نزول المطر في غير أوانه
د فهد بن محمد السعيد
الحمد لله الكبيرِ المتعال، مُرسِلِ الرياحَ الثقال، يُسبح الرعدُ بحمده والملائكةُ من خيفته، ويُرسل الصواعقَ فيصيبُ بها من يشاء وهو شديد المحال، يُنزلُ الغيثَ رحمةً للناس فيُصيبُ به من يشاء ويَصرفه عمن يشاء، وبحكمته يملأ الوهادَ والسِّهال، إنّ في ذلك لعبرة وذكرى لأولي الأبصار.
والصلاة والسلامُ على محمد وعلى آله وأصحابه السادة الأنجاب، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المآل.
أما بعد: فيا أتباع أُمةِ محمد، اتقوا الله كما أوصاكم، فما أَعْظَمَ رِبحَ المتّقين، ويا هناءَ المتّقين يومَ لا ينفع مالٌ ولا عيالٌ، ولا أهل ولا عشيرة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا ۚ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) جعلنا الله من المتقين.
عباد الله: لِله في آياته عِبرٌ، وله في خَلقه شؤون
لِله في الآفاقِ آياتٌ لعلَّ أَقَلَّها هو ما إليه هَداكَ
ولَعَلَّ ما في النفسِ مِن آياته عَجَبٌ عُجابٌ لو تَرَى عَيْناكَ
والكَونُ مَشحونٌ بأَسْرارٍ إذا حَاولْتَ تفسيرًا لها أَعْياكَ
شَهِدَ اللَّهُ بتدبيره العَجيب، وصُنْعِه المتقن، وأَمْرِه المُحْكمِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سبحانه وتعالى عما يشركون.
ولِله في كلِّ تَحْريكةٍ وتَسْكينةٍ أَبَداً شَاهدُ
وفي كل شيءٍ له آيةٌ تَدل على أنّه واحدُ
قيل لأحدهم: ما الدليل على أنّ للعَالَم صَانعاً؟
فقال: إنّ البَعْرةَ تَدلُّ على البعير، وآثارَ القَدمِ تَدلُّ على المسير، وهيكلٌ علوي بهذه اللطافة، ومركزٌ سُفلي بهذه الكثافة أَمَا يَدلّان على الصانع الخبير!
أيها المسلمون الموحدون: آياتُ اللهِ التي تستدعي النظرَ والتأمّلَ كثيرةٌ؛ ففي السماء آياتٌ، وفي أجسادنا آيات، وفي العالم العُلوي عَجَبٌ عُجاب، وفي الأرض آياتٌ وفي نُزولِ الأَمطار آياتٌ لقوم يتفكّرون.
ومن عَجيب صُنعِ اللهِ الذي أَتْقَنَ كلَّ شيءٍ، حُصولُ الأرزاق في غير وقتها، ونُزولُ البركات في غير إبّانها.
ومن ذلك نزولُ المطر؛ فإن من المعلوم أن للمطر أوقاتاً معلومةً ومواسم معروفة للناس، وحين يتأخر المطر عن وقته وقد اسْتَشرفت له النفوس، وقد ييأس الناس من نُزوله، ثم يأتي في وقتٍ لم يخطر على بال، فذلك من لطيف صُنعه وعَجيبِ تدبيره (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
ومن ذلك ما شَاهَدناه وشاهده الناسُ كلُّهم في أنحاءَ مُتفرقةٍ من البلاد، حيث أَنزلَ اللهُ المطر في هذه الأيام.
واللهُ عز وجل لا معقب لحُكمه ولا راد لقضائه، يفعل ما يشاء متى شاء في الكيفية التي يشاء!
وفي نُزول المطر في غير وقته وزمانه: يَقْوى يَقينُ المؤمنِ بأنّ الله يُقلّب الأمور وَفق حكمته وإرادته، في الوقت الذي يختاره لا ما يختاره البشر، وفي حسابِ الله لا بحسابات البشر (إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ).
وهكذا يا مسلمون: في جميع أُمورنا الخاصّةِ والعامة، القريبة والبعيدة، وما كان منها سهلَ المنال أو عسيرَ المنال؛ فإن تحقيقَه لا بحولك ولا قوتك ولا تدبيرك ولا تخطيطك، إنما هو بقَدَرِ اللهِ وإرادته، وهو الذي إذا شاء شيئاً وَضَعَه وإذا أرادَ مَنْعه مَنَعَه.
فَلْتُسَلِّمْ لأَمرِ الله، ولْيَسْتَرِح خَاطرُك، وليَهدأ تفكيرك في المستقبل الموعود، والغَدِ المأمول، فإنه بقضاء الله وتدبيره.
إنّ حصولَ الأشياء في غير وقتها يَحمل فوائدَ خَفيّة قد ندركها وقد لا ندركها إلا بعد حصولها، وقد يفوتنا إدراكُ أهميتها لجهلنا وغفلتنا.
ومن ذلك اختبارُ الصبرِ والرضا بقدر الله، والتعلم من الدروس المستفادة.
قد تأخر الرزق عن وقته، أو يجئ فيما بعد، وهذا كله يجدد في قلب العبد أهمية بذل الأسباب، وتوفر الدوافع للإبداع والعمل، والتحرر من التفكير في الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ودفعَ ضغوط التوقعات المثالية.
وقد يَفُوتُ العَبدَ قاعدةٌ مُهمة في حياته، وهو أن الخيرَ قد يكون في التأخير أو التعجيل لتهيئة النفس لما هو أفضل.
إن في حصول الأشياء في غير وقتها كما جاءت هذه الأمطار في غير وقتها، فيه اختبار لصبر العباد وتمحيص ليقينهم بالله.
إنّ كثيراً من الناس إنْ لم يكن كلُّهم لديهم من الأمنيات وتحقيقِ الرغبات الشيء الكثير، ولا يسلم إنسانٌ من أمانٍ في قلبه، طالما تمنّاها، فأما المؤمن فإنه يُربّي قلبه على الصبر وحُسنِ اليقين بربه، ويدفعه إيمانُه بالقضاء والقدر على حُسنِ الظن بالله والأمل بالله.
ولي باللهِ إيمانٌ وَثِيقُ فَمَنْ لكم بإيمانٍ وَثيقِ؟
قَوِيتُ به فَمَا أَعْيَا بِعبءٍ ولا أَشْكو عِثاراً في طَريقِ
ولا أَخْشَى المضَرَّةَ مِن عَدوٍ ولا أَرْجو المبرَّةَ من صَديقِ
من بيده خزائن السموات والأرضين لا مانع لما أعطى .... وكل شيء عنده بأجل.
ونستغفر الله ونتوب إليه إنّه هو الغفور الرحيم.
الحمد للهِ، قَدّر فهَدَى، وأَخرج بقدرته المرعى، وأنزل من السماء ماءً فاخرج به أزواجاً من نبات شتى.
والصلاةُ والسلام على الرسول المجتبى، وعلى آله وأصحابه أولى التُّقى، أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون لعلكم تفلحون.
واعْلموا عبادَ اللهِ أنَّ العلم بتوقيت المطر غَيْبٌ لا يعلمه إلا الله، قال الله جل وعلا: (إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۭ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًۭا ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍۢ تَمُوت ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، قال في خمس لا يعلمهن إلا الله: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام) متفق عليه.
فالمطر من أمور الغيب الرباني، وتبقى حسابات البشر وتوقعاتُ المراصد ظنونٌ وتوقعات يُصدقها الواقع أو يكذبها.
إن إيمان العبد بهذه الحقيقة، وأنَ الله وحده هو المتفردُ بعلم الغيب، وأن الله وحده هو العليمُ بما كان وما يكون؛ يُورثُ طمأنينةَ القلب، وانشراح الصدر، وارتياح خاطرُه، وإذا وصل العبد إلى هذه المنزلة، هانت في طريقه الشدائد، ولانت له المصاعب، وتيسر العسير، وعلم أن الفرج قريب، ولم يلتفت لغير الله قلبه، ولا توجه للبشر مراده.
يعلمنا نزول المطر في غير زمانه أن الخير فيما يختاره الله، والعز والفوز في الرضا بتدبيره، وأن من أفضل العبادات انتظار الفرج.
قال ابن القيم رحمه الله: "لو فتح الله لك باب الغيب؛ لرأيت أن المنع كان هو عين العطاء، وأن ما حزنت لأجله، هو نفسه ما يُسعدك بعد حين".
وصدق ابنُ القيم فإن مَن تعلّق قلبُه بالله، لم يهتز حين يُحرم، ولم يتضعضع حين يُمنع؛ وقد جاء في دعاء الاستخارة: (اللَّهمَّ إن كُنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ خيرٌ لي في ديني ومَعاشي وعاقِبةِ أَمري -أو قالَ: في عاجِلِ أَمري وآجلِهِ- فاقدرهُ لي، ويسِّرهُ لي، ثمَّ بارِكْ لي فيهِ، وإن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شرٌّ لي في ديني، ومَعاشي، وعاقبةِ أَمري، فاصرفهُ عنِّي، واصرِفني عنهُ، واقدُرْ لي الخيرَ حيثُ كانَ، ثمَّ أرضِني بِهِ) البخاري
كثيرٌ من الناس يرون أن الخير فقط فيما نالوه، وأن الشر فيما فقدوه؛ لكن المؤمن يدرك أن المنع من أعظم صور الرحمة؛ بل إن في المنع أحيانا نجاة من فتنة أو هلكة لا يعلمها إلا الله.
أيها العبد: إذا أُغلق أمامك بابٌ؛ فاعلم أن رحمة الله لا تُغلق، وأن الباب المغلق كان يَحجِزُ عنك ضَررا لا تراه.
ولربَّ أمرٍ تكرههُ النفوسُ لهُ منَ الخيـرِ ارتـقـاءُ
قد يُحرَمُ المرءُ ابتغاءَ سلامةٍ
فيكونُ حرمانُ الإلهِ عطاءُ
فرُبّ منعٍ كان هو سر نجاتك، ورُبّ فواتٍ كان حبل وصالك بالله، ورب أمنيةٍ لم تتحقق، كانت إن تحققت لهلكت بها!
عباد الله: قد يأتي الله بالخير من الأمطار وسعة الرزق فيظن ظانٌ أن ذلك علامة على رضى رب البرية، وأنه ما نزل مطر إلا ومعه رضى رب البشر وعفو العزيز المقتدر! كلا فليس الأمر كما يظن هؤلاء بل ربما يكون ذلك استدراجاً واستمهالاً ليزيد الظالم إثماً والمطيع مغنماً (إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ) وفي سنن ابن ماجة أن رسول الله قال: (ولولا البهائم لم يمطروا).
ومع ذلك فإن المؤمن يستبشر برحمة الله وفضله وغيثه ويؤمل من الله الكريم خيراً فإن الله عند ظن عبده به
اللهم إنا لا نظن بك إلا خيراً
اللهم أعطنا من بركات السماء والأرض، اللهم أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلاَغًا إِلَى حِينٍ.
اللهم أجعله صيباً نافعاً تسقي به العباد وتروي به البلاد وتجعله بلاغاً للحاضر والباد
اللهم أصلح أحوال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها اللهم دافع عن عبادك المظلومين في كل مكان
اللهم انتقم لعبادك وأوليائك اللهم انتصر لدينك في كل مكان يضامون ويهانون ويحاصرون
اللهم اجعل بأس الكافرين والظالمين بينهم وخلص المسلمين من شرهم، واجعل هذا البلد آمناً مطمئنا وسائر بلاد المسلمين.
المرفقات
1776375367_نزول المطر في غير أوانه.docx
1776435319_نزول المطر في غير أوانه.docx
1776435326_نزول المطر في غير أوانه.pdf