سيف الحياء

سامي بن محمد العمر
1447/07/12 - 2026/01/01 20:40PM

سيف الحياء

13/7/1447

 

في يوم من أيام خلافته الراشدة: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنه عبد الله: اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقل: يقرأ عمر بن الخطّاب عليك السّلام، ثمّ سَلْها أن أُدفن مع صاحبيّ، قالت: كنت أريده لنفسي فلأُوثِرنَّه اليوم على نفسي.

فلمّا أقبل، قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين. قال: ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك المضجع، فإذا قُبضتُ فاحملوني ثمّ سلِّموا، ثمّ قل: يستأذن عمر بن الخطّاب، فإن أذنت لي فادفنوني وإلّا فردّوني إلى مقابر المسلمين([1]).

وفي رواية أنه قال: إذا مِتُّ فاستأذنوها فإن أذنت وإلا فدعوها فإني أخشى أن تكون ‌أذِنت ‌لي ‌لسلطاني([2]).

لقد أدرك رضي الله عنه أن مِن أخفى وجوهِ الظلم، وأدقِ مسالكِ الحرام: محاصرةَ المرء بطلبٍ لا يهواه، وانتزاعَ حقه من غيرِ رضاه، بسيف الحياء الذي لا يُريقُ دمًا، ولكنه يَستبيحُ حقوقًا، ولا يقطعُ عضوًا، ولكنه يكسرُ نفوسًا.

سيف الحياء: هو أخذُ حقوقِ الناسِ وأموالهم بالإكراه اللفظي، والغصبِ المعنوي، فيندفعُ الشخص للموافقةِ حياءً بلا رضا، وخجلاً بلا طيبِ نفس.

سيف الحياء: سياطٌ خفيةٌ مؤلمة، تكونُ من نظرةٍ مُحرِجة، أو كلمةٍ ضاغطة، أو مكانةٍ اجتماعية يضطر المرء أن يستجيب لأصحابها حياءً أو مجاملةً أو خوفَ لومٍ أو قطيعة؛ فيبذل ما لا يُريد بذله لو كان مختاراً.

ولقد قال الله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] فاشترطَ الرضا وطيبَ النفس في ذلك، وإلا كان المالُ المأخوذُ بسيفِ الحياءِ محرماً وأكلاً لمالِ الآخرين بالباطل.

وقال سبحانه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] فلا يجوز إحراجُ الزوجةِ في شيءٍ من مالها، وأخذُه إكراهاً وتخويفاً، أو مكراً وخديعةً أو بسيفِ الحياء، حتى تُظهر الرضا وطيب النفس.

وقال تعالى في حكاية قول المتخاصِمَين عند داود عليه السلام ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: 23-24] 

(وعزني في الخطاب) أي: غلبني بقوله وإلحاحه، وظلمني وقهرني بطلبه وسؤاله، وأخذ نعجتي إلى نعاجه.

وأمثالُ هذا المكسورِ الضعيفِ كثيرون، يغلبُهم الحياء، ويتقون سلاطةَ اللسان والجدلَ والإلحاحَ، ويأنَفُون من الذمِّ واللوم، ويخشَون معرَّةَ التصريحِ بالرفض، فيصدرُ إِذنُهم من اللسان، وتخرجُ عطيتُهم من اليد، وتعلو محياهم ابتسامة الخجل، ويبقى القلبُ مُخفيًا الكُرهَ والامتعاض، وتعودُ النفسُ متألمةً من سياطِ الإحراج وسيفِ الحياء.

وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلُّ لامرئٍ من مالِ أخيه شيءٌ إلا بطيبِ نفسٍ منه))([3]).

فمتى عَلِم الآخذُ أنَّ الـمُعطي إنما يُعطيه شيئًا حياءً منه بدونِ طيبِ نفس؛ حَرُمَ عليه تناولُه، ووجبت إعادتُه لصاحبه، فإنَّ نَزْعه من صاحبِه بسيفِ الحياء يَنْزِعُ منه البركة ويورِثُ الإثمَ والندمَ والحسرة.

 

بارك الله لي ولكم....

 

الخطبة الثانية

أما بعد:

فأما الذين يضربون إخوانهم بسياط الإحراج وسيوف الحياء فيقال لهم: توقفوا فوراً، فالأمر عظيم والأثر جسيم، والفعل خطير والذنب كبير.

توقفوا عن إحراج إخوانكم في بيع أو شراء أو طلب أشيائهم هبةً وهديةً؛ يمنعهم من رفضه سيف الحياء..

توقفوا عن إلزام إخوانكم بما تسمونه حقاً ووليمةً تُثقل الكواهل، لهفوةٍ بدرت، أو زلةٍ ظهرت، يصدهم عن الامتناع عنها سيف الحياء.

توقفوا عن الأكل من المعروض في المحلات بحجة الشراء إذا لم يظهر لكم إذن أصحابها، فربما الذي أوقفهم عن منعكم هو سيف الحياء.

توقفوا عن تأخير قسمة التركات وعدم إعطاء الحقوق لورثة يمنعهم من المطالبة بها سيف الحياء.

توقفوا عن أمثلة كثيرة من هذا القبيل؛ فليأتينَّ عليكم زمان لن ينفعكم فيه سلاطةُ ألسنتكم، ولا مكـرُكُم وخداعُكم، ولا جاهُكم ومكانتُكم، فإن أفعالَكم هذه ظلمٌ وبغيٌ:

{وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}

اللهم اهدنا فيمن هديت....



([1]) البخاري (1392)
([2]) «لطبقات الكبرى – ط: دار صادر (3/ 363)
([3]) مسند أحمد (21082) وصححه الألباني في الإرواء (1459).

المرفقات

1767289174_سيف الحياء.pdf

1767289191_سيف الحياء.docx

المشاهدات 336 | التعليقات 0