تعظيمُ المساجد…  شرفٌ وعبادةٌ ومسؤولية

تعظيمُ المساجد… 

شرفٌ وعبادةٌ ومسؤولية.

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

الخُطْبَةُ الأُولَى

 

الحَمْدُ لِلَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، رَفَعَ بُيُوتَهُ، وَأَعْلَى شَأْنَهَا، وَجَعَلَهَا مَهَابِطَ الرَّحَمَاتِ، وَمَجَالِسَ الطَّاعَاتِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَعَائِرِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ عَمَّرَ المَسَاجِدَ ذِكْرًا وَعِبَادَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ هٰذَا الدِّينِ: بُيُوتُ اللَّهِ…

المَسَاجِدُ… وَمَا أَدْرَاكَ مَا المَسَاجِدُ!

 

المَسَاجِدُ نُورٌ… المَسَاجِدُ سَكِينَةٌ… المَسَاجِدُ حَيَاةُ القُلُوبِ.

فِيهَا تُغْفَرُ الذُّنُوبُ، وَتُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ، وَتَتَنَزَّلُ الرَّحَمَاتُ.

 

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:

«أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا».

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِذَا كَانَتِ المَسَاجِدُ أَحَبَّ البِقَاعِ إِلَى اللَّهِ… فَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَالُنَا مَعَهَا؟

كَيْفَ يَكُونُ تَعْظِيمُنَا لَهَا؟ كَيْفَ يَكُونُ أَدَبُنَا فِيهَا؟

 

إِنَّ تَعْظِيمَ المَسَاجِدِ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ… بَلْ هُوَ سُلُوكٌ يُعَاشُ.

 

تَعْظِيمُهَا… أَنْ تَدْخُلَهَا بِقَلْبٍ خَاشِعٍ، وَصَوْتٍ خَافِتٍ.

تَعْظِيمُهَا… أَنْ تُوَقِّرَ أَهْلَهَا، وَإِمَامَهَا، وَمُؤَذِّنَهَا.

تَعْظِيمُهَا… أَنْ تَرَى المَسْجِدَ بَيْتًا لَكَ… بَلْ أَعَزَّ مِنْ بَيْتِكَ!

 

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: مِنْ تَعْظِيمِ بُيُوتِ اللَّهِ:

🔹 المُحَافَظَةُ عَلَى نَظَافَتِهَا

قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:

«أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ».

 

فَلَا يُعْقَلُ أَنْ يَحْرِصَ الإِنْسَانُ عَلَى نَظَافَةِ بَيْتِهِ… ثُمَّ يُهْمِلَ بَيْتَ اللَّهِ!

وَلَا يَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ أَنْ يَرَى أَذًى فِي المَسْجِدِ أَوْ مَرَافِقِهِ ثُمَّ يَتْرُكَهُ!

 

🔹 وَمِنْ تَعْظِيمِهَا: كَفُّ الأَذَى عَنِ المُصَلِّينَ

فَلَا تُؤْذِهِمْ بِصَوْتِكَ، وَلَا بِجَوَّالِكَ، وَلَا بِحَدِيثِكَ.

وَلَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِي بَيْتِ اللَّهِ… فَإِنَّهَا مَوَاضِعُ الذِّكْرِ وَالخُشُوعِ.

 

🔹 وَمِنْ تَعْظِيمِهَا: عَدَمُ حَجْزِ الأَمَاكِنِ

فَالمَسْجِدُ لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ…

وَالصَّفُّ الأَوَّلُ حَقٌّ لِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ،

قَالَ ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ…».

 

🔹 وَمِنْ تَعْظِيمِهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَنْ طَرِيقِهَا

فَكَيْفَ بِمَنْ يَضَعُ الأَحْذِيَةَ فِي طُرُقِ المُصَلِّينَ؟!

كَيْفَ بِمَنْ يُؤْذِي كِبَارَ السِّنِّ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ؟!

 

قَالَ ﷺ: «وَإِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ».

 

🔹 وَمِنْ تَعْظِيمِهَا: عَدَمُ إِيذَاءِ النَّاسِ خَارِجَهَا

بِالتَّضْيِيقِ فِي المَوَاقِفِ، أَوِ الوُقُوفِ الخَاطِئِ، أَوْ إِزْعَاجِ الجِيرَانِ…

أَيَلِيقُ بِمَنْ جَاءَ إِلَى الصَّلَاةِ… أَنْ يُؤْذِي عِبَادَ اللَّهِ؟!

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُحَبِّبُ النَّاسَ فِي المَسَاجِدِ:

الرَّحْمَةُ… الأُلْفَةُ… حُسْنُ الخُلُقِ…

 

المَسْجِدُ لَيْسَ مَكَانَ صَلَاةٍ فَقَطْ…

بَلْ هُوَ مَدْرَسَةُ إِيمَانٍ… وَمُجْتَمَعُ قُلُوبٍ…

 

وَفِي الحَدِيثِ العَظِيمِ:

«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ…»

وَمِنْهُمْ: «رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسَاجِدِ».

 

تَعَلَّقَ قَلْبُهُ…

يَشْتَاقُ إِلَيْهَا… يَفْرَحُ بِهَا… يَأْنَسُ فِيهَا…

إِذَا خَرَجَ مِنْهَا… عَادَ إِلَيْهَا!

 

فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هٰذَا التَّعَلُّقِ؟!

 

عِبَادَ اللَّهِ…

وَبَعْدَ أَنْ عَلِمْنَا شَرَفَ المَسَاجِدِ، وَوَاجِبَ تَعْظِيمِهَا وَصِيَانَتِهَا…

فَإِنَّ أَعْظَمَ مَا تُعْمَرُ بِهِ بُيُوتُ اللَّهِ: الإِيمَانُ الصَّادِقُ، وَالعَمَلُ الصَّالِحُ…

 

اسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ رَبِّكُمْ جَلَّ وَعَلَا:

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾

 

عِمَارَةٌ بِالإِيمَانِ… عِمَارَةٌ بِالصَّلَاةِ… عِمَارَةٌ بِالخُشُوعِ وَالخُضُوعِ لِلَّهِ…

 

ثُمَّ تَأَمَّلُوا هٰذَا الفَضْلَ العَظِيمَ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ:

«… أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الذُّنُوبَ وَيَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ… قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسْجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ… فَذٰلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذٰلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذٰلِكُمُ الرِّبَاطُ».

 

اللَّهُ أَكْبَرُ…

كُلُّ خُطْوَةٍ إِلَى المَسْجِدِ رِفْعَةٌ…

وَكُلُّ انْتِظَارٍ لِلصَّلَاةِ عِبَادَةٌ…

وَكُلُّ تَعَلُّقٍ بِالمَسْجِدِ رِبَاطٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ!

 

فَأَحْيُوا مَسَاجِدَكُمْ بِحُضُورِكُمْ…

وَأَعْمِرُوهَا بِقُلُوبِكُمْ قَبْلَ أَبْدَانِكُمْ…

لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ، وَمِنْ أَهْلِ الرِّبَاطِ، وَمِنْ أَهْلِ رِفْعَةِ الدَّرَجَاتِ.

 

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ…

وَإِذَا كَانَتِ المَسَاجِدُ بِهٰذِهِ المَنْزِلَةِ العَظِيمَةِ… وَهٰذَا الشَّرَفِ الرَّفِيعِ…

فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُحْيِيهَا، وَيَزِيدُهَا نُورًا عَلَى نُورٍ… حِلَقُ القُرْآنِ فِيهَا…

 

نَعَمْ عِبَادَ اللَّهِ…

لَيْسَتْ عِمَارَةُ المَسَاجِدِ بِالجُدْرَانِ وَحْدَهَا…

بَلْ أَعْظَمُ عِمَارَتِهَا: بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ… وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ…

 

وَهُنَا تَأَمَّلُوا هٰذَا الفَضْلَ العَظِيمَ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ:

«مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ».

 

اللَّهُ أَكْبَرُ…

سَكِينَةٌ تَنْزِلُ… وَرَحْمَةٌ تَغْشَى… وَمَلَائِكَةٌ تَحُفُّ… وَذِكْرٌ فِي المَلَأِ الأَعْلَى!

 

فَأَيُّ شَرَفٍ أَعْظَمُ مِنْ هٰذَا الشَّرَفِ؟!

وَأَيُّ فَضْلٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَكَ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ؟!

 

فَأَحْيُوا مَسَاجِدَكُمْ بِحِلَقِ القُرْآنِ…

وَارْبِطُوا أَبْنَاءَكُمْ بِهَا…

فَهِيَ الَّتِي تُصْلِحُ القُلُوبَ، وَتَبْنِي الإِيمَانَ، وَتَصْنَعُ الأَجْيَالَ البَارَّةَ المُبَارَكَةَ.

 

اللَّهُمَّ عَلِّقْ قُلُوبَنَا بِالمَسَاجِدِ،

وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْمُرُونَهَا وَمِمَّنْ يُؤَدُّونَ حَقَّهَا وَحَقَّ أَهْلِهَا.

 

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ… إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

---

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَة

 

الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ المَسْجِدَ… لَيْسَ جُدْرَانًا تُبْنَى…

بَلْ قُلُوبٌ تُبْنَى!

 

المَسْجِدُ… يَجْمَعُكَ بِإِخْوَانِكَ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي اليَوْمِ…

فَكَيْفَ لَا يَكُونُ لَهُمْ حَقٌّ عَلَيْكَ؟!

 

تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللَّهُ: كَمْ مِنْ وُجُوهٍ تَرَاهَا كُلَّ يَوْمٍ فِي المَسْجِدِ؟

أَلَا يَسْتَحِقُّونَ مِنْكَ ابْتِسَامَةً؟ سَلَامًا؟ دُعَاءً؟!

 

إِنَّ مِنْ حِكَمِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ:

تَأْلِيفُ القُلُوبِ… وَتَقْرِيبُ النُّفُوسِ… وَبِنَاءُ الأُخُوَّةِ.

 

فَصَاحِبُ المَسْجِدِ الَّذِي تُصَلِّي مَعَهُ… لَهُ حَقٌّ عَلَيْكَ:

أَنْ تَسْأَلَ عَنْهُ، وَتُقَدِّرَ غِيَابَهُ، وَتَفْرَحَ بِحُضُورِهِ.

 

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: مِنْ حُقُوقِ المَسَاجِدِ عَلَيْنَا:

🔸 إِقَامَةُ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً وَعَدَمُ التَّهَاوُنِ بِهَا.

🔸 تَحِيَّةُ المَسْجِدِ عِنْدَ الدُّخُولِ.

🔸 خَفْضُ الصَّوْتِ وَعَدَمُ التَّشْوِيشِ.

🔸 إِكْرَامُ المَسْجِدِ وَخِدْمَتُهُ:

بِالمُسَاهَمَةِ فِي فَرْشِهِ، وَصِيَانَتِهِ، وَالعِنَايَةِ بِهِ.

🔸 التَّعَاوُنُ مَعَ القَائِمِينَ عَلَيْهِ وَعَدَمُ مُضَايَقَتِهِمْ أَوْ إِزْعَاجِهِمْ.

🔸 إِجْلَالُ شَعَائِرِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: المَسْجِدُ يُرَبِّي… المَسْجِدُ يُزَكِّي… المَسْجِدُ يُغَيِّرُ.

وَمَنْ أَصْلَحَ عِلَاقَتَهُ بِالمَسْجِدِ… أَصْلَحَ اللَّهُ حَالَهُ كُلَّهُ.

 

فَاجْعَلْ لَكَ مَعَ المَسْجِدِ صِلَةً…

وَاجْعَلْ لِقَلْبِكَ فِيهِ حَيَاةً…

وَاجْعَلْ لَكَ فِيهِ وِرْدًا، وَخُشُوعًا، وَدَمْعَةً صَادِقَةً.

 

عِبَادَ اللَّهِ…

وَمِنْ تَعْظِيمِ بُيُوتِ اللَّهِ: أَنْ نَتَأَدَّبَ بِآدَابِهَا، وَأَنْ نَتَرَفَّقَ بِالنَّاسِ فِيهَا، وَأَنْ نَكُونَ سَبَبًا فِي هِدَايَتِهِمْ لَا فِي تَنْفِيرِهِمْ…

 

تَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ هٰذَا المَوْقِفَ العَظِيمَ مِنْ سِيرَةِ نَبِيِّنَا ﷺ:

جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ… فَغَضِبَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَأَرَادُوا زَجْرَهُ…

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعُوهُ، وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».

 

ثُمَّ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَّمَهُ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ، فَقَالَ لَهُ:

«إِنَّ هٰذِهِ المَسَاجِدَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هٰذَا البَوْلِ وَلَا القَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ».

 

اللَّهُ أَكْبَرُ…

مَا أَعْظَمَ هٰذَا التَّعْلِيمَ!

وَمَا أَرْفَقَ هٰذَا البَيَانَ!

 

هٰكَذَا تُصَانُ المَسَاجِدُ…

بِالعِلْمِ… وَبِالحِكْمَةِ… وَبِالرِّفْقِ بِالنَّاسِ…

 

فَأَيْنَ هٰذَا الهَدْيُ… مِمَّنْ يُنَفِّرُ الصِّغَارَ مِنَ المَسَاجِدِ؟!

أَيْنَ مَنْ يَزْجُرُهُمْ وَيُغْلِظُ عَلَيْهِمْ، وَرُبَّمَا رَفَعَ صَوْتَهُ فِي وُجُوهِهِمْ؟!

 

يَا عِبَادَ اللَّهِ…

إِنَّ الصَّبِيَّ إِذَا أُقْبِلَ عَلَى المَسْجِدِ فَهٰذِهِ بُشْرَى خَيْرٍ…

وَقَلْبٌ تَعَلَّقَ بِبَيْتِ اللَّهِ…

فَهَلْ يُقَابَلُ هٰذَا بِالإِبْعَادِ وَالطَّرْدِ؟!

 

إِنَّ زَجْرَ الصِّغَارِ، وَتَعْنِيفَهُمْ، وَالتَّضْيِيقَ عَلَيْهِمْ…

يُورِثُ فِي قُلُوبِهِمْ نُفُورًا…

وَيَجْعَلُهُمْ يَكْرَهُونَ المَسَاجِدَ بَدَلَ أَنْ يُحِبُّوهَا…

فَيَنْشَؤُونَ بَعِيدِينَ عَنْهَا…

وَنَكُونُ نَحْنُ سَبَبًا فِي ذٰلِكَ!

وَنَبُوءُ بِالإِثْمِ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ.

 

وَالوَاجِبُ عَلَيْنَا:

أَنْ نُشَجِّعَهُمْ… أَنْ نَرْفُقَ بِهِمْ… أَنْ نُعَلِّمَهُمْ بِلُطْفٍ…

فَبِهٰذَا تُبْنَى القُلُوبُ… وَبِهٰذَا تُعْمَرُ المَسَاجِدُ.

 

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ…

إِذَا كَانَ هٰذَا هَدْيَ نَبِيِّنَا ﷺ مَعَ مَنْ بَالَ فِي المَسْجِدِ…

فَكَيْفَ بِنَا مَعَ أَبْنَائِنَا وَصِغَارِنَا؟!

كَيْفَ بِنَا فِي الاقْتِدَاءِ بِهِ؟! وَكَيْفَ بِنَا فِي تَعْظِيمِ سُنَّتِهِ؟!

 

فَاذْكُرُوا نَبِيَّكُمْ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ…

فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذٰلِكَ فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ:

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

 

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

اللَّهُمَّ اعْمُرْ قُلُوبَنَا بِحُبِّ مَسَاجِدِكَ،

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ رُوَّادِهَا، وَمِنَ المُحَافِظِينَ عَلَيْهَا،

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا تَعْظِيمَ شَعَائِرِكَ، وَإِجْلَالَ بُيُوتِكَ،

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَنَا، وَاجْعَلْنَا إِخْوَانًا مُتَحَابِّينَ فِيكَ.

 

اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ،

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى،

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ،

اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ المَهْمُومِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ المَكْرُوبِينَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ المَدِينِينَ، وَاشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَى المُسْلِمِينَ.

 

اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَأَدِمْ عَلَيْهَا الأَمْنَ وَالإِيمَانَ، وَالاسْتِقْرَارَ وَالرَّخَاءَ،

وَوَفِّقْ وُلَاةَ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى،

اللَّهُمَّ اجْعَلْ هٰذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.

 

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

المشاهدات 414 | التعليقات 0