رمضان ثبات وأجر
أنشر تؤجر
الخُطْبَةُ الأُولَى :
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ ، وَنَسْتَعِينُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ .
أَمَّا بَعْدُ : أَيُّهَا النَّاسُ : أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : إن مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ : نِعْمَةُ الْهِدَايَةِ لِهَذَا الدِّينِ ، قَالَ تَعَالَى :﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾[ الحجرات: 17 ]
فَاللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ ، فَهَدَى مَنْ شَاءَ بِفَضْلِهِ ، وَأَضَلَّ مَنْ شَاءَ بِعَدْلِهِ ، وَكَتَبَ ذَلِكَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، قَالَ تَعَالَى :﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [التغابن:2].
وَأَوْضَحَ لَنَا طَرِيقَ السَّعَادَةِ لِنَسْلُكَهُ ، وَطَرِيقَ الشَّقَاوَةِ لِنَتْرُكُهُ ، ولِنَحْيَا حَيَاةً طَيِّبَةً سَعِيدَةً أَبَدِيَّةً ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى :﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، فَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى :﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ فيه بَيَانٌ لِمُقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ فِي أَمْرَيْنِ ، هُمَا :
الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالإِيمَانُ ؛ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَصْفٌ لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ يَكُونُ خَالِصًا للهِ تَعَالَى ، وَمُوَافِقًا لِمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .
وَتحقيقُ الإِيمَانَ يجعلُ المؤمن يَحْيَا حَيَاةً طَيِّبَةً فِي سَرَّائِهِ وَضَرَّائِهِ ، وَعُسْرِهِ وَيُسْرِهِ ؛ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-:« عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلاَّ لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ »[ رواه مسلم ].
وَهَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ – يا عباد الله - تَكُونُ في الدُّورِ الثَّلاثِ : دَارَ الدُّنْيا ، وَدَارَ البَرْزَخِ ، وَدَارَ الْقَرَارِ ، والْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ أَيْضًا تَكُونُ في الدُّورِ الثَّلاَثِ ، فَالأَبْرَارُ فِي النَّعِيمِ هُنَا وَهُنَالِكَ ، وَالْفُجَّارُ فِي الْجَحِيمِ هُنَا وَهُنَالِكَ ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى :﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ [النحل: ٣٠]، وَقَالَ تَعَالَى :﴿ وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ [هود: ٣].
واعلموا – رحمكم الله – أن الإكثار من ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى ، وَمَحَبَّتُهُ وَطَاعَتُهُ ، وَالإِقْبَالُ عَلَيْهِ ضَامِنٌ لأَطْيَبِ الْحَيَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَالإِعْرَاضُ عَنْهُ وَالغَفْلَةُ وَمَعْصِيَتُهُ كَفِيلٌ بِالْحَياةِ الْمُنَغَّصَةِ ، وَالْمَعِيشَةِ الضَّنْكِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ » انتهى .
وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ الثَّبَاتَ عَلَى الدِّينِ ؛ فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ» عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -:« يَا شَدَّادُ بْنَ أَوْسٍ إِذَا رَأَيْتَ النَّاسِ قَدِ اكْتَنَزُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَاكْنِزْ هَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ ، وَأَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ...» [والحديث صححه الألباني].
اللَّهُمَّ نَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ عَلَى الدِّينِ ، اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ ، وَاسْتَعْمِلْنَا فِي طَاعَتِكَ ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ :
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ، أَمَّا بَعْدُ :
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : هَا هِيَ الأَنْفُسُ تَشْرَئِبُّ ، وَالْقُلُوبُ تَـخْفِقُ ، والأَنْفُسُ الزَّكِيَّةُ تَنْتَظِرُ لِيُعلَنَ دُخُولُ شَهرٍ عَظِيمٍ ، وَحُلُولُ مَوسِمٍ مُباركٍ ، ألا وهو شهر رمضان ؛ وإن بلوغَ شَهْرَ رَمَضَانَ نعمةُ عظيمةُ إذ أن صيامه ركنُ وَأَجْرٌ ، وَهو غَنِيمَةٌ وَذُخْرٌ لِمَنْ أَحْسَنَ اسْتِغْلاَلَ أَوْقَاتِهِ بِمَا يُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ ، فَقَدْ رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ -اسْمُ قَبِيلَةٍ- قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ إِسْلامُهُمَا جَمِيعًا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ، فَقَالَ: ارْجِعْ؛ فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: «مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟»، قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني].
فَطُولُ الْعُمْرِ – يا عباد الله - مَعَ حُسْنِ الْعَمَلِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ ؛ فَاسْتَبْشِرُوا بِقُدُومِ شَهْرِكُمْ، وَسَلُوا رَبَّكُمُ الْبَلاَغَ وَحُسْنَ الْعَمَلِ، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم].
اللَّهُمَّ صلِ وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا ، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ .
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا ، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا ، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى ، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى .
اللَّهُمَّ بلغنا شهر رمضان وأعنا فيه على الصلاة والصيام وصالح الأعمال .
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ ، وَشُكْرِكَ ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ , اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْم ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرّ ، وَالْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ , اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا ، وَأْبَصَارِنَا ، وَقُلُوبِنَا ، وَأَزْوَاجِنَا ، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ , رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجمعين .
المرفقات
1770923584_رمضان ثبات أجر 1.docx