شكر نعمة الأمن (موافقة لمحاور التعميم + مشكولة)
صالح عبد الرحمن
خطبة عن شكر نعمة الأمن 1447/09/17هـ (موافقة لمحاور التعميم + مشكولة)
الخطبة الأولى:
إنَّ الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، نحمده -سبحانه- تقدَّس ذاتًا وصفاتٍ وجَمالًا، وعزَّ عظمةً وعلُوًّا وجَلالًا.
لكَ الحمدُ حمدًا طيِّبًا ومباركًا * لكَ الحمدُ مولانا عليكَ المعوَّلُ
لكَ الحمدُ أعلى الحمدِ والشكرِ والثنا * أعزُّ وأزكى ما يكونُ وأفضلُ
وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، جعل العاقبة للمتقين، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من عظم الله أقوالًا وفِعالًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ ما تعاقب الليل والنهار، وسلَّم تسليمًا مباركًا إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ، فيا عبادَ اللهِ: إن رمتُم من التمكين والعِز والنصر ازدلافًا، فعليكم بتقوى الله قولًا وعملًا واعترافًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)
أيها المسلمون: عَقْلٌ راجِحٌ وقَلْبٌ تَقِي، ولِسانٌ صادِقٌ وفُؤَادٌ نَقِي، حافِظٌ لِجوارِحِهِ، مُمْسِكٌ للسانِه.. لا يخوض في الشائعات، ولا ينشر كل خبر، ولا يَفْحَشُ في القَولِ، ولا يَسْتَهِيْنُ بالحُرُمات.
ما تَخَلَّقَ بِها امْرُؤٌ إِلا عَلا، وما اسْتَمْسَكَ بِها مُسْتَمْسِكٌ إِلا شَرُف.
مُسْتَمسِكٌ بِقِيَمِه.. لَهُ من مَعِيْنِ الوَحِيِ أَكْرَمَ مَوْرِدٍ، ولَهُ مِنْ مَنْهَلِ السُّنَةِ خَيْرُ ارْتِواءَ.
مُتَخَلِّقٌ بأَخلاقِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مُتَّبِعٌ لأَمْرِه، مُهْتَدٍ بِشَرِيْعَتِهِ مُنْتَهٍ عَن نَهْيِه. فالقَوْلُ ما قَالَ الرَّسُولُ، والشَّرِيْعَةُ ما شَرَع.
حِفظُ اللِّسانِ وصِيانَةُ المَنْطِق.. رَزَانَةٌ وعَقْلٌ ودِيانَة. وما نَدِمَ نادِمٌ على أَمْرٍ اقْتَرَفَه.. مِثْلُ نَدَمِ مَنْ أَطْلَقَ للسانِهِ ولِقَلَمِهِ ولِبَنانِهِ العَنَان. يَتَفَوَّهُ بِلِسانِهِ لا يَتَبَيَّن. ويَكْتُبُ بِقَلَمِهِ وبِبَنانِهِ لا يَتَوَرَّع.
وفي عَثْرَةٍ من العَثَراتِ المُهْلِكَة.. التي يَتَجَاسَرُ عليها كَثِيْرٌ مِن النَّاسِ ولا يَتَبَيَّنُونَ فِيها. الخَوْضُ في الشَّائِعاتِ والاسٍتِهانَةُ بِها. تَجاسُرٌ على إِشاعَةِ كُلِّ ما يُقْرأَ، وإِذاعَةِ كُلِّ ما يُسْمَع، ونَشْرِ كُلِّ ما يُقال.. دُونَ تَحَقُّقٍ ولا تَثَبُّتٍ ولا تَمْحِيْص. وفي الحدِيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كفى بالمرءِ كذباً أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِع» رواه مسلم.
لَغْوٌ وغَوْلٌ وخَوْضٌ مَع الخَائِضِيْن.. لا يَنْحَطُّ إِلى وَحَلِهِ.. إِلا مَنْ لَمْ يَنْهَضْ بِهِ عَقْلٌ، ولَمْ يَرْتَقِ بِهِ دِيْن. وفي القُرآنِ.. تحذيرٌ لكل من يطلق لسانه بلا روية {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}.
شَائِعاتٌ.. تُتَلَقَّى بِالأَلْسُنِ، وتُمَرِرُ بالرَّسائِلِ وبِوَسائِلِ التَواصُلِ وبالأَقلام. فَتَرُوجُ الشَّائِعَةُ في النَّاسِ وتَنْتَشِر. وتُذاعُ فيهم وتسَرِي.
تَنْبَثِقُ الشَّائِعَةُ مِنْ فَردٍ أَو مِنْ فِئَةٍ أَو مِنْ مُنَظَّمَة.. لِتُرَوِّجَ لِفِكْرَةٍ مَقْصُودَةٍ، أَو مَعْلُومَةٍ مَغْلُوطَةٍ أَو خَبَرٍ مَكذوب. لِيُحَقِّقَ صاحِبُها مَطْلَباً خَفِياً، يُمْضِيْ فيهِ مَشْرُوعَه.
ومُرَوِّجُو الشَّائِعاتِ ونُقَّالُها.. سُعاةُ إِثْمٍ. يَنْقُلُونَ مِنَ الأَخْبَارِ مَا لا يَثْبُتْ، ويُشِيْعُونَ مِنَ الحدِيْثِ ما لا يصِحّ، ويَنْشُرُونَ مِنَ الأُمورِ ما لا يُحْمَد. فَمَا وَقَعَ البَصَرُ مِنْهُم على خَبَرٍ إِلا أَذاعُوه. وما سَمِعَتْ آذانُهُمْ بحدثٍ إِلا أَرْسَلُوه.
فكيف إذا كانت هذه الشائعات متعلقةٌ بالأمور الأمنية للبلاد، وسببٌ لنشر الفزع والإرجاف.
فَكَمْ تَزاحَمَ أَقْوامٌ على نَقْلِ شَائِعَةٍ وَتَسَارَعُوا.. فَلَمَّا تَجَلَّتْ شَمسُ الحقِيْقَةِ وشَعْشَعَ ضِياؤُها. أَدْرَكوا أَنَّهُم حَمَلُوا إِثْماً وقالُوا زُوْراً، وأَشاعُوا كذباً ونَشَروا فُجُوراً.
وكَفى بالقُرآنِ مُرَبِياً لِمَنْ عَقَل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}
وحِيْنَ يَكُونُ للمرءِ نَفْسٌ تَوَّاقَةُ للخَوْضِ في كُلِّ ما يُنْشَرُ، وفي نَقْلِ كُلِّ ما يُقال.. فَقَدْ سَلَكَتْ بِه طَرِيْقاً يَكرَهُهُ اللهُ.
عَنِ المُغِيْرةِ بنِ شُعبةَ رضي الله عنه قالَ سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُول: (إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قيلَ وَقالَ، وإضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) متفق عليه.
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} لا تَقُلْ ما لَيْسَ لَك بهِ عِلْم. لا تَنْقُلْ مِن الأَخبارِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ علم، لا تُشِعْ مِن الأُمورِ والتُّهَمِ ما ليْسَ لَكَ بِه عِلْم. بَلْ كُنْ وَقَّافاً، مُحْجِماً عَن الخوضِ خَوَّفاً. لا تَظُنَّنَّ أَنَّ الأَمْرَ هَزْلٌ. {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
بارك الله لي ولكم..
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ، جَلَّ اللهُ في علاه، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وحده لا شريك له، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمداً عبده ورسوله، صلى اللهُ وسلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وأَصْحَابِهِ وسلم تسليماً كثيرا.
أَمَّا بَعْدُ: أيها المسلمون إنَّ من أجلِّ نِعَمِ اللهِ على العباد، وأعظمِ عطاياهُ على البلاد، نعمةَ الأمنِ والاستقرار، بها تُحفَظُ الدِّماء، وتُصانُ الأعراض، وتُؤدَّى العبادات، وتدورُ عجلةُ الحياة. ولو فُقِد الأمنُ لتعطَّلت المساجد، وأُغلِقت المدارس، واضطربت المعايش، وخاف الناسُ على أنفسهم وأهليهم.
وإننا – ولله الحمد – نعيشُ في هذه البلاد المباركة، المملكة العربية السعودية، في ظلِّ أمنٍ وأمان، واستقرارٍ واطمئنان، نحمدُ اللهَ عليه آناءَ الليل وأطرافَ النهار، ونتذكر قولَه سبحانه:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
فالشكرُ سببُ الزيادة، وكفرُ النعمِ سببُ الزوال، ومن شكرَ النعمةَ حُفِظت له، ومن جحدها عرَّضها للفقد.
كيف لا يكون الشكر ذو أهمية بالغة، ونحن نعيش في ظل هذه الأحداث الراهنة.
ومن شكرِ نعمةِ الأمنِ أن نحفظها، وألا نكونَ سببًا في زعزعتها، أو إشاعةِ ما يُقلق الناسَ ويُخيفهم، ومن ذلك الخوضُ في الأحداثِ والأزماتِ في المجالس، أو عبر وسائل التواصل، بغير علمٍ ولا بصيرة، وتحليلُ الوقائعِ بلا دراية، وإشغالُ الناسِ بما لا ينفعهم. وقد أرشدنا ربُّنا إلى المنهج القويم فقال:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
فالأمورُ العامةُ مردُّها إلى أهل الاختصاص، ومن ولاه اللهُ الأمر، فهم أعلمُ بتقدير المصالح والمفاسد، وأدرى بما يُقال وما يُترك.
قال عليه الصلاة والسلام: «مِن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه»
ومن صور الخوضِ المذمومِ: تصويرُ المقاطعِ المتعلقةِ بالأحداثِ الأمنية، أو تداولُها بين الناس؛ فإن في ذلك إرجافًا، وإشاعةً للخوف، وتعريضًا للأنفسِ والمصالحِ للخطر، وربما كان فيه إعانةٌ للعدوِّ على التمادي في عدوانه.
فاتقوا الله عباد الله، وكونوا عونًا على حفظ الأمن، لا سببًا في زعزعته، واحفظوا ألسنتكم وأقلامكم وهواتفكم، فإنها أمانةٌ تُسألون عنها بين يدي الله.
ثم أكثروا من الدعاء؛ فإن الدعاءَ سلاحُ المؤمن، وسِترُ البلاد والعباد.
سلوا اللهَ أن يحفظ قيادتنا وبلادنا من كلِّ شرٍّ ومكروه، وأن يديم على بلادنا عزَّها وقوتها ومنعتها، وأن يحفظ لها ولسائر بلاد المسلمين الأمنَ والأمانَ والطمأنينةَ والاستقرار، وأن يحفظ جنودنا الذين يذودون عن وطننا، ويسدد رأيهم ورميهم، ويثبت أقدامهم، ويربط على قلوبهم.
اللهم اجعل بلادنا آمنةً مطمئنةً، اللهم احفظها وجنبها الحروب والفساد والدمار، وسائر بلاد المسلمين، اللهم أدم علينا نعمة الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام.