فيض العطاء_خطبة عيد الفطر 1447هـ
هشام الذكير
فيض العطاء
عيد الفطر 1447هـ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله! خلق الخلق فأحصاهم عدداً، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً.
الله أكبر! عنت الوجوه لعظمته، عز سلطانه، وعم إحسانه.
الله أكبر! كلما ذكره الذاكرون، الله أكبر! عدد ما هلل المهللون، وكبَّر المكبرون، وسبح المسبحون.
اللهم أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرةً وأصيلاً..
قال جل في علاه: " ولتكلموا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون".
الله سبحانه واسع العطاء، لا يَنْقُصُه نائل، ولا يُحفِيه سائل، يداه (سبحانه) مبسوطتان بالبذل والرزق والإعطاء، جزيل العطايا، واسع الكرم، عظيم الفضل، بيده خزائن كل شيء، ما أكرمه سبحانه وأغناه! يمينه سبحانه ملأى بالخيرات والعطايا لا يُغِيضها نفقة، سَّحاء الليل والنهار، يعطي عباده الصالحين ما لا تبلغه أعمالهم ولا أمنياتهم بلا عدد ولا كيل " والله يرزق من يشاء بغير حساب " ويجزل عليهم بالمضاعفة " والله يضاعف لمن يشاء " لا يتعاظمه شيء، ولا يَنقُصُه العطاء على كثرته، اختار لنفسه اسم (المعطي) وهي صفة من صفاته جل جلاله؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " والله المعطي ".
واسم الله (المعطي) يعلمنا محبة الله والثناء عليه وشكرَه على ما له من العطايا المتنوعة في الدين والدنيا، ويعلمنا ألا نيأس من دعائه إذا تأخر أمد العطاء، فهو سبحانه يعطي ما يريد، في الوقت الذي يريد، فعطاؤه سبحانه مرتبط بعلمه وحكمته " والله ينزِّل بقَدَرٍ ما يشاء "، فإذا شعرت بمرارة فوات الفرص، وأخذت بمخالب الندم، فتذكر أنَّ الله (المعطي) "وعند الله مغانم كثيرة "، وهو سبحانه يجزل العطاء في القادمات، ولربما كان منعه جل وعلا هو العطاء، فلو كُشِفَت لك الحكمة في المنع، عاد المنع عَيْنُ العَطاء[1].
وقد أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه سورة الكوثر (إنا أعطيناك الكوثر) لتمسح على قلبه الشريف وَخَزات أعدائه بأنه أبتر؛ ولتقرر أن حقيقة الخير الباقي الممتد سيكون للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، كما جاءت العناية الإلهية بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله جل في علاه (ولسوف يعطيك ربك فترضى).
كان النبي صلى الله عليه وسلم يجزل في العطاء، سأله ناسٌ من الأنصار فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده وقال: " ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم "، وجاء رجلٌ فأعطاه غَنَمًا بيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إلى قَوْمِهِ، فَقالَ: يا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فإنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لا يَخْشَى الفَاقَةَ[2].
أيها المؤمنون والمؤمنات:
(العطاء) له صور كثيرة في التشريع الحكيم، تتجلى هذه الصورة بزكاة الفطر؛ فهي عطاءٌ للفقير وإغناءٌ له يوم العيد، وفُرِضَت زكاة المال وهي الركن الثالث من أركان الإسلام؛ تطهيراً للنفس وتزكيةً لها " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " وأمسى بذل المال صفة ملازمة للتقوى " وسيجنبها الأتقى* الذي يؤتي ماله يتزكى "، ولعظيم أثر العطاء جعلت الشريعة عطاءً خاصاً لفئة معينة تأليفاً لقلوبهم كي يدخلوا الإسلام.
يستجيش القرآن في النفوس المؤمنة عطاءً من نوع خاص فيه التضحية بالحياة: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة "، كما حثَّت الشريعة على العطاء المعرفي: "بلغوا عني ولو آية " وقوله صلى الله عليه وسلم:"مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا " وجاءَت الشريعة بالعطاء الجسدي - بما دون النفس -: " وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم " وفي الحديث: " ومَن كانَ في حَاجَةِ أخِيهِ كانَ اللَّهُ في حَاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرُبَاتِ يَومِ القِيَامَةِ "، وفي الحديث: " تبسُّمُكَ في وجْهِ أخيكَ لَكَ صدقةٌ، وأمرُكَ بالمعروفِ ونَهيُكَ عنِ المنْكرِ صدقةٌ، وإرشادُكَ الرَّجلَ في أرضِ الضَّلالِ لَكَ صدقةٌ، وبصرُكَ للرَّجلِ الرَّديءِ البصرِ لَكَ صدقةٌ، وإماطتُكَ الحجرَ والشَّوْكَ والعظمَ عنِ الطَّريقِ لَكَ صدقةٌ، وإفراغُكَ من دلوِكَ في دلوِ أخيكَ لَكَ صدقةٌ "
يوصِي النبي صلى الله عليه صاحبه أبا ذر بعطاءٍ لطيف إذْ يقول له: ((يا أبا ذرٍّ! إذا طبَخت مرَقةً، فأكثِرْ ماءَها، وتعاهَدْ جِيرانَك "[3]، وتحث الشريعة على الهدية لما يحققه هذا العطاء من محبة، وفي أبواب المعاملات حثَّت الشريعة على حسن الوفاء بالعطاء الزائد على أصل الدين: " فإنَّ خيار الناس أحسنهم قضاءً "[4].
وفي النكاح شُرِع عطاءٌ خاص بالمطلقة جبراً لخاطرها بما حصل لها من ألم الفراق: "ومتعوهنَّ على الموسر قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف"، وفي أبواب الجنايات شُرِعَ عطاء الدية عوضاً عن القصاص؛ لما في العطاء من جبر نفوس الأولياء.
وهذا التنوع في مجالات العطاء من عطاءٍ بالمال، والعلم، والنفس، والروح، والحياة = يحقق تشريعاً متكاملاً لصرح الأمة الشامخ وجسد الأمة الواحد.
العطاء يُولِّد في نفس المؤمن الباذل أنه جزء من سلسلة عريقة عرفها التاريخ منذ بزوغ شمس الرسالة مع طليعة الإسلام: أبي بكر، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وطلحة، وهكذا بقيت الدعوة السرية بمكة ثلاث سنين إلى أنْ اشتد ساعد الأمة بتلك العطاءات والتضحيات، وهناك ارتجَّت أصوت مكة بصوت الحق حين نزل قوله تعالى: " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين".
هذا التشريع العظيم يتحقق به قوة جسد الأمة الواحد، فاللهم أكبر الله أكبر اللهم أكبر ولله الحمد، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
أيها المؤمنون:
(العطاء) عطاءان .. عطاء رب العباد، وعطاء المخلوق للمخلوق، أما عطاءات رب العباد فبابه الدعاء، يقول عطاء: " متى أطلق الله لسانك بالدعاء، فاعلم أنه يريد أن يعطيك ما تشاء، مهما عظم مرادك وعظم مطلبك "[5].
والعطاء قد يسبقه الابتلاء، ففي منثور كلام العلماء أن سُئِل الإمام الشافعي: أي الأحوال أحب إلى الله: العطاء أم البلاء؟ فقال: ما جاء العطاء إلا بعد البلاء؛ فاصبر على البلاء تُبشّر بالعطاء.
وأما عطاء المخلوق للمخلوق فذاك خلق رفيع يحصل بالتخلُّق، والطبع بالتطبُّع، وهو درجات كدرجات الظل.
المعطي يعطي من فرحه، ومن شغفه، ومن علمه، ومن مرحه .. تجده يعزز شعور الآخَر بالحياة، لا يعطي ليتلقى، بل يعطي ليعيش .. العطاء هو ذاته فرحٌ رفيع.
العطاء يورِّث عطاء، ويورِّث حُبَّاً، لأن العطاء حُب .. والحب يولِّد الحب!
العطاء لا يعرف غنياً ولا فقيراً، فالمعطاء يبقى معطاءً في عسره ويُسرِه، وما مدحت العرب ولا تمدَّحت بمثل الإعطاء على العُسر والمواساة على القلة[6].
من منثور كلام الأدباء أنَّ آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق بأن السعادة الإنسانية في العطاء دون الأخذ، فما المرء إلا ثمرةٌ تنضج بموادها، حتى إذا نضجت واحلوَّت كان مظهر كمالها ومنفعتها في الوجود أن تهب حلاوتها، فإذا هي أمسكت الحلاوة على نفسها كان سبباً في فسادها من بعد[7]، فالتمحور على الذات بإفراطٍ من أسباب تعاستها، لأن مطالب النفس ومطامحها لا تنتهي، فكلما حاز منها شيئاً طمع في الآخر.
سعادة العطاء أبقى وأغنى، فلنتزود من سعادة العطاء!
سلوا الكرماء .. أي لذة يشعرون بها عند العطاء؟ لذة العطاء تهتز لها كل شعرة من جسده.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ..
(الخطبة الثانية)
المرأة مجبولة على العطاء، فرحمها وعاء لطفلها تسعة أشهر، ثم إرضاعه حولين كاملين، ثم تربيته إلى أن يشب، ثم مستودع همومه عند الكهولة.
المرأة هي الأم، وهي المدرسة الأولى، والمعلمة الأبدية، تعطي بلا توقف، وتربي الأجيال على معاني العطاء.
عطاء المرأة يتجاوز الأفعالَ اليوميةَ إلى التأثير العميق في تشكيل القيم والأخلاق في المجتمع، هي مجبولة على العطاء دون أن تطلب، روحها الكبيرة يجعلها تدير أزمات أسرتها وتتخطى الحواجز، تنثر العطاء كزهرٍ ينبت في الربيع، مملوءٍ بالأمل والجمال.
عطاء المرأة يظهر في كل تفاصيل الحياة من التربية، والرعاية، والتضحية، أمنا أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها أثرى نساء قريش، أعطت من أموالها دعماً للنبي صلى الله عليه وسلم، وسخَّرت تجارتها لخدمة الإسلام.
أسماء بنت أبي بكر كانت سخية، هي ذات النطاقين؛ حين شقَّت نطاقها نصفين لتربط به طعام النبي صلى الله عليه وسلم زمن الهجرة.
عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت أكثر الصحابة علماً، ونقلت عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ألفي حديث.
أم سلمة رضي الله عنها كانت فقهية حكيمة، قدمت المشورة للنبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، فوافق النبي صلى الله وسلم على رأيها حتى تجاوز الصحابة رضوان الله عليهم تلك الأزمة.
بالعطاء تتقارب الشموع، وتجتمع المصابيح، وتضيء الحياة بهجةً وسروراً
" عيديات العيد " نوع خاص من العطاء يبقى أثره، وتقوى أواصره، فينشأ جيلٌ منقوش الذاكرة بأثر العطاء.
(فتح البيوت والحرص على اجتماع العائلة) نوع من العطاء الكبير الذي تحصل به ألفة المجتمع.
سلامة القلب وحب الخير: من المراتب العليا للجود والعطاء.
الصفح عمَّن أساء إليك .. عطاء، ودعاؤك لأخيك في ظهر الغيب صورةٌ من صور عطاء الأوفياء.
حسن انتقاء الحديث مع الوالدين وكبار السن: عطاءٌ من نوع فريد، جرِّب أن تطلب من كبير حديثاً عن ذكرياته، أولئك الكبار أعطوا كثيراً، وقد آن أوان أن نعطيهم.
الترحيب بحفاوة والابتسامة الصادقة مع من عرفت ومن لم تعرف: نوع من العطاء تنشرح له الصدور، وتزيل عنك وعن غيرك الهموم.
العطاء أنواع وأصناف، والموفق من استكثر منه على اختلاف أنواعه وأصنافه.
(الدعاء)
[1] ابن عطاء الاسكندري، من كتاب (قلوب تهوى العطاء) لدولة ص20.
[2] مسلم (2312).
[3] رواه مسلم، حديث رقم (2625)
[4] رواه مسلم
[5] قلوب تهوى العطاء، ص(21).
[6] من نشرة المحصل، أبو هلال العسكري.
[7] الرافعي. السمو الروحي ص44.
المرفقات
1773862127_فيض العطاء_خطبة عيد الفطر ن3.docx
1773862135_فيض العطاء_خطبة عيد الفطر ن3.pdf