لنطهرِ القلوبَ أولاّ ثم نسكب العسل

د. سلطان بن حباب الجعيد
1447/08/10 - 2026/01/29 14:41PM

لنُطَهِّرِ الآنيةَ أوّلًا، ثم نَسْكُبِ العسلَ.

 


الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الجَنانَ، وجَعَلَه مَحَلَّ الإيمانِ، ومَحَطَّ نَظَرِ الرحمنِ، بصلاحِه يَصِلُ العبدُ إلى منازلِ الرِّضوانِ، وبفسادِه يَهوي إلى دَرْكِ النِّيرانِ.

والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِ وَلَدِ عدنانَ، المبعوثِ رحمةً للإنسِ والجان، صلاةً وسلامًا يَثْقُلُ بهما الميزانُ.

 


أيها الناسُ، اتقوا اللهَ، فإنَّ من اتقى اللهَ؛ فازَ برِضوانِ اللهِ. قال الله تعالى:

﴿إِنَّ لِلمُتَّقينَ مَفازًا ۝ حَدائِقَ وَأَعنابًا﴾

 


وبعدُ: أيها الإخوةُ في اللهِ، بينَ جَنْبَي كلِّ واحدٍ منّا قلبُه، الذي عليه تَدورُ رَحَى الحياةِ، وسلامتُها رَهْنُ سلامته، فمن هُدّدَ قلبُه فقد هُدّدَت حياتُه.

أرادَ اللهُ أن يجعلَ له هذه المنزلةَ الرفيعةَ والخطيرةَ من الإنسانِ، فيكونُ للأعضاءِ بمنزلةِ الملكِ في مملكته، وللأرواحِ بمنزلةِ الهادي والحادي. فإن صَلُحَ هذا الملكُ صَلُحَت باقي الأعضاءِ، وإن رَشَدَ الهادي؛ ساقَ هذه الأرواحَ إلى بلادِ الأفراحِ، وإن ضلَّ ساقَها إلى وادٍ سحيقٍ لا قرارَ له.

 


ومن عجيبِ أمرِه وخطيرِ أثرِه، أنَّ الحياةَ التي تتوقَّفُ على سلامته، ليست فقط حياةَ الإنسانِ المادّيةَ، بل وحتى حياتَه الإيمانيّةَ والرُّوحيةَ. فمن سَلِمَ قلبُه من الآفاتِ الحِسِّيّةِ؛ عاشَ بجسدٍ صحيحٍ. ومن سَلِمَ قلبُه من الآفاتِ الإيمانيّةِ؛ عاشَ بإيمانٍ صحيحٍ.

 


قال مَعْدِنُ الحكمةِ ﷺ، كما في الحديثِ المتَّفقِ عليه:

«ألا وإنَّ في الجسدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَت صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَت فَسَدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ».

 


ولأنَّ كلَّ الناسِ على علمٍ تامٍّ بأهميّةِ سلامةِ القلبِ المادّيِّ لتَسْلَمَ حياتُهم، فإنَّ كلامَنا سينصبُّ على التَّنبيهِ إلى سلامةِ القلبِ الرُّوحيّةِ، التي ربَّما غفلَ عنها كثيرٌ من الناسِ.

 


أيها الإخوةُ، كما أنَّ السِّمْنَةَ وتراكُمَ الدُّهونِ وتركَ الرِّياضةِ تُهَدِّدُ القلبَ وتَقودُه إلى حَتْفِه، فكذلك الذُّنوبُ والآثامُ؛ من الشَّهواتِ، والكِبْرِ والبَطَرِ، والحَسَدِ، والحِقْدِ، والعُجْبِ، ناهيكَ عن الشِّركِ والنِّفاقِ والرِّياءِ، فإنَّها تتراكَمُ على القلبِ حتّى تَقودَه إلى حَتْفِه، والعياذُ باللهِ.

 


قال ﷺ، كاشفًا عن هذه الحقيقةِ:

«تُعْرَضُ الفِتَنُ على القلوبِ عَرْضَ الحَصيرِ عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَت فيه نُكْتَةٌ سوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنكرَها نُكِتَت فيه نُكْتَةٌ بيضاءُ، حتى يَصيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ، والآخرُ أسودَ مُرْبادًّا كالكوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ معروفًا ولا يُنكرُ منكرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هواه». [أخرجه مسلم]

 


إذا تقرَّرَ هذا، فإنَّه يَجْدُرُ بنا في هذا الشَّهرِ، شهرِ شعبانَ، أن نلتفتَ إلى هذه القلوبِ، وأن نُصلِحَها، وأن نُزيلَ عنها كلَّ ما رانَ عليها وتسبَّبَ في سوادِها، وذهبَ ببياضِها ونقائِها ورونقِها.

 


لأنَّ شهرَ شعبانَ فرصةٌ عظيمةٌ لأن نُهَيِّئَ هذه القلوبَ والنُّفوسَ لاستقبالِ رمضانَ؛ فهو لرمضانَ كالنافلةِ قبلَ الفريضةِ. لا ينبغي الدخولُ عليه هكذا دون أن يسبقَ هذا الدُّخولَ ما يستحقُّه هذا الشَّهرُ من حفاوةٍ وتكريمٍ، وإنَّ خيرَ ما نستقبلُ به هذا الشَّهرَ نفوسٌ طيِّبةٌ ونقيَّةٌ.

 


فلنَصْرِفْ ما تبقّى من أيّامِ هذا الشَّهرِ، لهذه المهمّةِ العظيمةِ، وذلك يكونُ بـ:

توبةٍ نصوحٍ شاملةٍ، واستغفارٍ كثيرٍ صادقٍ، تَلْهَجُ به ألسنتُنا، وتَدْمَعُ معه عيونُنا؛ فإنَّ الاستغفارَ والتوبةَ يمحو اللهُ بهما الذُّنوبَ، ويَصْقُلُ بهما القلوبَ، فتعودُ إلى سابقِ عهدِها أنقى وأطهرَ ما تكونُ.

 


قال ﷺ:

«إنَّ المؤمنَ إذا أذنبَ ذنبًا كانت نُكْتَةٌ سوداءُ في قلبِه، فإن تابَ ونَزَعَ واستغفرَ صُقِلَ منها، وإن زادَ زادت حتّى يُغَلَّفَ بها قلبُه، فذلك الرَّانُ الذي ذكرَ اللهُ في كتابِه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ». [الترمذي والنسائي]

 


ويكونُ بعفوٍ شاملٍ أيضًا، نُحَرِّرُ به قلوبَنا من أَسْرِ الأحقادِ، فتتنفَّسُ معه عَبقَ التَّسامُحِ والتَّصالُحِ، ونفتحُ به نوافذَ القلوبِ ليَلِجَ هواءُ الحُبِّ نقيًّا مُنعِشًا، فيطردُ جراثيمَ الكراهيةِ وعَطَنَها وعَفَنَها.

 


ولذلك وردَ عن النبيِّ ﷺ فضلٌ خاصٌّ للتَّسامُحِ في شعبانَ، ومردُّ ذلك – واللهُ أعلمُ – إلى تهيئةِ القلبِ لرمضانَ. قال ﷺ:

«إنَّ اللهَ ليطَّلِعُ في ليلةِ النِّصفِ من شعبانَ فيغفرُ لجميعِ خلقِه، إلا لمُشركٍ أو مُشاحِنٍ». [ابن ماجه وابن حبان]

 


وقال ﷺ:

«إذا كان ليلةُ النِّصفِ من شعبانَ اطَّلعَ اللهُ إلى خلقِه، فيغفرُ للمؤمنينَ، ويُملي للكافرينَ، ويَدَعُ أهلَ الحِقْدِ بحِقْدِهم حتّى يَدَعوه». [الطبراني]

 


ويكونُ كذلك بتعظيمِ اللهِ حقَّ التعظيمِ في القلوبِ؛ فإذا عَظُمَ اللهُ في القلبِ خرجَ منه كلُّ عظيمٍ سواه، من حُبِّ النَّفسِ والهوى والدُّنيا، وإذا خرجت هذه من قلبِ العبدِ خرجَ معها كثيرٌ من آفاتِ القلوبِ وأدوائِها.

 


نَفعلُ ذلك وأكثرَ من ذلك، لاستقبالِ الضيفِ الكبيرِ العزيزِ بما يليقُ به.

 


فإذا كانت القلوبُ كالبيوتِ، كما جاء في الحديثِ: «إنَّ الذي ليس في جَوْفِه شيءٌ من القرآنِ كالبيتِ الخَرِبِ». [الترمذي وأحمد]

فإنَّه ينبغي استصلاحُ البيوتِ قبلَ حلولِ الضَّيفِ.

 


وإذا كانت القلوبُ كالثيابِ، كما جاء في الحديثِ: «إنَّ الإيمانَ ليَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكم كما يَخْلَقُ الثوبُ، فاسألوا اللهَ أن يُجَدِّدَ الإيمانَ في قلوبِكم». [الطبراني والحاكم]

فإنَّه ينبغي ألّا يُستقبَلَ الضَّيفُ إلا بأجملِ الثيابِ وأنظفِها.

 


وإذا كانت القلوبُ كالآنيةِ، ورمضانُ بأعمالِه الصالحةِ؛ من صيامٍ وصلاةٍ وتلاوةٍ وصدقةٍ ودعاءٍ، كالعسلِ أو الطعامِ الطيِّبِ؛ فإنَّه ينبغي ألّا يُسكَبَ العسلُ ولا يُوضَعَ الطعامُ في آنيةٍ نَجِسَةٍ وقَذِرَةٍ.

 


أقولُ قولي هذا…

 


وبعدُ: أيها الإخوةُ الكرامُ، وممّا يزيدُ من ضرورةِ الالتفاتِ إلى القلوبِ في هذا الشَّهرِ، أنَّ العبدَ في رمضانَ على موعدٍ للدخولِ على الملكِ سبحانه، ومناجاتِه وطلبِه.

 


ولا يصحُّ الدُّخولُ على الملكِ العظيمِ إلا بقلوبٍ لائقةٍ؛ فإنَّها مَحَطُّ نظرِ اللهِ عزَّ وجلَّ.

قال ﷺ:

«إنَّ اللهَ تعالى لا ينظرُ إلى صورِكم وأموالِكم، ولكن إنَّما ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم». [مسلم]

 


ثمَّ إنَّ تهيئةَ النَّفسِ قبلَ رمضانَ، تجعلُ الصِّيامَ يُلاقي قلبًا خاليًا، فيتمكَّنُ من إحياءِ المعاني فيه، التي من أجلِها شُرِعَ الصِّيامُ، فيمتلئُ بالتقوى، ثم تفيضُ هذه التقوى أعمالًا صالحةً وأخلاقًا ساميةً على الجوارحِ.

 


ولا بأسَ عليك في نهايةِ هذه الموعظةِ، أن تقطعَ عهدًا مع نفسِك أن تخوضَ تجربةَ هذا العامِ، تستقبلُ فيها رمضانَ بعد أن تُهَيِّئَ له قلبَك ونفسَك، وستكتشفُ بذلك أنَّ له مذاقًا خاصًّا وطعمًا مختلفًا؛ ستكونُ صلواتُك فيه أقربَ إلى الخشوعِ، وصدقاتُك أقربَ إلى القَبولِ، ودمعاتُك أقربَ إلى النُّزولِ، ودعواتُك وأمنياتُك أقربَ إلى الحصولِ.

 


اللهمَّ بارِكْ لنا فيما تبقّى من شعبانَ، وبلِّغْنا رمضانَ بقلوبٍ صالحةٍ، ونفوسٍ خاشعةٍ، ووفِّقْنا فيه للعملِ بما يُرضيكَ.

 


هذا، وصلُّوا وسلِّموا

المرفقات

1769686905_لنطهر الآنية أولاّ ثم نسكب العسل ( وورد).docx

1769686906_لنطهر الآنية أولاّ ثم نسكب العسل ( PDF).pdf

المشاهدات 285 | التعليقات 0