يا من لديك أب أهملت طاعته.

يا من لديك أب أهملت طاعته.1447/7/13هـ

الحمد لله القائل: (وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء:23] وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهدُ أَنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه القائل: «‌الْوَالِدُ ‌أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» رواه أحمد وابن ماجة عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وصححه الألباني -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمًا كثيراً أما بعد.. أيها الإخوة: اتقوا الله حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى واحذروا أسباب سخط الجبار فإن أجسادكم على النار لا تقوى..

ثم اعلموا أنه لا حقَ على الإنسانِ أعظمَ ولا أكبرَ بعد حقِ اللهِ تعالى وحقِ رسولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- من حقوق الوالدين، فقد تظاهرت بذلك نصوصُ الكتاب والسنة، وأوجبه سبحانه بأقوى صيغة، وأبلغ عبارة، وقرنه بتوحيده والنهي عن الشرك به، فقال: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء:23] فعبَّرَ عن حقهما بصيغة القضاء التي هي من أقوى صيغِ الأمر والإلزام؛ فإن قضاء القاضي نافذ، والله تعالى أحكم الحاكمين وأعدلهم وأقواهم.. وعن عبدالله بن مسعود -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- أَيّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ.؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قَالَتُ: ثُمَّ أَيّ قَالَ: «بِرّ الْوَالِدَيْنِ»، قَالَتُ ثُمَ أَيّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».. وأَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيّ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ؛ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ. قَالَ: «فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيّ»؟ قَالَ: نَعَمْ بَلْ كِلَاهُمَا، قَالَ: «فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ»؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا». رواهما البخاري ومسلم، وعن عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-

أيها الأحبة: الأدلة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-كثيرة في وجوب بر الوالدين، وتحريمِ عقوقِهما، لكن حديثي اليوم عن حق الأب لما أرى واسمع..

فالأب: صاحبُ القلبِ الكبير.. والوجه النضير.. تاج الزمان.. وصدر الحنان.. وهو سبب وجودك في الحياة ومبعث استقرارها.. وهو ملاذ الأولاد بعد الله وحاميهم.. به تقوى قلوبهم، وتزهو نفوسهم، وتحل الطمأنينة في حياتهم..

والأب: هو خِبْرَةُ الحياة التي يحتاجها الأبناء.. ومصدر القوة والأمان لأولاده الصغار.. ومصدر الأنس والبركة لأولاده الكبار..

وإذا كانت الأمومة هي الحنان.. فالأبوة هي الأمان.. والأم تحب برقة، أما الأب فيحب بحكمة.. وهما جميعًا من يفرحُ بنجاحك ويستحيل أن يحسداك.. ولو كان للحبِ وسامًا.. لكان الأب بالوسام جدير.

وللأب: حق البر والتكريم مهما بلغ سِنّهُ، ويتحتم ذلك ويزداد عند كِبَرِهِ وشيخوخته قال الله تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا، وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الاسراء: 24].. نعم اخفض لهما جناح الذل من الرحمة.. الرحمة التي ترقُ وتَلْطُفْ حتى لكأنها الذلُ الذي لا يرفعُ عينًا، ولا يرفضُ أمرًا.. وكأنما للذلِ جناحٌ يخفضُهُ الْوَلَدُ لوالدِه إيذانًا بالسلامِ والاستسلام... (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا). فهي الذكرى الحانية.. ذكرى الطفولةِ الضعيفةِ يرعاها الولدان، وهما اليوم في مثلِها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان والدعاء بالرحمة.. فرحمة الله أوسع، ورعايته أشمل، وجَنَابُ اللهِ أرحب.. جزاءً لما بذلا مما لا يَقْدِرُ عليه الأبناء..

أيها الإخوة: وللأب حقُ الإحسانِ والطاعةِ، وتحقيقُ ما يتمناه.. وَلَهُ وُدُّ الصُحْبةِ والعِشْرَةِ، والأدبُ في الحديثِ، وحُسْنُ المعاملة.. إنْ تحدث فلا تقاطعه.. وإن دعاك فأجبه.. ولا تمش بين يديه.. وحيّه بأحسنِ تحية.. وقَبّلْ رأسَهَ ويديه.. بل لو قبلت رجليه فإنه من البر.. وتَلْزَمُ الوَلَدَ نَفَقَةُ أبيه في حال حاجته.. ويُسَنُ إتحافُه بالهدية في حال غناه.. قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ». رواه ابن ماجه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- وصححه الألباني، (ويجتاح) أي يأخذ..

أيها الإخوة: كم يؤلم المؤمن ما ينزل ببعض الآباء من الحاجة مع قدرة الأبناء على سَدِها، ولكن الغفلةَ أبعدتهم.. والحقُ أنْ يَفْرضَ الأبناءُ لآبائِهم ما يكفِيهم من النَّفقةِ دُونَ طلبٍ منهم أو مسألة، بل لهم المنة بقبولها..

يَا مَنْ لَدَيْكَ أَبٌ أَهْمَلْتَ طَاعَتَهُ*** لَا تَنْتَظِرْ طَاعَةً إِنْ صِرْتَ أَنْتَ أَبا

فَالْـــبِرُ قَرْضٌ إِذَا اَقْرَضْتَهُ لِأَبٍ*** يُوْفِيْــــــكَهُ وَلَدٌ وَالْــــبرُ مَا ذَهَبَـــا

لَا تَنْتَظِرْ مَوْتَهُ صِلْ فِيِ الحَيَاةِ أَبًا*** لَا يَنْفَعُ الدَمْعُ فَوْقَ القَبْرِ إِنْ سُكِبَا

ومن بر الآباء بعد موتهم صِلةُ من لهم فيهم عَلاقة أُسَرِيّة أو صحبة.. وذلك بِحُسْنِ صُّحْبَتِهم، وَإِطْلَاقِ الْوَجْهِ لهم، فَقَدْ لَقِيَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُاللَّهِ وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ. فَقِيْلَ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ إِنَّهُمْ الْأَعْرَابُ، وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِالْيَسِيرِ! فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ». رواه مسلم. وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ الأسلمي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَتَانِي عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فقَالَ: أَتَدْرِي لِمَ أَتَيْتُكَ.؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي قَبْرِهِ، فَلْيَصِلْ إِخْوَانَ أَبِيهِ بَعْدَهُ» وَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي عُمَرَ وَبَيْنَ أَبِيكَ إِخَاءٌ وَوُدٌّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَصِلَ ذَاكَ. رواه ابن حبان في صحيحه، وحسنه الألباني.

لَوْ أَمْطَرَتْ ذَهَبًا مِنْ بَعْدِ مَا ذَهَبَ*** لَا شَيْءَ يَعْدِلُ فِيِ هَذَا الوُجُوْدِ أَبًا

أيها الأحبة: واجب الإحسان بالتعامل مطلوب حتى مع الأب المشرك، فَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ (قيل أي كارهة للإسلام) أَفَأَصِلُهَا قَالَ: نَعَمْ. متفق عليه.. أسأل الله تعالى أن يرزقنا البر بوالدينا أحياءً وأمواتًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد....

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة: من المحزن أن يقع بين الأولاد ووالدهم هجر، فينقطع الولد عياذًا بالله عن أبيه أيامًا وربما شهورًا أو سنين لأمر من أمور الدنيا.! أين هؤلاء من وتهديد رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- على أعواد منبره لهم حين قال: آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: آمِينَ، آمِينَ آمِينَ، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ». رواه ابن حبان وغيره عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وقال الألباني صحيح لغيره.

أيها الابن الجافي: كم أسعدك أبوك في صغرِك وحنا عليك بعدَ كِبَرِك.. واليوم وبعدما كَبِرْتَ واستغنيت تغيَّر كلُ شيء.! حتى زيارتَه صارت عليك ثقيلة.! وحديثه صار مُملًا والوقتُ معه محدودًا.. فالأنس فلغيره والبشاشة وحسن المنطق لسواه.. آه ثم آه من هذا العقوق.. فيا أيها المقصرُ بحقِ والدك ألا تخاف من دعوةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- على المقصرين عندما قال: «مَنْ ‌أَدْرَكَ ‌أَحَدَ ‌وَالِدَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللهُ» وفي رواية: «وَأَسْحَقَهُ» رواه أحمد في مسنده عَنْ مَالِكِ بْنِ عَمْرٍو الْقُشَيْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وقال الأرنؤوط صحيح لغيره.

ويا مَنْ مَنَّ اللهُ عليه بحياةِ والديه أو أحدهما.. احذر ثم احذر ثم احذر أَنْ تفوتَك فرصةُ بالبر.. وسابق إخوتك إلى البر وبادر به.. ولا تهمل أو تتكاسل..

اللهم اغفر لوالدينا وارحمهم كما ربونا صغارًا...

 

المشاهدات 294 | التعليقات 0