طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

835

نعم الله على الحجيج والواجب تجاهها

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : الحج الأحداث العامة
تاريخ الخطبة : 1430/12/10
تاريخ النشر : 1430/12/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/نعمة الله بإتمام أعظم أعمال الحج 2/ نعمة الله علينا بعيد الأضحى 3/ بعض أحكام الحج 4/ أهمية التعامل بين الناس بالحسنى 5/ تحية وتقدير للقائمين بأمر الحجيج 6/ أهمية الاجتماع ونبذ الفرقة بين المسلمين 7/ إدانة الأعمال الإجرامية من المتسللين 8/ مؤازرة رجال الأمن المجاهدين 9/ أحكام وآداب زيارة المسجد النبوي
اقتباس

فاتقوا الله -معاشر الحجيج- وروضوا أنفسكم على الرفق والأناة والتيسير والحذر من المشقة والحرج والتعسير.. الحج مظهر من مظاهر العبودية لله والاعتدال والوسطية في شريعة الله، ومعْلَم من معالم الأخوة والتراحم والتسامح والسلوك الحضاري بين عباد الله.. ولتحذروا -يا رعاكم الله- تلك الدعوات النشاز التي ترمي إلى تسييس هذه الفريضة الدينية والزجِّ بها في شعارات طائفية أو نعراتٍ وعصبياتٍ إقليمية ..

 

 

 

إن الحمد لله.. نحمدك ربنا ونشكرك وأنت الرحيم البر حمدًا وشكرا كثيرا يتجدد في الآصال والبكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. مَنّ علينا بحلول يوم النحر، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله ومصطفاه من البشر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه -السادة الغرر- والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المحشر، وسلَّم تسليمًا كثيرا.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.. والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.. الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا.

أما بعد: فيا عباد الله ويا حجاج بيت الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإنها خير الزاد والسبيل الموصل إلى رضا رب العباد: (… وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) [البقرة:197].

ألا إنّ تقـوَى اللهِ خيرُ مغبَّـة *** وأفْضـل زادِ الظاعِن المتجمِّل
ولا خيرَ في طولِ الحياةِ وعيشِها *** إذا أنْت منهَا بالتَّقوى لمْ ترحَل

أخوة الإسلام.. حجاج بيت الله الحرام: المقام والمناسبة يتوجه بالشكر والذكرى والمحاسبة؛ فاشكروا الله -جل وعلا- على عظيم نعمائه وجسيم آلائه.. حيث تعيشون هذه الأجواء الروحانية العبقة والنفحات الإيمانية المباركة بعد أن مَنّ الله عليكم بالوقوف على صعيد عرفة والمبيت بمزدلفة والإفاضة إلى منى والقيام بما تيسر من أعمال يوم النحر من الرمي والذبح والحلق والطواف.. فيا لها من مواقف عظيمة وأعمال جليلة.. حيث تسكب العبرات وتتنزل الرحمات وتقال العثرات وتحل الخيرات والبركات وتمحى الذنوب والسيئات؛ فاشكروا الله -جل وعلا- أن بلغكم هذا اليوم العظيم وهذا الموسم الكريم.

لك الحمْدُ يا ربَّ الحجيج جمعتهم *** ليومٍ طهور الساح والعَرَصات
أرى الناسَ أصنافًا ومن كلِّ بقعـةٍ *** إليك انتهوا مِنْ فُرْقةٍ وشَتـات

واعلموا -رحمكم الله- أن يومكم هذا يومٌ عظيمٌ مبارك .. رفع الله قدره وأعلى ذكره، وسمّاه يوم الحج الأكبر وجعله عيدًا للمسلمين -حجاجاً ومقيمين- فيه ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى .. وفي هذا اليوم المبارك يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح ضحاياهم اتباعا لسنة الخليلين إبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- فهنيئا لكم يا حجاج بيت الله الحرام، ولتهنأ أمة الإسلام في هذا اليوم المتألق بحلول عيد الأضحى المبارك.. أعاده الله على أمة الإسلام بالخير والنصر والعز والتمكين، وكل عيد وولاتنا وبلادنا وأمتنا وحجاج بيت الله بخير وتوفيق وسؤدد وقبول، وافرحوا وابتهجوا بعيدكم.. جعله الله عيداً سعيداً وموسمًا رغيدا.

ويا بشرى لكم -يا رعاكم الله- حيث تعيشون شرف الزمان والمكان؛ فيومكم هذا غرةٌ في جبين الزمان وابتسامةٌ في ثغر الأوان.. كيف وقد جمع الله لكم فيه عيدين أليقين في عيد متلألئ وضّاء.. يا له من يومٍ تثمر فيه أغصان القلوب وتتحاس فيه أوراق الخطايا والذنوب..

فيه يتذكر الحاج تاريخنا الإسلامي المجيد على ثرى هذه الربا والبطاح.. ألا ما أشد حاجة الأمة اليوم وقد عمتها الفتن والمحن إلى أخذ الدروس والعبر من هذه المناسبة الإسلامية العظيمة؛ لتستعيد مجدها بين العالمين، وتعمل بجد وإخلاص إلى تحرير مقدسات المسلمين والأقصى الأسير من أيدي الصهاينة الغاصبين المحتلين..

في هذا اليوم المبارك يتذكر المسلم عبق الذكريات الخالدة وجني الانتصارات الماجدة، ويسعى في تحقيق الآمال الواعدة والأماني الصاعدة وهو يعيش هذه الأجواء العابقة:

على الجوارحِ هبَّتْ نسمةُ الحرم*** وهامَ كلّ فؤادٍ للضِّياءِ غدًا
تجودُ أعينُهُم بالدَّمعِ من وَلَه*** وكلُّهُم في حمى البارِي على قدم

ضيوف الرحمن حجاج بيت الله الحرام: أنتم اليوم في يوم النحر اليوم العاشر من شهر ذي الحجة الحرام.. في هذا اليوم الأغر يتوجه الحجاج إلى منى لرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات، فإذا فرغ الحاج من رمي جمرة العقبة ذبح هديه إذا كان متمتعًا أو قارنا.. فإن لم يجد الهدي صام عشرة أيام، ثم يحلق الحاج رأسه، وبذلك يتحلَّل التحلُّل الأول فيباح له كل شيء إلا النساء، ثم يتوجه الحاج إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة.. وهو ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به لقوله -تعالى-: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج:29].

وبعد الطواف يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً.. أما القارن والمفرد فليس عليهما إلا سعي واحد، ويحصل التحلل الثاني بثلاثة أمور هي: رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير وطواف الإفاضة.. فإذا فعل الحاج هذه الأمور حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام حتى النساء، وإن قدم أو أخر شيئًا منها فلا حرج -إن شاء الله- لأنه صلى الله عليه وسلم ما سئل يوم النحر عن شيءٍ قدّم و لا أخَّر إلا قال: " افعل ولا حرج"، خرجه الشيخان من حديث جابر -رضي الله عنه-.. فيا له من منهج يُحتذَى ويُقتَفى في التيسير ورفع الحرج على الحجاج من أهل العلم والفتوى.

فيا الله ها هُم ضيوفُك في شوقٍ وتلبية *** هَبُّوا إليك زرافاتٍ ووحدانا
إني لأًعلمُ عن تصويرِ مشهدهِم *** حيثُ الفضاء وحيث الكون مزدانَا

حجاج بيت الله الحرام: في هذه الليلة اللألاء ليلة الحادي عشر من ذي الحجة يجب عليكم المبيت في منى اتباعا لسنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ويوم غد -إن شاء الله- هو أول أيام التشريق المباركة التي قال الله -عز وجل- فيها: (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ) [البقرة:203].. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هي أيام التشريق".. وقال فيهما -عليه الصلاة والسلام-: "أيامُ التَّشريْق أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله -عز وجل-" أخرجه مسلم وغيره؛ فأكثروا -رحمكم الله- من ذكر الله وتكبيره في هذه الأيام المباركة امتثالا لأمر ربكم -تبارك وتعالى- واستنانًا بسنة نبيكم محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- واقتفاءً لأثر سلفكم الصالح -رحمكم الله- فقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يكبرون في هذه الأيام الفاضلة، وكان عمر -رضي الله عنه- يكبر في قبته بمنى فيكبر الناس بتكبيره فترتج منى كلها تكبيرا.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.. والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.. الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا.

وقد كان من هديه -صلى الله عليه وسلم- وهو القائل: "خذوا عني مناسككم" في هذه الأيام المباركة رمي الجمار الثلاث بعد الزوال -الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى- كل واحدةٍ بسبع حصيات متعاقبات.. يكبر مع كل حصاة، والمبيت بمنى.. وهو واجب من واجبات الحج.

حضرات الحجاج الكرام الميامين: وإذا رمى الحاج وبات بمنى في اليومين الأولين من أيام التشريق جاز له أن يتعجل ويخرج من منى قبل غروب الشمس من اليوم الثاني عشر، ومن تأخر وبات الليلة الثالثة ورمى الجمرات في اليوم الثالث فهو أفضل وأعظم أجراً.. يقول تعالى:(وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى…) [البقرة:203]

وينبغي للحجاج أن يلازموا ذكر الله وطاعته مدة إقامتهم بمكة.. فإذا أرادوا العودة إلى بلادهم وجب عليهم الطواف بالبيت طواف الوداع لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت.. إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" متفق عليه

وشذَا الطَّوافِ يهُّزهُم حتى النُّخاع ***يا فرحةَ الحجَّاج في طوافِ الوداع

وإن أخّر طواف الإفاضة وطافه مع الوداع أجزأه ذلك ولا حرج -إن شاء الله-:

ولما قضيْنا من مِنى كلَّ حجة *** ومسحَ بالركنينِ مَنْ هو ماسِح
شدَدْنا على حدب المهاري رحالان *** وسالت بأعنَاقِ المطي الأباطح

فيا معشر حجاج بيت الله: أدوا مناسككم على رسم سنة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- وعاملوا إخوانكم الحجاج المعاملة الحسنة، تحلوا بحسْنِ السّجايا وكريم الشمائل ونبل التعامل، واحذروا الإيذاء والتزاحم، وتحلوا بالرفق والتسامح والتراحم، وارعوا لهذا المكان حرمته وقدسيته، وحافظوا على أمنه ونظامه، واجتنبوا كل ما يعكر صفو هذه الشعيرة العظيمة.

ألا وإن مما ينبغي التأكيد عليه عدم تساهل الحجاج -وفقهم الله- بشيءٍ من أعمال المناسك كالرمي والمبيت وغيرها.. فقد يوكل بعضهم من غير ضرورة، بل قد يسافر بعضهم إلى بلده ولا يبيت ولا يرمي، وهذا خلاف سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتساهل في تعظيم شعائر الله:(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج].

فيا أيها الحاج المبارك: تفقه في أحكام المناسك واسأل أهل العلم عما يشكل عليك قبل وقوعك فيه؛ ليكون حجك صحيحًا مقبولًا -إن شاء الله-..

وتحية تقديرٍ وإعزازٍ وإجلالٍ ودعاء لرب العزة والجلال أن يجزي القائمين على أمر الحجيج خير الجزاء، وأن يجعله في موازين أعمالهم الصالحة.. والشكر موصول للجنود المخلصين العاملين في المنظومة المتكاملة لخدمة الحجيج على اختلاف تخصصاتهم؛ لا سيما العاملون في اللجان العليا والمركزية والتوعوية والأمنية والصحية وغيرها.. لا حرمهم الله ثواب ما قدموا، ونسأل الله لنا ولهم الإخلاص والقبول.. وإننا لنحمد الله -عز وجل- على ما يسَّر وأعان ووفَّق لإنجاح موسم هذا العام، وتحقق نبل المسعى في استفادة الحجاج الميامين؛ من اكتمال مشروع توسعة وتطوير المسعى.. وكذا المشروع العملاق التأريخي المفخرة المتمثل في اكتمال منشأة الجمرات مما مكن للحجاج رميهم بكل يسر وسهولة؛ فلله الحمد والفضل والمنة.

فاتقوا الله -معاشر الحجيج- وروضوا أنفسكم على الرفق والأناة والتيسير والحذر من المشقة والحرج والتعسير.. الحج مظهر من مظاهر العبودية لله والاعتدال والوسطية في شريعة الله، ومعْلَم من معالم الأخوة والتراحم والتسامح والسلوك الحضاري بين عباد الله.. ولتحذروا -يا رعاكم الله- تلك الدعوات النشاز التي ترمي إلى تسييس هذه الفريضة الدينية والزجِّ بها في شعارات طائفية أو نعراتٍ وعصبياتٍ إقليمية تخالف منهجها الشرعي وتعكر جوها الأمني والإيماني؛ فكل مسلم حق ينأى بهذه الشعيرة عن كل ما يصرفها عن حقيقتها ومقاصدها وأهدافها الشرعية وعن كل ما يصرف عن وحدة الأمة وتوحيد كلمتها واجتماع صفوفها ويبث الفوضى ويخل بالأمن والاستقرار..

كما ندين ونستنكر ما تقوم به الفئات الضالة عن الحق وما يقف وراءها من زعزعة الأمن والاستقرار واجتماع الكلمة واختراق حدود هذه البلاد المباركة من المتسللين الغادرين.. ونؤيد كل التأييد ما تقوم به هذه البلاد المحروسة دولة التوحيد والسنة والعقيدة والشريعة من مواقف حازمة لردع المتسليين المعتدين المفسدين والحفاظ على أراضيها واستقرار مجتمعها وصون أمنها وأمانها.. وندعو لرجال أمننا المجاهدين القائمين لخدمة الحجيج والمرابطين لحراسة حدودنا بالتوفيق والسداد والنصر والتمكين والتثبيت لأقدامهم والربط على قلوبهم، وأن يمكن لهم من رقاب أعدائهم، ويسدد رميهم ورأيهم ويرد غائبهم ومفقودهم، وأن يتقبل موتاهم شهداء ويمن على جرحاهم بعاجل شفاء، وأن يكبت كيد الكائدين ويرد عدوان المعتدين وبغي البغاة المفسدين، ويدرأ في نحورهم ويقي الأمة من شرورهم؛ إنه نعم المولى ونعم النصير وهو حسبنا ونعم الوكيل.

كما نشكر الله -سبحانه- على نعم الغيث والأمطار، ونشاطر إخواننا المتضررين من السيول مصابهم، وأن يغفر لمواتهم ويعافي مبتلاهم ويشفي جرحاهم؛ إنه خير مسئول وأكرم مأمول.

ألا فاتقوا الله -عباد الله- اتقوا الله -يا حجاج بيت الله- أتموا مناسككم كما أمركم بذلك ربكم ومولاكم فقال -سبحانه-: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) [البقرة:196]، واحتسبوا الأجر والمثوبة، واختموا أعمالكم بالاستغفار والذكر والتوبة: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله ..) [البقرة:199-200] ..

والله المسئول أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل حجكم مبروراً وسعيكم مشكوراً وذنبكم مغفوراً؛ إنه جواد كريم.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [البقرة:203]

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان حليمًا غفورا.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله يمُنُّ على من يشاء من عباده بالقبول والتوفيق، أحمده –سبحانه- وأشكره.. مَنَّ علينا بحلول عيد الأضحى وقرب أيام التشريق، وأشهد أ لا إله إلا الله وحده لا شريك له هدانا لأكمل شريعة وأقْوم طريق.. وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله ذو المحتد الشريف والنسب العريق؛ فصلاةً وسلامًا وبركةً عليه وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والتصديق، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما توافد الحجيج من كل فجًّ عميق آمَّين البيت العتيق.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله: اتقوا الله ياحجاج بيت الله واشكروا الله -عز وجل- على ترداد النعم، والهجوا بالثناء له على ترادف نعمائه.

أحبتي الكرام حجاج بيت الله الحرام: لعله لا يخفى على شريف علمكم -بحمد الله- أن ما يظنه بعض إخواننا الحجاج من أن زيارة مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة من لوازم الحج غير صحيح، فليست الزيارة من لوازم الحج ولا واجباً من واجباته، وما يذكر من أحاديث في ذلك فهي روايات موضوعة لم تثبت عند المحققين الثقات كما ذكره المحققون من أهل العلم -رحمهم الله-..

ولكن أخي الزائر الكريم: يا من عزمت على زيارة مدينة الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- هنيئاً لك زيارة طيبة الطيبة مأرز الإيمان ومهاجر سيد الأنام الحبيب المجتبى.. بأبي هو وأمي.. صلى الله عليه وسلم.

بطيْبة رسمٌ للرسـولِ ومعهـد منيرٌ *** وقدْ تعفُو الرسـومُ وتهمَـد
فبوركت يامهْوَىَ الرسولِ وبُوركت *** بلادٌ ثوَى فيْها الحبيبَ المسدّد

لكن عليك أن تعلم -يارعاك الله-: أنَّ من أراد الزيارة الميمونة فعليه أن يقصد المسجد النبوي الشريف في أي وقت للصلاة فيه.. ومن ثم السلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه -رضي الله عنهما- بأدب واحترام وخفض صوت، ولا يلزم أن يصلي فيه أوقات متعددة، ولا يجوز التمسح بالحجرة النبوية أو غيرها من الأماكن كما يفعله بعض العامة -هداهم الله-.

في الروضَةِ الشريفَةِ الغرَّاءِ في جنَبَاتِها *** للزَّائِرِين مدارِجٌ وصُعود

فينبغي للحجاج الميامين أن يلتزموا في كل أفعالهم سنة الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ويحذروا كل الحذر من الأمور المبتدعة والمحرمة في الشرع لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من عمِل عملًا ليس عليْه أمرُنا فهو رد" أخرجه مسلم في صحيحه.. وبذلك يتحقق لهم وعد الله بإعادتهم من ذنبوهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، وما ذلك على الله بعزيز..

فاتقوا الله -يا عباد الله- اتقوا الله -يا حجاج بيت الله- افتحوا صفحة المحاسبة والمراجعة والتقويم لأعمالكم.. اعلموا أن هذه المناسبات الإيمانية العظيمة ليست تغييراً مؤقتا في حياة الناس، بل هي تغير شامل في جميع مناح الحياة، بل ورسالة عالمية للعالم أجمع تعكس الصورة المشرقة للإسلام وأهله في الاعتدال والتسامح والوسطية فيعود الحاج أحسن مما كان عليه قبل الحج، وتلك أمارة بر الحج وقبوله التي يسعى إليها الحجاج الكرام ويرومونها؛ فاستقيموا -رحمكم الله- على الأعمال الصالحة، واستمروا عليها مدة حياتكم كما قال -سبحانه-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر:99]

رباهُ كفّارتي عنْ كلِّ معصيَة *** أنْ أتيت وملء النفس إيمان
فاغفرْ وسامحْ وتُبْ ففي كبِدي *** الإثم يفرح والإسلام يقظان

وختاماً يا حجاج بيت الله: وأنتم عما قريب تودعون البيت الحرام نستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم.. زودكم الله التقوى وغفر ذنوبكم وأعادكم إلى بلادكم سالمين غانمين مأجورين غير مأزورين، ومَنَّ علينا وعليكم بالقبول والتوفيق بمنِّه وكرمه.

هذا، وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على سيد البشر ذي المجد الأغر والوجه الأنور والجبين الأزهر والمقام الأظهر والفضل الأطهر الشافع المشفع في المحشر، فقد ندبكم لذلك المولى -تبارك وتعالى- وأمر في أكبر القيل وأصدق الخبر ومحكم الآيات والسور فقال -سبحانه- في القول الكريم المستطر: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب:56]

يا محْفلا يعلو على هامِ الذُّرا شرفا *** فمنْ يرقى رقيَّك ياترى
صلّى الإله على النبي محمد *** صلُّوا عليه وآلهِ خيْر الورَى

اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وسلم الحجاج والمعتمرين. وسلم الحجاج والمعتمرين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

اللهم آمنا في أوطاننا. اللهم آمنا في أوطاننا. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ ووفق أئمتنا وولاة أمورنا.. اللهم أيد إمامنا خادم الحرمين الشريفين، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وهيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه.. اللهم وفقه وولي عهده ونائبه الثاني وإخوانهم وأعوانهم إلى ما فيه صلاح العباد والبلاد، اللهم اجزهم خير الجزاء وأظهره جزاء ما قدموا ويقدمون للإسلام والمسلمين ولحجاج بيتك الحرام.. اللهم اجعله في صحائف أعمالهم وموازين حسناتهم ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام.

اللهم وفِّقْ قادة المسلمين لاتباع كتابك وتحكيم سنة نبيك محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- اللهم اجعلهم رحمةً على عبادك المؤمنين يارب العالمين ياأرحم الراحمين ياأكرم الأكرمين.

اللهم تقبل من الحجاج الميامين حجهم، اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام.. اللهم أدم على هذه البلاد عقيدتها وقيادتها وأمنها واستقرارها، اللهم عليك بمن أرادها بسوء يا ذا الجلال والإكرام.. ندرأ الله بك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم.. اللهم وفق رجال أمننا. اللهم وفق رجال أمننا. اللهم وفق رجال أمننا القائمين بخدمة الحجيج والمرابطين على حدود بلادنا ياذا الجلال والإكرام.

اللهم أنقذ المسجد الأقصى. اللهم أنقذ المسجد الأقصى. اللهم أنقذ المسجد الأقصى من الصهاينة المعتدين ياقيوم ياعزيز.. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم أغثنا. اللهم أغثنا. اللهم أغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق ياحي ياقيوم، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا.

ربنا تقبل منا إنك أن السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

 

الملفات المرفقة
898
عدد التحميل 604
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات