فضل شهر شعبان وبعض الأحكام

عبدالرحمن سليمان المصري
1447/08/10 - 2026/01/29 17:06PM

فضل شهر شعبان وبعض الأحكام

الخطبة الأولى

الحمد لله جزيل النعماء وعظيم الآلاء ، وفق أهل الإيمان لطاعته، ويسر لهم سبيل الوصول إلى رضوانه ومحبته ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد:  أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فهي وصية الله للأولين والآخرين قال تعالى ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾ .

عباد الله: إن من نعم الله عز وجل على عباده ، أن يبلغهم مواسم الطاعات، ويوفقهم لاغتنام الأوقات ، سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس خير، قال: "من طال عمره ، وحسن عمله " رواه الترمذي بسند صحيح.

عباد الله:  شهر شعبان من مواسم الطاعات ، تلتمس فيه النفحات، وترفع فيه القربات ، ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان ، شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام والقيام ، وقراءة القرآن، وسائر أنواع الإحسان؛ ليحصل التأهب لتلقي رمضان، وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن .

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في صيام هذا الشهر ويحافظ عليه ، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: " لم أرى النبي صلى الله عليه وسلم صائما من شهر قط، أكثر من صيامه من شعبان ، ‌كان ‌يصوم ‌شعبان ‌كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا " رواه مسلم.

وعن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان" رواه الترمذي وصححه الألباني.

قال العلامة الطيبي: كان صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان تارة كله ، وتارة معظمه لئلا يتوهم أنه واجب كرمضان أ.هـ.

عباد الله : إن الحكمة من إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من الصيام في شعبان ؛ كما جاء في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ذلك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم " رواه النسائي وحسنه الألباني .

والعبادة عند غفلة الناس فضلها عظيم ، قال صلى الله عليه وسلم:" العبادة في الهرج كهجرة إلي " رواه مسلم .

والهرج هو: الفتنة واختلاط أمور الناس وغفلتهم ، ولهذا فضلت صلاة الفجر في جماعة ، وفضل قيام الليل وقت السحر ، لغفلة كثير من الناس عنها، فلا يقوم بها إلا من وفقه الله تعالى لنيل رضوانه.      

عباد الله: ومنزلة صيام شعبان من رمضان ، بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها ، فصوم شعبان كالقبلية لرمضان، وصيام الست من شوال كالبعدية لرمضان ، وذلك ليكمل بهذه النوافل النقص في الفرائض

-ويجب التنبه على أن من بقي عليه شيء من رمضان الماضي ؛ فيجب عليه صيامه قبل أن يدخل رمضان القادم- .

عباد الله : وقد جاء النهي عن ابتداء صيام شيء من شعبان ، بعد انتصاف الشهر ، إما على سبيل الكراهة أو التحريم ، لقوله صلى الله عليه وسلم :" إذا انتصف شعبان فلا تصوموا "رواه أبوداود بسند صحيح .

إلا إن وافق صومه عادة ، كمن يصوم الاثنين والخميس ، أو اعتاد صيام ثلاثة أيام من كل شهر فلا بأس أن يصومها من أول الشهر أو آخره ، قال صلى الله عليه وسلم " لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين ، إلا رجل كان يصوم صوما، فليصمه " رواه البخاري .

عباد الله: وبين النبي ﷺ أن شعبان شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله عز وجل ، وقد  ثبت في السنة النبوية أن الأعمال تعرض على الله تعالى ، في اليوم مرتين مرة بالليل ومرة بالنهار ، ومرتين في الأسبوع يومي الاثنين والخميس ، وترفع الأعمال جملة واحدة في شهر شعبان ، وهو سبحانه أعلم بعباده ولا يخفى عليه شيء ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:" فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم "  ، قال تعالى:﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.        

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا  ،       أما بعد :

عباد الله: وأما ليلة النصف من شعبان فكل ما ورد في فضلها فهو إما حديث موضوع أو ضعيف ، وأما حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ‌إن ‌الله ‌تعالى ‌ليطلع ‌في ‌ليلة ‌النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" رواه ابن ماجة.

وعلى فرض صحة الحديث عند من صححه من العلماء ، فلا يشرع تخصيص ليلة النصف من شعبان ، بصيام نهارها أو قيام ليلها ، ولا أن يزاد فيها بالعمل على غير ما اعتاده المسلم من العبادات ، أو إطلاق حملة عبر وسائل التواصل للمسامحة.

لكن ينبغي لنا أن نصفي نفوسنا من جهة إخواننا المسلمين ، وأن يعفو المسلم عن أخيه ، حتى نأخذ الفضل المذكور في الحديث " فيغفر لجميع خلقه ، إلا لمشرك أو مشاحن " .

عباد الله : وقد شاع عند البعض: أن المتشاحن مع أخيه المسلم بغير وجه حق ، لا يقبل منه عمل صالح ، أو توبة من ذنب ، حتى يصطلح مع أخيه ، وهذا الفهم مخالف لمنهج أهل السنة ، فالذنب الذي لا يقبل معه أي عمل ؛ هو الشرك بالله عز وجل ، قال تعالى: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾ النساء : 48

.وأما معنى الحديث: أن المتشاحن أو المتخاصم ، لا يغفر له ذنب التخاصم حتى يصطلح مع أخيه ؛ لأنه من حقوق العباد التي لا تغفر إلا بالتسامح بينهم .

عباد الله: إن من أهم ما يستعان به على استقبال الطاعات ومواسم الخيرات ،  التوبة إلى الله تعالى ، والتخلص من الحقوق والتبعات ، والابتعاد عن الشبه والشهوات ، والاستغفار من الذنوب والخطيئات ، والمحافظة على الجمع والجماعات،  والعكوف على كتاب الله تلاوة وتدبرا ، ودعاء الله تعالى أن يبلغه شهر رمضان وصدره منشرح لطاعته في صحة وعافية .

 

وليعلم المؤمن أن طاعة الله عز وجل  ؛ خير مغنم ومكسب ، ورضاه سبحانه خير ربح ومطلب ، قال تعالى: ﴿  كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ آل عمران: 185 .

اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان ، ونحن في صحة وعافية ، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك .

 

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

المرفقات

1769695433_فضل شهر شعبان وبعض الأحكام خطبة2.docx

1769695433_فضل شهر شعبان وبعض الأحكام خطبة2.pdf

المشاهدات 595 | التعليقات 0