طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

743

الخوف من الله وآثاره

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب التوحيد
تاريخ الخطبة : 1430/11/04
تاريخ النشر : 1441/05/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/عظم منزلة الخوف في قلوب بعض عباد الله 2/ معنى الخشية ومن الذين يتصفون بها؟ 3/ الخوف مقصود لغيره لا لذاته 4/ اجتماع المحبة والخوف والرجاء في القلب 5/ خاصية الخوف من الله تعالى
اقتباس

.. لقد نشأت هذه الخشية من علمهم بأنه -سبحانه- مالك الكون كله .. له مقاليد السماوات والأرض .. إليه يرجع الأمر كله، وأنه المدبر لأمور المخلوقات كلها، وأنه الحي الذي لا يموت.. القيوم الذي تقوم الخلائق كلها به وتفتقر إليه .. بخلاف غيره؛ فهو عاجزٌ فانٍ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشورا، وأن الخلق جميعاً وسائطُ لإيصال ما كتبه الله وقدره من أقدار ..

الحمد لله الكافي لمن تولاه .. أحمده -سبحانه- أمر ألا نخشى إلا إياه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه ومجتباه، اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- واذكروا وقوفكم بين يديه: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [النحل:111].

أيها المسلمون: إنه إذا كان في الناس من يحمله الاغترار بالحياة الدنيا والإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى والجهل بصحيح الاعتقاد إلى الخوف من كل ما يعده خطراً يدهمه أو شرًّا ينزل بساحته أو عائقاً يقوم دون بلوغ آماله والظفر بحاجاته .. فإن من عباد الله من يسلك الجادة ويمشي سوياً على صراطٍ مستقيمٍ مجانباً سبلَ أهل الحيرة والتذبذب حائداً عن طريق أهل الشكِ وضعفِ اليقين .. إنهم الذين يسيرون إلى الله -تعالى- سير من عرف ربه فأقبل عليه ..

لا يخاف أحداً سواه ولا يرجو إلا إياه .. إنهم الذين علموا أن منزلة الخوف هي من أجَلَِّ منازل العابدين ربهم المستعينين به وأنفعها للقلب وأعظمها آثاراً على حياة الخلق في العاجلة والآجلة، وأنها فرض على كل بني آدم كما دل على ذلك قوله -تعالى-: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران:175]، وقوله -عز اسمه-: (فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) [المائدة:44] ..

كما أثنى -سبحانه- بجميع الثناء على أهل هذا الخوف ومدحهم بقوله سبحانه-: (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ* وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون:57-61].

ذلك أنهم كما قال الحسن -رحمه الله-: “عملوا بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم .. إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا -أي من العقوبة- وأثنى الله -تعالى- بهذه الصفة، وأثنى -سبحانه- بهذه الصفة باتصاف الملائكة المقربين بهذه الصفة فقال -سبحانه-: (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [النحل:50] .. وأثنى على النبيين -صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين- حيث امتدحهم لاتصافهم بهذه الصفة بقوله: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) [الأحزاب:39].

ولما كانت الخشية خوفاً مقروناً بمعرفةٍ وعلم فإنه على قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية؛ ولذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشد الخلق خوفًا من ربه وأعظمهم خشيةً له .. كما صرح بذلك في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه في قوله -صلى الله عليه وسلم-: “فوالله إني لأَعلَمُهم بالله وأشدُّهم له خشية”، وفي لفظٍ لمسلم في صحيحه: “والله إني لَأَرجُو أن أكونَ أخشاكُم للهِ وأعلمُكُم بما أتقيه”. وقال أيضاً: “لو تعلمون ما أعلم لضَحِكْتم قليلا ولَبَكَيْتم كثيراً، ولما تَلذَّذْتم بالنِّساءِ على الفُرُش ولَخرجْتم إلى الصعوداتِ تَجْأَرُون إلى الله -تعالى-“ أخرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه بإسنادٍ حسن.

ولذلك أيضاً وصف الله -تعالى- العلماء به -سبحانه- بأنهم الذين يخشون الله حقا .. فقال -سبحانه-: (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) [ فاطر:28] ..

لقد نشأت هذه الخشية من علمهم بأنه -سبحانه- مالك الكون كله .. له مقاليد السماوات والأرض .. إليه يرجع الأمر كله، وأنه المدبر لأمور المخلوقات كلها، وأنه الحي الذي لا يموت.. القيوم الذي تقوم الخلائق كلها به وتفتقر إليه .. بخلاف غيره؛ فهو عاجزٌ فانٍ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشورا، وأن الخلق جميعاً وسائطُ لإيصال ما كتبه الله وقدره من أقدار، كما جاء بيان ذلك ضافياً في الحديث الذي أخرجه الترمذي في جامعه .. وهذا لفظه، والإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بإسنادٍ صحيحٍ: عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “يا غلام إني أعلِّمُك كلمات: احفظ الله يحفظْك، احفظ الله تجدْهُ تجاهك، إذا سألْتَ فاسْألِ الله وإذا اسْتعنْتَ فاسْتَعِنْ بالله، واعلمْ أنَّ الأمَّةَ لو اجتمعُوا على أن ينفعُوْكَ بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قدْ كتبَهُ اللهُ عليْك ولو اجْتمعُوا على أنَ يضرُّوك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليك .. رُفِعّتِ الْأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُف”.

عباد الله: إن الخوف ليس مقصوداً لذاته، بل هو مقصودٌ لأمرٍ آخر فهو وسيلةٌ وطريقٌ وليس غاية أو هدفاً؛ ولذا فإنه يرتفع بارتفاع المخوف منه؛ ولذا كان من حال أهل الجنة أنهم لا خوفٌ عليهم ولا يحزنون فيها لزوال الخوف من العقاب وحلولهم دار المقامة والثواب فضلاً من الله -تعالى- وإكراماً منه لهم جزاء صبرهم على طاعته وحذرهم من معصيته .. ولهذا كان الخوف المحمود الصادق -كما قال أهل العلم- هو: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله -عز وجل- فإذا تجاوز ذلك خِيْفَ منه اليأس والقنوط الذي نهى الله عنه مبيناً أنه من صفات الكافرين .. فقال -سبحانه-: (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف:87].

فالقلب -كما قال بعض أهل العلم- في سيره إلى الله -عز وجل- هو بمنزلة الطائر .. فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِمَ الرأسُ والجناحان فالطائر جيِّدُ الطيران .. ومتى قُطِعَ الرأسُ مات الطائر .. ومتى فُقِدَ الجناحان فهو عرضةٌ لكل صائدٍ وكاسر ..ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناحُ الخوف على جناحِ الرجاء .. وعند الخروج من الدنيا أن يطغى جناحُ الرجاء على جناح الخوف، وأكمل الأحوال اعتدالُ الرجاء والخوف وغلبة الحب .. فالمحبة هي المَرَتَد والرجاء حادٍ والخوفُ سائق .. والله الموصل بمنه وكرمه ” .. انتهى كلامه -رحمه الله-.

ألا وإن من أعظم ما تتعين العناية به ورعايته حق رعايته بصرف الجهود إليه وكمال السعي لتحصيله: تربيةَ القلبِ على محبة الرب -سبحانه وتعالى- ومخافته ورجاء فضله بقوةِ الإيمان به -سبحانه- وتجريد توحيده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والعلم بما أعده للمتقين في دار كرامته من نعيم مقيم ..وما أعده للعاصين من عقوبةٍ وعذابٍ أليم، وبدوام محاسبة النفس لكبح جماحها وإقامتها على الجادة وأطرها على الحق وحجزها عن الباطل في كل صوره وألوانه .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة:44].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- .. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ؛ إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية:

الحمد لله ولي الصالحين، أحمده -سبحانه- وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله .. إمام المرسلين وقائد الغرِّ المحجَّلِين، اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين .

أما بعد: فيا عباد الله: قال بعض أهل العلم: “كل أحدٍ إذا خفته هربت منه إلا الله -عز وجل- فإنك إذا خفته هربت إليه”؛ فالخائف هارب من ربه إلى ربه وخائفٌ منه إليه؛ فإنه لا ملجأ منه -سبحانه- إلا إليه، والخوف منه يعقب أمنًا؛ لأنه باعثٌ على إخلاص العمل وإحسانه ومتابعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه والحذر من المخالفة عن أمره، وجماع ذلك الحرص على كل ما يرضيه والحذر من كل أسباب سخطه .. وفي هذا أمن الخائف وسلامة السالك إلى الله ونجاة السائر إليه من العثار والفوز عنده بالجنة والنجاة من النار.

فاتقوا الله -عباد الله-: وصلُّوا وسلِّمُوا على خاتم رسل الله محمد بن عبد الله، وقد أمرتم بذلك في كتاب الله حيث قال الله -سبحانه-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب:56].. اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة -أبي بكر وعمر وعثمان وعلي- وعن سائر الآل والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك ياخير من تجاوز وعفا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، ودمر أعداء الدين وسائر الطغاة والمفسدين، وألف بين قلوب المسلمين ووحد صفوفهم، وأصلح قادتهم، واجمع كلمتهم على الحق يارب العالمين ..اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وعبادك المؤمنين المجاهدين الصادقين.

اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، وهيئ له البطانة الصالحة، ووفقه لما تحب وترضى ياسميع الدعاء. اللهم وفقه ونائبه وإخوانه إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، وإلى ما فيه صلاح العباد والبلاد يامن إليه المرجع يوم التناد. اللهم إنا نجعلك في نحور أعدائك وأعدائنا يارب العالمين ..اللهم إنا نجعلُك في نحورِهِم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم إنا نسألك أن تكفينا أعداءك وأعداءنا بما شئت يارب العالمين.

اللهم إنا نسألك أن تكفينا أعداءك وأعداءنا بما شئت يارب العالمين. اللهم إنا نسأل أن تكفينا أعداءك وأعداءنا بما شئت يارب العالمين. اللهم احفظ هذه البلاد حائزةً كل خير سالمةً من كل شر وسائر بلاد المسلمين يارب العالمين.

اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة .. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا أخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر.

اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، واختم بالصالحات أعمالنا .. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين .. اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك.

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنَا عذاب النار .. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين .

الملفات المرفقة
802
عدد التحميل 1063
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات