الأراضي التي اتجهت إليها جهود الفتح، بدءاً من غزوة تبوك، حتى تم فتحها في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

إن اليهود كانوا يتبادلون طوال أزمنة الشتات تحية يقولون فيها: (غداً نلتقي في أورشليم)! وبعد أن وصلوا إلى أورشليم أو (القدس) واستولوا على حائط (البراق) الذي يسمونه حائط (المبكى)، ابتدع لهم حاخاماتهم دعاءً يرددونه في كل صلاة أمام الحائط، وهو عبارة عن قَسَم وعهد على إعادة بناء الهيكل، ويدعون على أنفسهم باكين بأن تلتصق ألسنتهم في حلوقهم إذا هم نسوه! وأول من ردد ذلك الدعاء والتزم هذا التعهد هم القادة العسكريون عندما دخلوا القدس عام 1967م، ووقتها لم يتقدم (موشيه دايان) وزير الدفاع لدخول المدينة المقدسة إلا وراء الحاخام الأكبر للجيش الإسرائيلي (شلومو غورين) !، أما (إسحاق رابين) رئيس أركان حرب الجيش الإسرائيلي آنذاك والذي تحول بعد إلى (ركن من أركان السلام)، فقد كتب في مذكراته يصف حرارة لحظات دخول القدس والاقتراب من مكان الهيكل فيقول: (كان صبرنا قصيراً .. كان يجب أن لا نضيع الفرصة التاريخية، كنا كلما اقتربنا من حائط المبكى ازداد الانفعال .. حائط المبكى الذي يميز إسرائيل، لقد كنت أحلم دوماً بأن أكون شريكاً .. ليس فقط في تحقيق قيام إسرائيل، وإنما في العودة للقدس، وإعادة أرض حائط المبكى إلى السيطرة اليهودية .. والآن عندما تحقق هذا الحلم، تعجبت: كيف أصبح هذا ملك يدي ! ؟ وشعرت بأنني لن أصل إلى مثل هذا السمو طيلة حياتي) ! انظر: الخلفية التوراتية للموقف الأمريكي، لإسماعيل كيلاني، ص 35 . ولكن .. هل اليهود وحدهم، أو النصارى معهم فقط المعنيون بإعادة بناء الهيكل ؟ ! .. لا، إن هناك جماهير غفيرة من المغفلين أولي الديانات والثقافات المختلفة، ينجح اليهود في استدراجهم للعمل لحسابهم تحت مظلة الأندية الماسونية العالمية، تلك الماسونية التي عرّفها المستشرق الهولندي (دوزي) بأنها: (جمهور كبير من مذاهب مختلفة، يعملون لغاية واحدة هي: إعاة بناء الهيكل الذي هو رمز إسرائيل) انظر: الماسونية في العراء، محمد على الزعبي، ص 163 .

ويستوي في ذلك ماسون الغرب وماسون العرب، فقد جاء في النشرة الماسونية الصادرة في نيويورك عام 1901م: (إن الماسونية الأوروبية ستشيد بناءً حيث يعبد إله إسرائيل إلى الأبد) انظر: جذور البلاء، لعبد الله التل، ص 127. ويقول إدريس راغب وهو من أبرز الماسونيين العرب (إن الاعتقاد بوجوب إقامة الهيكل يقوّي إيماننا بالوعود المذكورة في الكتاب) انظر: الماسونية في العراء، ص 105.

 

مربع(4)
جاء في السنة النبوية أن سليمان عليه السلام هو باني بيت المقدس في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أَنَّ سُلَيْمَانَ بن دَاوُدَ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ عز وجل خِلَالًا ثَلَاثَةً سَأَلَ اللَّهَ عز وجل حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ وَسَأَلَ اللَّهَ عز وجل مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ من بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ وَسَأَلَ اللَّهَ عز وجل حين فَرَغَ من بِنَاءِ ا

الملفات المرفقة
الصراع على بيت المقدس – مشكولة
عدد التحميل 1336
الصراع على بيت المقدس
عدد التحميل 1336
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات