شعبان وصحائف الأعمال

د.عبدالحميد المحيمد
1447/08/04 - 2026/01/23 22:21PM

 

إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله  اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .

عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)

أيها الأحبة في اللَّه، للَّه في زمنكم نفحات، وهناك أيام عظيمة من أيام اللَّه، وهناك شهور مباركة، وهذه الدنيا مزرعة للآخرة، فازرع في الدنيا كي تحصد في الآخرة. وهذه الشهور في تتابعها شهرًا بعد شهر حتى تتهيأ لطاعة جديدة، وحتى ترغب في قُربة اللَّه عز وجل شهرًا بعد شهر، وحتى تجد أسبابًا تُنقّيك من الذنوب والمعاصي.

شهر شعبان، هذا الشهر المبارك الذي سمّته العرب بهذا الاسم؛ لأنهم كانوا يتشعّبون، أي: يتفرقون بحثًا وطلبًا للماء حتى يرتووا وحتى يسقوا حلالهم وبهائمهم. كذلك له معنى من معاني الإيمان؛ لأن أهل الإيمان في شهر شعبان يرتوون ويسقون زرعهم، ويسقون طاعاتهم بالإخلاص وبالاجتهاد، ويضعون برامج يتهيأون بها لشهر رمضان. ولذلك قال السلف: شعبان شهر السقي أو شهر الزرع والسقي. لماذا؟ لأنك قبل رمضان تتهيأ، وتوطّن نفسك على القيام، وتوطّن نفسك على صلاة النوافل، وتعود نفسك على صلاة الجماعة في المسجد، وتعود نفسك على المصحف حتى تزول تلك الوحشة وذلك الهجران بينك وبين مصحفك، وحتى لا يعلوه الغبار.

إذًا، ومن مزايا شهر شعبان أنه شهر ترتوي فيه القلوب، وتتجدد فيه الطاعات، ويتأهّب فيه أهل الإيمان.

وفي شهر شعبان وقع أمر عظيم؛ لمَّا قدِم النبي صلى اللَّه عليه وسلم المدينة مهاجرًا من مكة، صلَّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا وكان صلى اللَّه عليه وسلم وهو في مكة إذا أراد الصلاة إلى بيت المقدس يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس؛ إذ كان يحب أن يتوجه إلى قبلة إبراهيم عليه السلام، ولكن عندما هاجر إلى المدينة لم يعد يستطيع أن يتوجه إلى الكعبة وإلى بيت المقدس، فكان يتوجه إلى بيت المقدس صلى اللَّه عليه وسلم، ويدعو اللَّه أن يجعل قبلته المسجد الحرام. حتى إنه كان يخرج صلى اللَّه عليه وسلم وينظر إلى السماء وهو مهموم، يترقّب الوحي وينتظر البشارة.

فجاءته البشارة في شهر شعبان، كما ذكر ابن كثير رحمه اللَّه في البداية والنهاية.

وقد جاء في ذلك قول اللَّه تعالى:

(قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا  فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)..[البقرة:144]

فكان أول رمضان فُرض على النبي صلى اللَّه عليه وسلم وهو يستقبل البيت الحرام.

أيضًا، شهر شعبان هو شهر يغفل فيه الناس؛ فقد ينشغلون بحاجات الطعام والشراب والتسوق، وقد ينشغلون لأنهم اجتهدوا في رجب، ويجتهدون في رمضان، فتقع الغفلة في شهر شعبان.

ولذا، لما سُئل النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن كثرة صيامه في شهر شعبان، قال:”ذاك شهرٌ يغفَلُ النَّاسُ عنه بين رجب ورمضانَ، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، وأُحِبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائمٌ “.

فإن العبادة في وقت الغفلة أجرها عظيم، وأجرها مضاعف.

وكان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يصوم شعبان كله إلا قليلاً ويزيد في العبادة فيه.

وكذلك كان يجتهد السلف؛ وبعضهم يغلق حانوته، ويهيئ نفسه، وقد كان يُسمّى شهر شعبان “شهر القرّاء”. فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من المجتهدين، ومن السابقين إلى الطاعات.

أقول ما تسمعون، وأستغفر اللَّه.

 

الخطبة الثانية

 

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

من مزايا شهر شعبان أنه شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين. وهكذا فسر النبي صلى اللَّه عليه وسلم سبب صيامه، قال: «وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، وأُحِبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائمٌ».

فكيف تهيّئ نفسك وأعمالك، وتنظر وتتخيّل صحيفة أعمالك؟ ماذا كتبت فيها؟ فهل فيها ما يليق بأن يُرفع إلى رب العالمين؟ هل فيها من الصلوات ما هو صالحٌ لأن يُرفع إلى اللَّه عز وجل؟ هل لك من ذكر اللَّه رصيدٌ يجعلك فرحًا بأن صحيفتك سترفع إلى رب العالمين؟ أم أن فيها من الذنوب، ومن الهفوات، ومن اللمم، ومن الصغائر، أو من الكبائر ما تستحي أن يُرفع إلى اللَّه؟

فإذن، يجتهد الإنسان في هذه الأيام حتى يُبيض صحيفته، ويمحو ما فيها من ظلم، وما فيها من أكلٍ لحقوق العباد، وما فيها من ربا، وما فيها من شحناء، وما فيها من بغضاء، حتى تكون ناصعة، حتى يتباهى بها، حتى يتقبلها اللَّه سبحانه وتعالى. فنسأل اللَّه العلي العظيم أن يبيض صحائفنا، وأن يطهر أعمالنا، وأن يتوب علينا؛ إنه هو التواب الرحيم.

اللَّهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وعافِ مبتلانا ومبتلى المسلمين.اللَّهم اشفِ من الأمراض والأسقام ما عجز عنه الأطباء، اللَّهم اشفِ مرضى المسلمين يا رحمن يا رحيم.

اللَّهم فرّج عن المكروبين، اللَّهم فرّج عن إخواننا في غزة وفي بلاد المسلمين، اللَّهم ألطف بهم يا رحمان يا رحيم.

اللَّهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللَّهم اغث البلاد والعباد سقيا رحمة لا سقيا عذاب، تحيي بها الزرع وتدر بها الضرع، وتجعلها رحمة لنا يا رحمان يا رحيم. اللَّهم اغثنا، اللَّهم اغثنا، اللَّهم اغثنا.

وصلى اللَّه على نبينا محمد.

 

المرفقات

1769196070_شعبان وصحائف الأعمال.pdf

المشاهدات 240 | التعليقات 0