مراسم استقبال شهر رمضان وفرصُه

مراسم استقبال شهر رمضان وفرصُه 26/8/1447هـ

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102] أيها الإخوة: بعد أيامٍ قلائل إن شاء الله سنستقبل شهراً عظيمًا، وضيفًا كريمًا، ضيفٌ تزدانُ به الدنيا وتشرق أنوارها.. وتهب رياح الإيمان وتنسابُ بين أرجائها.. شهرٌ كان يبشرُ بمقْدمِهِ رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- فيَقُولُ لَمَّا حَضَرَ رَمَضَانُ: «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، فَقَدْ حُرِمَ». رواه أحمد والنسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بسند صحيح.

مرحبًا بك يا رمضان، حبيبًا جئت على ولَهٍ منا وطولِ انتظار، جئتَ بعد غيابِ عامٍ مات فيه أقوامٌ ووُلِدَ آخرون، واغتنى قومٌ وافتقر آخرون، وسَعِدَ قومٌ وشقيَ آخرون، واهتدى قومٌ وضلَّ آخرون.

أحبتي: هل فكرنا كيف نهيئ أنفسنا لهذا الموسمِ العظيم، الذي أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يبلغنا إياه ويعيننا على استثمار دقائقه فيما يرضيه، وأن يتسلمه منا ونحن بعافية وطاعة..

والذي أراه: أن أول ما نهيئه لاستقبال رمضان الدعاء بأن يبلغنا الله رمضان بأحسن حال، وأن يعيننا على طاعته فيه..

ثم بتهيئة قلوبَنا بكثرةِ الاستغفار والتوبة من كل خطيئة، فالاستغفار عبادةٌ من أجل العبادات، وقربةٌ من أفضلِ القربات، وله آثارٌ جليلة على المكثرين منه والمداومين عليه، ذلك أن الاستغفارَ يُورث صاحبَه راحة البال، وانشراح الصدر، وسكينة النفس، وطمأنينة القلب، ويُمَتِعُ اللهُ المستغفرين متاعًا حسنًا: فقد قال: (وأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) [هود:3]..

ومن تهيئة القلب لهذا الشهر تصفية مشاعرنا تجاه المسلمين، فقد قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ.؟ قَالَ: «كُلُّ ‌مَخْمُوم ‌الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَان» قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا ‌مَخْمُومُ ‌الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ» رواه ابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-وصححه الألباني. يُقَالُ رَجُلٌ مَخْمُومُ الْقَلْبِ إِذَا كَانَ نَقِيَّ الْقَلْبِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، هُوَ مِنْ خَمَمْتُ الْبَيْتَ إِذَا كَنَسْتُهُ وَنَظَّفْتُهُ.. لنجاهد نفسنا لنكون سليمَي الصدور للمسلمين، فسلامة الصدر نعيم الدنيا، وراحة البدن ورضوان الله في الأخرى..

ومن تهيئة القلب والبدن الحرص على أداء ركعات من قيام الليل، ولو بالوتر بركعة واحدة؛ حتى نعتاد على القيام، لمن لم يعتد ذلك..

وأن نطلع على الواجب معرفته من أحكام الصيام كالمفطرات، والمشروع كفضل القيام والدعاء وأفضل أو قته، وغيرها من الأحكام المهمة..

ومن تهيئة النفس لرمضان التخطيط للاستفادة منه بالتزود من الطاعات واستثمار أوقاته ومواطن الإجابة فيه.. والتفرغ بقدر المستطاع لذلك ومن المعين على التفرغ شراء مستلزمات العيد قبل شهر رمضان.

رمضانُ أيها الإخوة: فرصةٌ لتربيةِ النفوسِ، وتقويةِ الإرادةِ فيها والارتفاعِ بها إلى سماءِ المجد ودرجات العز، إن رؤيةَ هلالِ الصيام في السماء هو إشارةٌ بالغة لبدءِ معركةِ الإرادة وقوةِ العزيمة، فالصوم يُدربُ المسلمَ على أن يمتنعَ باختياره عن شهواته وملذاته، في إرادة قوية ثابتة، لا يَضِيرُها كيدُ الشيطان، ولا تعدو عليها عوادي الشهوة.. فأيُ قانونٍ من قوانين البشر يحقق ذلك؟! وأيُ أمةٍ من الأمم تجدُ فرصةً تستطيع من خلالها فرض نمط من أنماط تربية شعبها بمزاولة فكرة نفسية واحدة مرة واحدة كلَ سنة وخلال ثلاثين يوما؟! ألا ما أعظم الإسلام، وما أروع الصيام...

فلو قيل لبعض الناس: دعوا عنكم شرب الدخان لاستصعبوه وأحسوا العنت بفقده، فما بالهم في أيام رمضان ودون أي نداء وإلحاح قد تركوه خلال فترة الإمساك.

إن هذه الإرادة وهذه التربية الرمضانية يجب ألا تذهب أدراج الرياح، بل الواجب أن ترسخ في النفوس، وأن تكون جزءًا لا يتجزأ من كيانها، حتى إذا انتهى الشهرُ وَوُدَّعِ بقيت آثار هذه الإرادة، وهذه التربية في النفوس، فلا يكون ذهاب التربية إلا حين تروح الروح، قال ربنا جل في علاه: (وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ). [الحجر:99]. وفي رمضان فرصٌ سانحةٌ للدعاء فهو شهر الدعاء فقد ذكر الله في معرض ذكره للصيام هذه الآيةَ العظيمة: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة:186] (فَإِنِّي قَرِيبٌ) القرب نوعان قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه ودَاعِيْهِ بالإجابة والمعونة والتوفيق.. تفسير السعدي رحمه الله.

أيها الأحبة: أي إيناس للصائمين في مشقة صومهم في ظل هذا الود والقرب والاستجابة أعظمُ من هذا الأنس.؟! وقد جعل رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- الدعاء أكرم شيء على الله فقال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الدُّعَاءِ». رواه الترمذي -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وحسنه الألباني. بل جعل ترك الدعاء سببًا لغضبه سبحانه فقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ». رواه أحمد والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وحسنه الألباني. قال الطيبي معنى الحديث أن من لم يسأل الله يبغضه والمبغوض مغضوب عليه والله يحب أن يسأل..

ورتبوا دعواتكم ابتدأوا بأنفسكم، ثم خصوا والديكم وذرياتكم وأزواجكم وإخوانكم ومن له حق عليكم من المعلمين والأصدقاء والمحبين، وولاة أمركم واجعلوا للمنكوبين والمضطهدين والمحتاجين من المسلمين دعوة ثم لعموم المسلمين.. بارك الله لي ولكم ....

 

الخطبة الثانية:

أما بعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). أجل لعلكم تتقون، فالغاية الكبيرة من الصوم التقوى.. التقوى التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة طاعةً لله.. وإيثاراً لرضاه..

التقوى التي تحرسُ هذه القلوبَ من إفساد الصوم بالمعصية، ولو كانت هاجسًا في البال..

التقوى التي يعلمُ المسلمون وزنها عند الله، فهي غاية ما تتطلع إليها نفوسهم.. والصوم أداةٌ من أدواتها، وطريقٌ موصلٌ إليها لذلك كله جعلها الباري هدفًا مضيئًا يتجهون إليه عن طريق الصيام.. (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

أيها الإخوة: ها هي أيام الخير قد أقبلت، ومواسم البذل قد أطلت، فهل من مشمر إلى الجنة.؟ لنقل جميعا نحن المشمرون إن شاء الله.. وبداية التشمير تبدأ بالعزم الأكيد على استثمار أوقات هذا الشهر الجليل..

ومما ينبغي أن يكون من أولويتنا في هذا الشهر الكريم تفطير الصائمين وفيه أجر عظيم، ولا تصرف فيه الزكاة؛ وهو من ‌إطعام ‌الطعام فيكون للضيف والسائل ولأهله ولعياله، والتفطير يكون للغني والفقير.. وقد حث عليه رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- بقوله: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا». رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة، وعند النسائي في الكبرى وابن خزيمة عن زيد بن خالد الجهني رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وصححه الألباني.. ورمضان شهر القرآن ولذلك كانت القراءة فيه لها مزية على غيره، وكان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- يتدارس القرآن مع جبريل كل ليلة في رمضان، وفي السنة التي قبض فيها مر عليه مرتين. ومما ورد في فضل قراءة القرآن قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» رواه الترمذي عبد الله بن مسعود -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وهو صحيح.. أسأل الله لنا جميعا التوفيق والإعانة وأن يبلغنا رمضان ونحن بصحة وعافية.

 

 

المشاهدات 213 | التعليقات 0