خطبة الأسهم

الحمدُ للهِ لهُ الحمدُ في الأُولَى والآخرَةِ، ولَهُ الْحُكمُ وإليهِ تُرجعون.

وأشهدُ أن لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له يعلمُ ما يَنْزِلُ مِن السَّمَاءِ وما يَعْرُجُ فيها إنَّ ربَّنا حكيمٌ عليمٌ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ وخليلُهُ وصفيُّهُ صلَّى اللهُ عليهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بَعْدُ:

فاتَّقوا اللهَ يا عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ دارَكُم هذه دارُ ممرِّ لا دارُ مقرِّ فاجعلوها مزرعةً للآخرةِ، وأَنيبُوا إلى ربِّكم وأسلِمُوا له لعلَّكم تُرحمون.

خَسائرُ فَادِحةٌ وحَالاتٌ مِن الوُجُومِ والذُّهُولِ، تَرى بعضَ القومِ صَرعَى الضَّغْطِ المرتفعِ فلانٌ دخَلَ المستشفَى، وآخَرُ أُصِيبَ بانْهِيارٍ عَصَبِىِّ مُسَلْسَلُ مَصائبَ ونَكبَاتٍ. تَساءَلْتُ ما السَّببُ؟ قِيلَ: ذلك بِسبَبِ الأسْهُمِ نُزُولِهَا وانْحِدَارِهَا الَّذِي هو حَديثُ المجالسِ في هذِهِ الأيَّامِ، فعودٌ على بَدْء الْحَديثُ عَنِ الأسْهُمِ.

ولَعَلَّ سَائِلًا يَسألُ : لماذا تأخَّرَ الحديثُ عن هذا الحدثِ؟ فالجوابُ : أنَّ أصحابَ الأسهُمِ قد لا يكونُ لديهِمْ قبولٌ في الكلامِ عَنْ هذا الحدثِ، وخَشِيتُ أنْ يَظُنَّ البعضُ أنَّ ذلك مِن بابِ الشَّماتَةِ في أصحابِ الأسهُمِ، وقد ظنَّ البعضُ أنَّ الأمرَ سَحابَةُ صَيْفٍ عمَّا قليلٍ تَنقشِعُ، فإذا الأزمةُ تحطُّ رحَالَها في انخفاضٍ وارتفاعٍ، وبَادئ ذِي بَدْءٍ أَخلفَ اللهُ مَن يُصَابُ خيرًا ، ورزقهُ اللهُ صبرًا وعوَّضَهُ أجرًا وفتَح له ربُّنا أبوابَ رزقٍ، فإلى بعضِ الوقفاتِ مع هذا الحدثِ.

الوقفة الأولى: (( ولا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ )) .

يا عبادَ اللهِ: كلُّ ما يَقضيهِ اللهُ لعبدِهِ فهو خيرٌ، سواءٌ أدركَ العبدُ ذلك أو لم يُدْركْهُ، واختيارُ اللهِ للعبدِ خيرٌ مِن اختيارِ العبدِ لنفسِهِ (( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ )) ، وما عندَ اللهِ خيرٌ.

ولَعلَّ سائِلًا يسألُ : أينَ أَوْجُهُ الْخَيْرِيَّةِ في هذا الحدثِ ؟ فلعلَّنَا نلتمسُ بعضًا مِنها ، فمِن ذلكم تطهيرُ المالِ مما قد أصابَهُ مِن دَرَنِ الرِّبَا، وكذلك لعلَّ البعضَ يُراجِعُ نفسَهُ بعدَ أنْ أطلقَ لنفسِهِ العِنَانَ في كَسْبِ الأموالِ وأَوْلَعَ بعضُ النَّاسِ في الأسْهُمِ، فأصبحَ لا يَسألُ عَن المالِ أَمِنْ حلالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ، الحلالُ ما حَلَّ باليدِ والحرامُ ما لم تَطُلْهُ اليَدُ.

ومِن أَوجُهِ الخيرِ في هذا الحدَثِ اليقظةُ ، لأنَّ فئامًا من الناس. عمومًا ومن التًجار خصوصًا تركوا إقامةَ المشاريعِ النَّافعةِ سواءً كانت زراعيَّةً أو صناعيَّةٌ، وتحولوا إلى الْمُضارباتِ الخيَاليَّةِ في سٌوقِ الأسهُم مِمَّا قد يُضِرُّ بمستقبل البلادِ، ولعلَّ ما حصلَ في انتكاسةِ الأسهُمِ يُعيدُ التَّوازُنَ الاقتِصَادِيَّ واستِقرَارَهُ.

مَعشرَ المسلمين وهناك ملحظٌ آخر أنَّ ساحةَ الأسْهُمِ ليستْ أَسَاسًا اقِتصَادِيًّا، فالأسْهُمُ كالطَّائِرَةِ تُدْفَعُ بِهواءٍ سَاخِنٍ فإذا انتهَى سَقَطَتْ، فأسعارُ الأسْهُم وأنتم تُلاحظُونَها في تَطوُّرٍ وارتفاعٍ ، ثم انخفاضٍ ، ذلكم يُؤثِّر علَى مَشاريعِ البلدِ.

ألم تروْ يا رعاكُم اللهُ أنَّ بعضًا مِن الناسِ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ فرَّطُوا في بُيُوتِهم بسببِ الانشغالِ في الأسْهُمِ؟ وَوُجِدَ الشِّقَاقُ بينَ الزَّوجيْنِ بسببِ الأسْهُمِ فلعَلَّ هذا الحدثَ يُوجِدُ توازُنًا، وصَدَق اللهُ ربُّنا حينمَا قالَ: (( لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ )) ..

الوقفةُ الثانيةُ: (( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةَ )) .

إنَّ لكلِّ أُمَّةٍ فتنةً وفتنةُ محمَّدٍ ﷺ بالمالِ، فقالَ ﷺ : "إنَّ لكلِّ أُمَّةٍ فتنةً وفتنةُ أُمَّتِي بالمالِ" ، فالمالُ فتنةٌ لاسِيَّمَا معَ الأسْهُمِ في طَرِيق الثَّراءِ السَّرِيعِ والانْحِدَارِ السَّرِيعِ .

الَمْ اتَروْا يا رعاكُم اللهُ أنَّ النَّاسَ لم يبالُوا في الْمُخْتَلِطِ وغَيْرِ الْمُخْتَلِطِ؟ فإنَّ الرِّبا أمْرُهُ عظيمٌ "درهمٌ يأكلُهُ الرَّجُلُ أشَدُّ مِن سِتٍّ وثلاثين زنيةً" ، والنَّبيُّ ﷺ الله لم يُفرِّقْ بينَ مُختِلطٍ وغَيرَ مُختِلطٍ، وإنما جُعِلَ درهمُ الرِّبا هو المقياسُ في ذلكَ.

 

الوقفة الثالثة: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )) .

إنَّ حادثةَ الأسْهُمِ ونزولَها مَورِدٌ مِن موارِدِ الصَّبرِ ، والصَّبرُ واجبٌ على كُلِّ مُسلمٍ ومُسلمةٍ ، قالَ تعالى : ((وَلَنَبْلُونَكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأْمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لله وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ)).

وقالَ ﷺ "أنْ ترضى بالقضاء والقدر خَيرِهِ وشَرِّهِ"، وفي روايةٍ "حُلوِهِ ومُرِّهِ"، والإيمانُ بالقضاءِ والقَدَرِ مِن أَركانِ الإيمانِ السِّنَّةِ.

واعلَمْ يا عبدَ اللهِ: أنَّ ما أصابَكَ ، فَمِنَ اللهِ قالَ ﷺ : "واعلمْ أنَّ ما أصابَكَ لم يكنْ لِيُخْطِئَكَ، وما أَخْطَأَكَ لم يُكنْ لِيُصِيبَكَ" ، وقالَ ﷺ "واعلمْ أنَّ النَّصرَ مع الصَّبرِ"

وقال تعالى : " فَصبرٌ جَمِيلٌ، واللهُ المستعانُ على ما تَصِفُونَ" ...

أيُّها الْمُسَاهِمُ: الصَّبرُ جميلُ الْخِلالُ مَحمودُ الْخِصَالِ، فاحْذَرْ يَا رَعاك اللهُ أن تتسخَّطَ على أَقدارِ اللهِ .

قالَ عُمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه : "وجَدْنا خيرَ عَيْشِنا بالصَّبرِ لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوالِكُم وأنْفُسِكُم، والدُّنيَا دارُ ابتلاءٍ وأَحزَانٍ، وأمَّا الجنَّةُ فهي دارُ النَّعيمِ".

الوقفة الرابعة: (( إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ )) .

حُبُّ المالِ غريزةٌ في البَشَرِ، ولكن المشكلةُ الحبُّ الزَّائدُ الَّذي يُخرِجُهُ عَن حَدِّهِ الطَّبيعِيِّ، فتَجِدُ بعضَ النَّاسِ يجعلُ المالَ مِن أَشَدِّ الأشياءِ وأَحَبِّهَا إليهِ، فالدُّنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ والتَّعلُّقُ بِها كثيرًا يُودِي بصاحِبهَا إلى التَّهلُكَةِ.

الَمْ تَرَوْ يا رَعَاكم اللهُ حينَمَا انْخَفَضَتْ الأسهُمُ، فَقَدَ البعضُ صِحَّتَهُم؟ إنْ لم تكنْ حياتَهم، نَعَمَ حُبُّ المالِ جَبَلَةٌ بَشَرِيَّةٌ (( وَإنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ )) ، فالقصدَ القصدَ تبلغُوا ، واعلَمُوا أنَّ الدُّنيا زائلةٌ، فاجعلُوا الدُّنيا في أيدِيكم ولا تَجعلُوها في قلوبِكم .

الوقفةُ الخامسةُ: (( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ )) ، وقفةُ مُصَارحةٍ واللهِ ليستْ مِن الشَّمَاتَةِ.

أيُّها المسلمون: ألَمْ يُؤثِرْ بعضُ المساهِمِين الدُّنيا على أَوامِرِ اللهِ؟ ألَمْ يُؤْتَ بعضُ المساهمين مِن قِبَلِ انْفُسِهِم؟ ألَمْ يَتَّكِلْ بعضُهُم على نَفسِهِ وذكائِهِ ونَسِيِ أنَّ اللهَ هو الرَّزَّاقُ بيدِهِ الرِّزْقُ ونَسُوا الاعتمادَ علَى اللهِ وبَذَلُوا الأسبَابَ، وأرْجَعُوا كسبَهُم إلى دِقَّتِهِم وذكائِهِم واغتنامِ الفُرَصِ، ونَسُوا أنَّهُ مَا مِن نِعْمَةٍ إلا مِن اللهِ .

الَمْ يُضَيِّعْ البعضُ عِمَادَ الدِّينِ الصَّلاةَ؟ فالبعضُ يُصلِّي في صالاتِ الأسْهُمِ وهو يَسمَعُ النِّدَاءَ، والبعضُ يُصَلِّي ويَجْعَلُ قِبْلَتَهُ شاشاتِ الأسْهُمِ، والبعضُ تَركَ الصَّلاةَ بالكليِّةِ بِسببِ الْمُساهَمَاتِ، قالَ تعالَى: ((رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإقَامِ الصَّلَاةِ)) .

وجانبٌ آخرٌ بعضُ الَّذِين انشغَلُوا بالأسْهُمِ. ألَمْ تَرَوْا كيفَ فَرَّطُوا في أعمَالِهِم الأسَاسِيَّةِ " فتَجدُ بعضَهم يَتركُ عملَهُ الواجِبَ في الصَّبَاحِ الذي يأخذ عليه مالًا وأجرًا، ويَذهَبُ ويُضَارِبُ في الأسواقِ.

وانَّنِي أُحُذِّرُ بِهذِهِ المناسَبَةِ مِن التعامل بالرِّبا الذي هو حربٌ للهِ ورسولِهِ ، قالَ تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِي مِن الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ )).

وَلَعَن الرَّسولُ ﷺ آكِلَ الرِّبا ، كَمْ حَصَلَ في الأسْهُمِ مِن كَذِبٍ وبُهتَانٍ، قالَ تعالَى : (( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ))

فاتَّقوا اللهَ يا رعَاكُم اللهُ ، وبهذِهِ الْمُناسَبَةِ أُوَجِّهُ لَفْتَةً إلى الَّذِين دَيَنُوا النَّاسَ فعليهِمُ الانْتِظَارُ وإنظارُ الْمُعسِرِ، قالَ اللهُ تعالى: ( فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ ) ، وقالَ ﷺ : "مَن أنظَرَ مُعْسِرًا ، أو وَضَعَ عنه أظلَّهُ اللهُ في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ"

فيا أيُّها الْمُوسِرونَ: أَرْفِقُوا على المعسرين وأنظِرُوهم، فذلَك خيرٌ عندَ اللهِ وعملٌ صالِحٌ ، وأنتم تتعامَلُون مَع رَبِّكُم.

اللَّهم سَلِّمْنا مِن الفتنِ ما ظهر منها وما بطن يا ذا الجلالِ والإكرامِ، واخلُفْ عَلَى مَن أُصِيبَ خيرًا وعَوِّضهُ خيرًا، وافْتَحْ له أبوابَ رِزقِكَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ وسلِّمْنَا مِن المالِ الحرامِ يا حيُّ يا قَيُّومُ .

أقولُ ما تسمعون وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم، ولجميع المسلمين ، فاستغفِرُوهُ إنَّهُ هو الغفورُ الرَّحيمُ.

 

الخطبة الثانية:

((الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) ، وأشهدُ أن لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ماَلكُ يومِ الدِّينِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ سَيِّدُ المرسلين وأَفْضلُ الْخَلْقِ أجمعِين، فصلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ:

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ)) ، ونَسيرُ في مِسِيرتِنَا في وقفاتٍ مع الأسْهُمِ.

الوقفةُ السَّادسَةُ : ((وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ))

التَّوازنُ مطلوبٌ فمَن جعلَ أموالَهُ في موضعٍ واحدٍ عَرَّضَهُ للأنْهِيارِ والنُّزُولِ، فالمسلمُ عاقلٌ ويستفيدُ مِن الأحداثِ فتعطِيلُ المصالحِ كلِّها خطأٌ، فالذين باعُوا منازلَهم وأموالَهم الأساسِيَّةَ، ثم ضخوا بهِا كلِّها في ذلك فهذا خطأٌ، فالإسلامُ دينُ وسَطٍ والتَّوازنُ مطلوبٌ والحياةُ مدرسةٌ والواجبُ على المسلمِ التَّوسُّطُ في ذلك.

أخيرًا: اقتصدْ في طَلَبِ الدُّنيا وإيَّاكَ والانكِبَابَ عليها، فكَمْ يَا رَعَاك اللهُ تَرَى مِن الازدِحَامِ في الطُّرُقَاتِ والقِيامِ والسَّعيِّ في الأموالِ، ونِسيَانِ أمْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ وتَضيِيعِ الأهلِ والأولادِ؟ قالَ ﷺ : "قدْ أفلحَ مَن أَسلَمَ ورُزِقَ كَفَافًا" .

فالتِّجارةُ ليسَتْ عيبًا وليسَتْ منهيًّا عنها، ولكنَّ المنهيَّ عنْهُ هو الانكبابُ عليها ونِسْيانُ الحقوقِ والواجِبَاتِ.

أَخِي الْمُصابَ: نَعَمْ في الأسْهُم ذهَبَ منك القليلُ وبَقِيَ معَكَ الكثيرُ، فأنت للهِ الحمدُ والْمِنَّةُ تنعَمُ بالصِّحَّةِ والعَافِيةِ، فهل تَتَّعِطُ يا رَعَاك اللهُ فيما أصابَك؟

أخِي تخَيَّلْ لو أَصابَكَ مرضٌ مُزْمنٌ أو قُطِعَتْ أَحدُ أَطْرافِكَ، فاحمدْ اللهَ عزَّ وجل على أنْ عَافاَك في بَدنِك. كَمْ مِن مَريضٍ يَتقلَّبُ الليالي مِن المرضِ؟ وكَم مِن إنسانٍ مُصابٍ لا يَستطيعُ أنْ ينامَ مِن الألم وأنت تَنامُ قَريرَ العَينِ فاحمدْ اللهَ علَى أنْ أَعطَاكَ الكَثِيرَ وأخَذَ مِنكَ القَلِيلَ ((وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى )).

أنتَ مع أهلِك وأولادِك وغَيرُكَ في خوفٍ وهلَعٍ أنت في نِعمَةٍ، فإذا بَقِيَ دينُك فغيرُهُ سَيَتَعَوَّضُ، ولا تجعلْ مصيبَتَنَا في دينِنَا، فالمالُ كالرِّيشِ لا يَثْبُتُ ويَحُولُ ويَزُولُ ويَتَقَلَّبُ، ولكنْ المهِمُّ الدِّينُ.

قالَ تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلَامَ دِينًا)) ، فإذا بَقِيَ دينُك وصِحتُك وعافِيتُك فاحمدْ اللهَ عزَّ وجلَّ.

يا عبدَ اللهِ: طَهِّرْ مالَكَ مِن المالِ الحرامِ تَحْصُلُ لك البركَةُ، فليست العِبرَةُ بالقِلَّةِ والكَثْرَةِ إنَّما العبرةُ بالبركَةِ، ولعلَّ فيما حَصَلَ فرصةٌ لمراجعةِ أنفسِنَا، ثم اعلَمْ أنَّ المسلمَ لا يُلْدَغُ مِن جُحْرٍ مرتين فتَنَبَّهْ يا رَعَاكَ اللهُ ، فاللهُ عزَّ وجلَّ أَخذَ منك أَقَلَّ القلِيلِ وأَعطَاكَ الكثيرَ. قالَ تعالى: (( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ )) ، والْمُهِمُّ في ذلك هو سَلامَةُ الدِّينِ، فإذا سَلِمَ دينُك ثم صِحَّتُك فإنَّ ذلك خَيْرٌ.

ثم صلُّوا وسَلِّمُوا على مَن أمَرَكم اللهُ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليهِ. اللَّهم صلِّ وسَلِّم على عبدِك ورسولِك، وارضَ اللَّهم عَن الخلفاءِ الأربعةِ أبي بكرٍ وعُمرَ وعثمانَ وعَلِىٍّ ، وارضَ اللَّهم عَن الصَّحابَةِ أجمعين، وعَنَّا معَهُم بفضلِك وإحسانِك وجودِك يا ذا الجلالِ والإكرامِ.

اللَّهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين وانصُرْ إخْوانَنَا الْمُستضعَفِين في كلِّ مکانٍ يا ربَّ العالمين ، اللَّهم كما نصرْتَ نَبِيَّكَ في يومِ الفُرقَانِ، فانْصُرْ أولياءَك في كُلِّ مكانٍ يا ذا الجلالِ والإكرامِ. اللَّهم أَصلِحْ أحوَالَنا ورُدَّنَا إليك رَدًّا جميلًا.

اللَّهم وَفِّقْ وَلِيَّ أمرِنا لِمَا تُحِبُّ وترضَى وخُذْ بناصِيتِهِ للبِرِّ والتَّقوى، وأَعِنْهُ على أُمورِ دِينِهِ ودُنْياهُ. اللَّهم وَفِّقْهُ وإخوانَهُ وأَعوَانَهُ وَوُزَراءَهُ لِمَا فيه عِزُّ الإسلامِ وصَلاحُ المسلمين وَوَقِّفْهُم لما فيه صَلاحُ البِلادِ والعِبادِ يا ذا الجلالِ والإكرامِ، واجعلْ وِلَايِتنَا فِيمَن خَافَك واتَّقاك واتَّبعَ رِضَاك وشَرْعَك يا ذا الجلالِ والإكرامِ يا حيُّ يا قَيُّومُ.

عِبادَ اللهِ: (( إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )) . فاذْكُرُوا اللهَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُم، واشْكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُم، ولَذِكْرُ اللهِ أًكْبَرُ واللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

المرفقات

1767797947_خطبة الأسهم.pdf

1767797970_خطبة الأسهم.docx

المشاهدات 78 | التعليقات 0