جماَلُ الحَيَاة بلا تَكَلُّفٍ ومُبَاهَاة 15/10/1447

أحمد بن ناصر الطيار
1447/10/14 - 2026/04/02 14:26PM

 

الحمد لله الذي جعلنا من الأمة الوسط, التي لا حرج في شرائعها ولا شطط, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, أكرمنا ومنَّ علينا بهذا الدين, وجعله رحمةً وهُدىً للعالمين, وأشهد أنَّ نبينا محمداً عبده ورسولُه, كان يُحب السَّماحةَ والتيسير, ويكره التكلُّف والتشدُّدَ والتَّنفير, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد: فاتقوا الله عباد الله, واعلموا أنَّ خيرَ الأمور أوسطها, وأبعدُها عن التكلف والتصنع, وذلك في كلِّ الأمور, في العبادات والعادات, وفي الجدّ والمزاح.

والتوسُّطُ في كلِّ شيءٍ: منهجٌ شرعيٌّ ربَّانيّ, قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.

وما خرج عن التوسط فهو تكلّفٌ وتنطّع وتعمّق, وقد ذمّ الشارع ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله: "خيرُ الأمور أوساطها, والأخلاقُ الفاضلة كلُّها وسطٌ بين طرفي إفراطٍ وتفريط، وكذلك الدِّين المستقيم وسطٌ ‌بين ‌انحرافين، وكذلك السُّنَّة وسطٌ بين بِدْعتين، وكذلك الصوابُ في مسائل النِّزاع إذا شئت أن تحظَى به؛ فهو القولُ الوسط بين الطرفين المتباعدين". ا.ه

ومن زاد عن التوسط والاعتدال: فقد دخل في التكلف المذموم, قال عمر - رضي الله عنه -: نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ. رواه البخاري

والتكلف: هو كلُّ فعلٍ أو قولٍ لا مصلحةَ فيه, يكون بمشقةٍ أو بتصنعٍ أو بتشبع, أو على خِلافِ العادِة، وهو مضرٌّ بالعقل أو بالبدن أو بالدِّين.

أما التكلُّف الْمُعتادُ لمصلحةٍ دينية أو دنيوية فليس مذموماً, كمن يتكلَّف قيامَ الليل, وصيامَ النافلة, وحفظَ القرآن, وتعلمَ العلمِ وشرائعَ الإسلام, أو يتكلَّف السفر لطلب المعيشة أو العلاج.

وعدمُ التكلف لا يعني عدمَ الحرص والعناية والاهتمام، وعدمَ الإكرام والنظافة, بل يعني عدمَ التكلّف والمبالغةِ في ذلك.

فما أجمل الحياةَ الخالية من التكلّف في كلّ شيء، ولها طعم رائع، ومذاق جميل؛ لأنّ الْمُتكلّف في عنت وشقاء، ويحملُ أهلُه وأولادُه جُزْءًا من هذا العنت والشقاء كذلك، فهو يسوطهم بسوط الحزم والأمر والنهي؛ لأجل أمور لا تعود عليهم بالنفع في دينهم ولا دنياهم.

فإذا حلّ ضيف على المرأة المريضةِ بداءِ بالتكلف: قامت قيامتُها، وبالغت في إعداد الطعام وتنوّعه، وتنظيف المكان وتجميله، وتكلّفت في العناية بمظهرها.

وستتراكم عليها الهمومُ والأمراض ولو بعد حين.

فكم لهذا التكلف ضررًا على المتكلّف نفسيًّا وبدنيًّا واجتماعيًّا!

ولو تأملتَ في حال المرضى بداء التكلّف، لوجدت تكلّفهم في جانبٍ يُقابله تفريط وإهمال وتقصير في جوانب أخرى، هي أولى بالعناية.

فتجد المرأة التي تتكلّف لضيوفها ومن يحلّ في بيتها: تُفرّط وتقصّر في ترتيب سفرة الطعام التي تُقدمّها لزوجها، وتفرّط وتقصّر في ترتيب غرفة نومها، ومجلس زوجها.

فعنايتُها وتكلّفها للناس يُقابله الإهمال للزوج والأولاد غالبًا، والحكمة تقتضي العكس، فلن تدوم محبةُ وصحبةُ الناس، ولن ينفعوها بشيء، وأما الزوج والأولاد فهم الذين تدوم محبتهم وصحبتهم ونفعُهم، فهم أولى بالرعاية والاهتمام.

نسأل الله أنْ يجنّبنا داء التكلّف والمباهاة, وأن يجعل أخلاقنا أخلاقًا يرضاها الله, إنّ ربنا رؤوف رحيم.

***********

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادقُ الأمين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: أختي المسلمة, إذا تكلّفتِ للناس في مناسباتك ولضيوفك وغيرهم، فالغالب أنّ زوجك وأولاد سيشْقون بهذا التكلف، ومن المعلوم أنّ الناس سينفضّون عنك، ويذهبون إلى بيوتهم، وسيبقى زوجك الذي تأذّى من تكلّفك, وسيبقى أولادك الذين أثقلتِ كواهلهم بهذا التكلّف الممقوت.

وتجد الرجل الذي يتكلّف لضيوفه وأصدقائه: يفرّط ويُقصّر في إكرام وإسعاد أهله وأولاده, والرفقِ بهم, والرعايةِ لهم.

أحدهم يبالغ في إكرام ضيوفه, وتقديم أفضل الطعام لهم, ويستقبلهم بالترحيب والحفاوة والبشاشة, لكنه مع أهله على النقيض من ذلك, فالغالب عليه العبوس والقسوة إذا كان معهم, ولا يكاد ينفق عليهم, بل إنّ له طفلا يحتاج إلى شرب الحليب, فإذا انتهى الحليب يتسخط على امرأته ويُعاتبها!

فلو ترك الناس التكلف لاستقامت حياتهم، واتّزنت أفعالهم، وانشرحت صدورهم.

نسأل الله أن يصلح أحوالنا وأولادنا، وأن يبارك لنا فيما أعطانا, إنّ ربنا شكورٌ حليم.

عباد الله: أكثروا من الصلاة والسلام على نبي الهدى, وإمام الورى, فقد أمركم بذلك جل وعلا فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي.. يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).

اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات, وخُصَّ منهم الحاضرين والحاضرات, اللهم فرِّج همومهم, واقض ديونهم, وأنزل عليهم رحمتك ورضوانك يا رب العالمين.

 عباد الله: إنَّ اللَّه يأْمُرُ بالْعدْل والْإحْسانِ وإيتاءِ ذي الْقُرْبى ويَنْهى عن الْفحْشاءِ والمنْكرِ والبغْيِ يعِظُكُم لَعلَّكُم تذكَّرُون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

المرفقات

1775129155_جماَلُ الحَيَاة بلا تَكَلُّفٍ ومُبَاهَاة.pdf

المشاهدات 663 | التعليقات 0