خطبة عيد الفطر 1447, حسن الظنّ بالله.
أحمد بن ناصر الطيار
الحمد لله الذي جعل لنا في الإسلام عيداً، وأجزل لنا فيه فضلاً ومزيداً, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله , الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
أمة الإسلام: أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلانية, في الرخاء والشدة.
معاشر المسلين: لقد أفطر المسلمون هذا اليوم ففرحوا بفطرهم، حيثُ أتمُّوا صيام شهرهم امتثالاً لأمر ربهم: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)[البقرة:185]، ولهم فرحٌ آخرُ فوقَ هذا كلِّه يومَ قدومهم على الله، ففي الصحيحين أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: " لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ", فيفرح يوم قدومه على الله إذ يجد أعمالَه مدَّخرةً له, أحوجَ ما يكون إليها: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا)، يوم يقوم الصائمون من قبورهم, وإنَّ رائحة أفواههم أطيبُ من ريح المسك، يومَ يُدعون من ذلك الباب المخصَّص لهم من أبواب الجنة, ألا وهو باب الريان، يدخلون منه، فإذا دخل الصائمون أُغلِق ذلك البابُ فلم يدخلْ منه أحد.
أيُّ فرحةٍ يفرحها المؤمنون الصائمون القائمون يوم القيامة, يوم يُقالُ لهم وهم يتقلبون في النعيم المقيم في الجنة: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ}, كُلُوا وَاشْرَبُوا فطالما جِعتم وعَطِشتم لأجلي, هَنِيئاً مريئاً بِما قَدَّمْتُمْ لِآخِرَتِكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فِي الْأَيَّامِ الماضية في الدنيا.
الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أمة الإسلام: إنَّ من أعظم سمات المسلم, حسنَ الظن بالله, وحسنُ الظن بالله عبادةٌ عظيمة, وطاعةٌ نتقرب بها إلى الله تعالى ولو في أحلك الظروف, ولقد أكثر الله تعالى في كتبه من النهي عن الحزن والقنوط.
وقد ذكر ربنا جلَّ وعلا حال نبي الله يعقوب عليه السلام, عندما فَقَدَ ابنه يوسف عليه السلام, ثم مضت سنواتٌ على فقده وغيباه عنه, ثم قدّر الله عليه بفقد ابنه الْمحبوب الآخر, فما شعورُ أبٍ يفقد أعزَّ اثنين من أبنائه؟ قال تعالى عن يعقوب: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87] فاليأس صفةٌ للكافرين, واليأس قرينٌ الضلال.
قال هذه العبارةَ المليئةَ بالأمل وحسنِ الظنّ بالله, وهو لا يزال يرجو عودة يوسف عليه السلام, الذي مضى على غيابه سنواتٌ كثيرةٌ, انقطعتْ فيها أخباره, ثم قال بعد أن فُجع بفقد ابنه الثالث: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}.
وهذا إمامنا وحبيبنا صلّى اللّه عليه وسلّم, ضرب أعظم الأمثلة في التفاؤل, فهذا خَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ رضي الله عنه، يأتي شاكياً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ, وَقَدْ لَقوا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةَ الأذى والحصار، فَقال له: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا, أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ».
فما تمرّ به الأمة من كربات, ومصائبَ وحروبٍ وخلافات, وما تتعرّض له بلادُنا ودولُ الخليجِ من عدوان آثم, وما يُخطِّطُ له الماكرُ الظالم: سيزول بإذن الله؛ وَاللَّهُ تعالى قد وعَد بأنه {مُتِمُّ نُورِهِ}.
وقلب المؤمن قويٌّ برجاء الله، مملوءٌ باليقين، لم يخالطه ريبٌ، ولا اختلجَه يأسٌ وضعْف، حتى في هذا الزمان الذي توالتْ فيه على المسلمين المصائب، ونزلَت بهمُ النوازل، بل كلما ازدادت العواصف شدَّةً، والليل ظُلمةً، والأرض عداوةً: يزداد المؤمن رجاءً ويقينًا، ويبصر بعينيه نورَ الصبح الجميل, من بين هاتيك الظلمات، والغيومِ والعواصف، ولسان حاله يقول: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}.
نسأل الله تعالى, أنْ يجعل عيدنا عيداً مُباركاً على جميع المسلمين, وأنْ يُعجل بالفرج عنهم, إنه سميعٌ قريبٌ مُجيب.
**************
الحمد لله المبدئِ المعيد، الفعالِ لما يريد، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ الملكُ الديان، وأشكره سبحانه في كل حين وآن.
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الْمبعوثُ بالرحمة والإحسان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه كرامِ النفوس والأبدان، والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
أمة الإسلام: هذا اليوم, هو يومُ مُواساةِ الفقراء, فيواسون محتاجيهم، ويعود غنيُّهم على فقيرهم.
هذا اليوم, هو يومُ عيادةِ المرضى, وإشاعة السلام, وإشاعةِ الحبِّ والوئام.
هذا اليوم, هو يوم زيارةِ الأقارب والأصدقاء, وصلةِ الأرحام, فهذا اليومُ من أعظم الأيام عند الله, فلْنعمل فيه بما هو أهله, ولْنقم فيه بما تسْتحقُّه عظمته ومكانته.
هذا اليوم, هو يوم صفاءِ القلوب, وطهارةِ النفوس من الأحقاد والضغائن, هو يومُ نسيان الأيام المؤلمة, والموفق المحزنة.
اللهم تقبلنا منَّا إنك أنت السميع العليم, واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً, وتفرقنا من بعده معصوماً, ولا تجعل فينا ولا من بيننا شقيًّا ولا محروماً.
اللهمَّ انصر دينك وكتابك وسنَّة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهمَّ أصلح أحوال المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهمَّ إنَّا نسألك رضاك والجنَّة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهمَّ اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسر أمورنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أن التواب الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المرفقات
1772969290_خطبة عيد الفطر 1447
حسن الظنّ بالله..pdf