من لوازم موالاة المؤمنين
الشيخ نواف بن معيض الحارثي
من لوازم موالاة الْـمُؤْمِنِينَ
الْـخُطْبَةُ الْأُوْلَى :
الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَخَصَّنَا بِالْقُرْآنِ، وَعَلَّمَنَا الْإِيمَانَ، وَجَعَلَنَا مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ يُحِبُّ الْـمُؤْمِنِينَ وَيَتَوَلَّاهُمْ، وَيَنْصُرُهُمْ وَيَرْعَاهُمْ (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ ، صَلَّى اللَّـهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فأوصيكم ...
عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: " لا تَحاسَدُوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعْضُكُمْ علَى بَيْعِ بَعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللـهِ إخْوانًا. المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هاهُنا. ويُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. بحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ. كُلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ؛ دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ" خ.م.
أَيُّهَا المؤمنون: إِنَّ مِنْ أُصُوْلِ التَّوْحِيْدِ ولَوَازِمِ الْإِسْلَامِ: مَوْلَاةُ أَوْلِيَاءِ اللـهِ، وَمُعَادَاةُ أَعْدَائِهِ؛ فَالْـمُؤْمِنُ لَهُ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ حَقُّ الْوِلَايَة، وَلَوِ اخْتَلَفَتِ الْعَشَائِرُ وَالْقَبَائِلُ وَالْأَلْوَانُ، وَتَبَايَنَتِ الْأَلْسُنُ وَالْبُلْدَانُ (إنَّما المؤمنون إخوةٌ) .
فَالْإِيمَانُ أَقْوَى رَابِطَةٍ بَيْنَ الْـمُؤْمِنِينَ، يُقَرِّبُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَيُحَبِّبُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَحَبَّةً لِلَّـهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَيُحِبُّهُ مِنْهُمْ شَرْعًا، وَيَرْضَاهُ لَـهُمْ دِينًا، وَالْآيَاتُ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ كثيرةٌ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)
عباد الله: مِنْ لَوَازِمِ وَلَاءِ الْـمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ: مَحَبَّتُهُ وَمَوَدَّتُهُ لِأَجْلِ إِيمَانِهِ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ إِيمَانًا وَعَمَلًا صَالِحًا ازْدَادَتْ مَحَبَّتُهُ وَمَوَدَّتُهُ؛ لِأَنَّ اللَّـهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ، وَالْـمُؤْمِنُ يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ اللَّـهُ تَعَالَى،
وَكُلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ عَلَى أَخِيهِ الْـمُؤْمِنِ حَقُّ الْمَحَبَّةِ وَالْوِلَايَةِ بِقَدْرِ إِيمَانِهِ وَعَمَلِهِ الصَّالِحِ؛ وَلِذَا فَإِنَّ الْـمُؤْمِنَ يُحِبُّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِسَائِرِ الْبَشَرِ، وَيُحِبُّ الْعُلَمَاءَ الرَّبَّانِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ أَكْثَرَ مِنْ حُبِّهِ لِغَيْرِهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ r: «مَنْ أَحَبَّ لِلَّـهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّـهِ، وَأَعْطَى لِلَّـهِ، وَمَنَعَ لِلَّـهِ؛ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ» أَبُو دَاوُدَ،
وَقَالَ r: «مَثَلُ الْـمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ شَيْءٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْـحُمَّى» خ. م.
وَمِنْ لَوَازِمِ وَلَاءِ الْـمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ: رَحْمَتُهُ، وَاللِّينُ لَهُ، وَخَفْضُ الْـجَنَاحِ لَهُ ، فمن صِفَاتِ الْـمُؤْمِنِينَ الْكُمَّلِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ مُتَوَاضِعًا لِأَخِيهِ وَوَلِيِّهِ، مُتَعَزِّزًا عَلَى خَصْمِهِ وَعَدُوِّه،
لِقَوْلِ اللَّـهِ تَعَالَى فِي وَصْفِ أَوْلِيَاءِ اللَّـهِ تَعَالَى (أَذِلَّةٍ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)، وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) .
وَخَاطَبَ اللَّـهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ r بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) وَهُوَ خِطَابٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ تُجَاهَ كُلِّ مُؤْمِنٍ.
وَمِنْ لَوَازِمِ وَلَاءِ الْـمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ: إِيصَالُ الْـخَيْرِ إِلَيْهِ، وَدَفْعُ الشَّرِّ عَنْهُ؛
لِقَوْلِ r: «الْـمُسْلِمُ أَخُو الْـمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّـهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّـهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّـهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» خ.م.
وَمِنْ لَوَازِمِ وَلَاءِ الْـمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ: النُّصْحُ لَهُ؛ قال r: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّـهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» م.
وعن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّـهِ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمَا قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّـهِ r عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» خ.م.
وَمِنْ لَوَازِمِ وَلَاءِ الْـمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ: نُصْرَتُهُ فِي الْـحَقِّ، وَرَدُّهُ عَنِ الظُّلْمِ؛ لِقَوْلِ اللَّـهِ تَعَالَى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)؛ قال r: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولُ اللَّـهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» خ. ومن نصرةِ المسلمِ لأخيهِ المسلمِ : أن تذبَ عن عرضِه ، وأن تدعو له في ظهرِ الغيبِ بالنصرِ والتوفيقِ والسدادِ .
وَمِنْ لَوَازِمِ وَلَاءِ الْـمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ: صِيَانَةُ دَمِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ؛
فَإِنَّ النَّبِيَّ rخَطَبَ النَّاسَ يُقَرِّرُ ذَلِكَ، فِي أَقْدَسِ بُقْعَةٍ، وَأَفْضَلِ يَوْمٍ، وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالنُّسُكِ فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَكَانَ مِمَّا قَالَ:«فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» خ.م.
وَوَيْلٌ لِمَنْ خَذَلَ مُسْلِمًا، أَوْ ظَلَمَهُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَأَعَانَ عَدُوًّا عَلَيْهِ، يَسْتَبِيحُ دَمَهُ وَعِرْضَهُ وَمَالَهُ، وَيْلٌ لَهُ مِنْ يَوْمٍ يَقِفُ فِيهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّـهِ تَعَالَى لِلْحِسَابِ، قَالَ اللَّـهُ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّـهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)
قال r : ما منَ امرئٍ يخذلُ امرأً مسلِمًا في موضعٍ تُنتَهَكُ فيهِ حرمتُهُ ويُنتَقَصُ فيهِ من عِرضِهِ إلَّا خذلَهُ اللَّـهُ في موطنٍ يحبُّ فيهِ نصرتَهُ ؛ وما منَ امرئٍ ينصُرُ مسلمًا في موضعٍ يُنتَقَصُ فيهِ من عرضِهِ ويُنتَهَكُ فيهِ من حرمتِهِ إلَّا نصرَهُ اللَّـهُ في موطنٍ يحبُّ نصرتَهُ).أبو داود.
وَمِنْ لَوَازِمِ وَلَاءِ الْـمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ: الْإِصْلَاحُ بَيْنَ الْـمُتَخَاصِمِينَ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ؛ لِقَوْلِ اللَّـهِ تَعَالَى:(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّـهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فَحَرِيٌّ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ يُرِيدُ وِلَايَةَ اللَّـهِ تَعَالَى أَنْ يُوَالِيَ الْـمُؤْمِنِينَ، وَيُعَادِيَ أَعْدَاءَهُمْ (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) بارك الله ...
الْـخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْـحَمْدُ لِلَّـهِ ... أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْـمُسْلِمُونَ: وِلَايَةُ الْـمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ، وَهِيَ مِنْ دَلَائِلِ سَلَامَةِ الْقَلْبِ وَصَلَاحِ اللِّسَانِ؛ فَلَا يَنْطِقُ فِي الْـمُؤْمِنِينَ إِلَّا بِخَيْرٍ، فِي حَـضْـرَتِهِمْ أَوْ فِي غَيْبَتِهِمْ، وَمَهْمَا أَخْطَأَ الْـمُؤْمِنُ فَإِنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَزُولُ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَرْتَكِبَ نَاقِضًا يَنْقُضُ الْإِيمَانَ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ؛ فَذَاكَ لَا وِلَايَةَ لَهُ.
قَالَ الإِمَامُ اِبْنُ تَيْمِيَةَ: "وَالْـمُؤْمِنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَادِيَ فِي اللَّـهِ وَيُوَالِيَ فِي اللَّـهِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُؤْمِنٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَالِيَهُ وَإِنْ ظَلَمَهُ؛
فَإِنَّ الظُّلْمَ لَا يَقْطَعُ الْـمُوَالَاةَ الْإِيمَانِيَّةَ ...وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ خَيْرٌ وَشَرٌّ، وَفُجُورٌ وَطَاعَةٌ، وَمَعْصِيَةٌ وَسُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ: اسْتَحَقَّ مِنْ الْـمُوَالَاةِ وَالثَّوَابِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ، وَاسْتَحَقَّ مِنْ الْـمُعَادَاتِ وَالْعِقَابِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الشَّـرِّ، فَيَجْتَمِعُ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مُوجِبَاتُ الْإِكْرَامِ وَالْإِهَانَةِ... هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ".أ.هـ
وَقَدْ أَخْطَأَ بعضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ أَخْطَاءً كَبِيرَةً، وَمَعَ ذَلِكَ أَبْقَى النَّبِيُّ r الْوِلَايَةَ لَهُمْ، وَلَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنْهَا، وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ قَتَلَ جَمْعًا مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ دَعَاهُمْ لِلْإِسْلَامِ فَأَخْطَأُوا وَقَالُوا: صَبَأْنَا، أَيْ: أَسْلَمْنَا، فَدَعَا النَّبِيُّ r وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ» خ. فَتَبَرَّأَ r مِنْ عَجَلَتِهِ وَخَطَئِهِ، وَلَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْهُ، بَلْ بَقِيَ خَالِدٌ سَيْفَ اللَّهِ الْمَسْلُولَ، وَالْقَائِدَ الْمَشْهُورَ.
وَأَخْطَأَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمَا فَقَتَلَ رَجُلًا بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ؛ فَغَضِبَ النَّبِيُّ r وَقَالَ لِأُسَامَةَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ؟!»، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أُسَامَةُ: «يَا رَسُولَ اللَّـهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا» متفق عليه.
وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْفِ النَّبِيُّ r الْوِلَايَةَ عَنْ أُسَامَةَ بِسَبَبِ هَذَا الْخَطَأِ الْفَادِحِ، بَلْ بَقِيَ حِبَّ النَّبِيِّ r وَابْنَ حِبِّهِ. ثم صلوا ...
المرفقات
1700080759_من لوازم موالاة المؤمنين.pdf
1700080761_من لوازم موالاة المؤمنين.docx