شهر القراء واستقبال رمضان

شهر القراء واستقبال رمضان!
﴿الخُطْبَةُ الأُوْلَى﴾
الحمدُ للهِ الَّذي بَلَّغَنا شَعْبَانَ، وأدْنَى إلينا رَمَضَانَ، وجَعَلَ مَواسِمَ الخَيْرِ تَتَعاقَبُ على القلوبِ لتَحْيَا، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهَدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ: فأوصيكم عبادَ اللهِ ونفسي بتقوى الله؛ فإنَّ التقوى زادُ القلوب، وعِمادُ الأعمال، ومفتاحُ الفلاح.
﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنظُر نَفسٌ ما قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بِما تَعمَلونَ﴾ [الحشر: ١٨]
أيُّها المؤمنون… ها نحنُ في شَعْبَان؛ شهرُ الاقترابِ مِن رَمَضَان، شهرُ التهيئةِ والاصطفاءِ، شهرٌ يوشِكُ أن يَطوِيَ أيامَه… ثم إذا نحنُ على أعتابِ الضيفِ الأعظم. وما أسرعَ ما تمضي الأيام! تُقْبِلُ كأنَّها تُهرَوِل، وتُدبِرُ كأنَّها لم تُقِم!
تأمَّلوا — رعاكم الله — حالَ مَن بُلِّغَ أنَّ ضيفًا كبيرًا سيأتيه: ضيفٌ ذو جاهٍ وسلطان، ذو فضلٍ وإحسان، يعلمُ أنَّ حضورَه سيزيدُه شرفًا، وسيمنحُه خيرًا، وسيتركُ أثرًا لا يُنسى…
كيف يستعدُّ له؟ كيف يُنَظِّفُ البيتَ، ويُرتِّبُ المجلسَ، ويُصلِحُ ما فسد، ويُجَمِّلُ ما قَبُح، ويتهيَّأُ بقلبِه ولسانِه ووجهِه؛ خشيةَ أن يَفُوتَه مِن الضيفِ ما يُرجى!
فكيف — عبادَ الله — إذا كان الضيفُ هو رَمَضَان؟
ضيفٌ كريمٌ من عندِ الكريم… يأتيكَ بالرحمة، ويَحمِلُ إليك بابًا واسعًا للمغفرة، ويَعرِضُ عليك تجارةً مع الله لا تبور. لكنَّه ضيفٌ عجيب: سريعُ القدومِ، سريعُ الخروج… أيّامٌ معدودات، وليالٍ محدودات؛ ثم يُقال: مضى رَمَضَان! فمَن الرابح؟ ومَن المحروم؟
رمضان — أيها الأحبّة — ليس مجرد صفحات في التقويم، بل نفحات من الله، ومدرسةُ توبةٍ وقرآن، وميدانُ سباقٍ إلى الجنان. اختاره اللهُ لِنزول أعظمِ كتابٍ؛ قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
وفيه تُفتَحُ أبوابُ الرحمة، وتُغلَقُ أبوابُ النار، وتُسَلْسَلُ الشياطين. فيا لها من أيامٍ لو عَقَلَها العاقل، لَمَا فرَّطَ فيها طرفةَ عين!
وشَعْبَانُ — عبادَ الله — بوابةُ الاستعداد. هو شهرٌ يغفلُ عنه كثيرٌ من الناس بين رجب ورمضان، وفيه تُرفع الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، وكان النبي ﷺ يحب أن يُرفع عملُه وهو صائم.
ولذلك لم يكن ﷺ يصوم شهرًا من الشهور أكثرَ من صيامه في شعبان كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها.
ثم انظروا إلى سرٍّ بديعٍ من أسرارِ السلف: كانوا يَسْتَقبلون رمضان بالقرآن قبل رمضان؛ حتى قيل عن شعبان: شهرُ القُرَّاء.
وكأنَّهم يقولون لك: لا تنتظرْ حتى يُنادى: “جاء رمضان” ثم تبحث عن قلبك في زحمة العادات!
أيها المؤمنون… إنَّ أعظمَ الاستعداد لرمضان استعدادُ القلب:
توبةٌ صادقة تُنظّف الداخل قبل أن تُزيّن الظاهر.
استغفارٌ يمحو غبارَ الذنوب، فالذنوب تُثقِل الروح وتُضعِف اللذة في الطاعة.
تركُ المعاصي؛ لأنَّ من دخل رمضان وقلبُه مُقيَّدٌ بالشهوات، خرج منه كما دخل… وربما أشدَّ!
ورمضان لا يغيّر الإنسانَ وحده؛ الإنسان هو الذي يغيّر نفسَه ليستحقَّ نفحات رمضان.
ثم خُذوا من شعبان مشروعًا عمليًّا واضحًا:
1. عوِّد نفسَك على وردٍ من القرآن لا ينقطع؛ صفحاتٍ ثابتة كل يوم… فشهرُ القرآن لا يُستقبل بكسل.
2. ذُق طعمَ الصيام في شعبان يوم أو يومين في الأسبوع؛ تدريبًا للنفس، وتمهيدًا للجسد، وترويضًا للهوى — هكذا كان هديُ النبي ﷺ أن يكثر الصيام في شعبان كما تقدم.
3. أعد العدة وحدد أهدافك في رمضان من الآن وغير من عاداتك السيئة في رمضانك الماضي! ضياع الأوقات! هاتفٌ يسرق القلب، مجلسٌ يجرّ إلى غيبة… ابدأ الآن؛ فالتغيير في شعبان أيسر، والنجاح في رمضان أقرب.
4. صلِّ رحمَك، وأصلِح خصوماتك؛ فالقلبُ المشحونُ لا يحسنُ استقبالَ القرآن.
عبادَ الله… إنَّه قليلٌ قليلٌ ويُقال: “أهلاً رمضان”، ثم قليلٌ قليلٌ ويُقال: “وداعًا رمضان”…
فيا مَن يريد أن يُكْرَم، هذا أوانُ الاستعداد. ويا مَن يرجو تغييرًا صادقًا، هذا موسمُ التهيئة.
اللهم بلّغنا رمضان، وأعنّا فيه على الصيام والقيام وغضِّ البصر وحفظ اللسان، واجعلنا فيه من عتقائك من النار.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾
الحمدُ لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقه وامتنانه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله… واعلموا أنَّ من أعظم الخسارة: أن يُدرك الإنسانُ رمضان، ثم لا يخرج منه بقلبٍ أقرب إلى الله، ولسانٍ أصدق، وخلقٍ ألين، وقرآنٍ أعمق أثرًا.
يا أحبة… رمضان ليس “موسمَ مظهرٍ” بل “موسمُ مخبرٍ”. فمَن أراد أن يكون رمضانُه مختلفًا، فليبدأ من شعبان: اقطع سببَ الذنب، واغلق بابَ العادة السيئة، وافتح نافذةَ الطاعة الصغيرة المستمرة… فإنَّ الأعمال العظيمة تُبنى على ثباتٍ صغير.
ثم استبشروا: فربُّكم كريم، أبوابُه مفتوحة، ونفحاتُه تُطلّ عليكم… ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه. فيا ربِّ لا تحرمنا، ولا تردّنا خائبين
عباد الله! وإذا كان الحديثُ عبادَ الله عن رمضانَ شهرِ الرحمة، فإنَّ من أعظمِ أسبابِ نزولِ الرحمة، وتتابُعِ الخيرات، وكشفِ الكُرُبات… كثرةَ الصلاةِ والسلامِ على نبيِّ الرحمة، وقد دلَّنا ربُّنا على ذلك فقال جلَّ في علاه:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم بلّغنا رمضان بلاغَ رحمةٍ ومغفرة، اللهم اجعل شعبانَ شهرَ إصلاحٍ واستعداد، ورمضانَ شهرَ فتحٍ وسداد.
اللهم أصلح قلوبنا، وزكِّ نفوسنا، وبارك لنا في أعمارنا وأوقاتنا. اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا.
اللَّهُمَّ اغفِرْ لَنا زلَّاتِنا، وذنوبَنا، وما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أنتَ أعلمُ به منَّا، أنتَ المقدِّمُ وأنتَ المؤخِّر. اللَّهُمَّ رحمتُك أوسَعُ بنا، ومغفرتُك أعظمُ من ذنوبِنا. اللَّهُمَّ ارحمْنا رحمةً من عندك تُغنينا بها عن رحمةِ من سِواك، واغفِرْ لنا مغفرةً من عندك تمحو بها جميعَ ذنوبِنا، حتى يُقالَ لنا من هذا المسجد: قوموا مغفورًا لكم، قد بُدِّلت سيئاتُكم حسنات.
اللَّهُمَّ ارزقنا القوَّةَ على الطاعة، والقوَّةَ على القرآن، والقوَّةَ على الخير، والقوَّةَ على البرِّ والإحسان. رَبَّنَا هَبْ لنا من أزواجِنا وذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أعين، واجعلنا للمتقين إمامًا. رَبَّنَا آتِنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذابَ النار. رَبَّنَا استُرْنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويومَ العرض عليك. سُبحانَ ربِّك ربِّ العزَّةِ عمَّا يصفون، وسلامٌ على المرسلين،
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المرفقات

1769789730_شهر القراء واستقبال رمضان!.pdf

المشاهدات 26 | التعليقات 0