بر الوالدين، عبادة تحفظ العمر وترفع القدر وتفتح أبواب السماء

د أحمد بن حمد البوعلي
1447/09/01 - 2026/02/18 13:47PM

بر الوالدين، عبادة تحفظ العمر وترفع القدر وتفتح  أبواب السماء

خطبة الجمعة: الخطيب: د. أحمد بن حمد البوعلي جامعالشيخ علي بن عبد الله آل ثاني التاريخ: 21 / 2 / 1447 هـ

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنور المقتدى، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها المؤمنون، إن من أعظم ما امتاز به هذا الدين أنه دين الإحسان، فالإحسان روح العبادات، ولب الأخلاق، وزينة المعاملات، بل هو القاعدة التي تتماسك بها الأمم، وتتآلف عليها القلوب. قال تعالى في آية جامعة مانعة: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ النحل 90.
وفي الصحيحين أن جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"(1).

وهذا يبين أن الإحسان ليس عملا سطحيا، بل هو عبادة قلبية تجعل العبد يراقب ربه في سره وعلنه، فيزيد في الخير، ويعفو عن الزلل، ويقابل السيئة بالحسنة. ولهذا قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ المؤمنون 96.
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فصلت 34.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (2)
فإذا كان الإحسان مطلوبا في الذبح، وفي معاملة الحيوان، فكيف بوالديك الذين ربوك، وسهروا عليك، وتحملوا لأجلك ما لا يتحمله غيرهم.

عباد الله: حين يتأمل المرء طريقه في الحياة يجد أن أول يد امتدتإليه كانت يد أبويه، وأن أول قلب خفق خوفا عليه كان قلبهما، ما مننعمة تلامس وجود الإنسان مثل نعمة الأب والأم، فهما الأصل الذيخرج منه، والسند الذي يقوم عليه، والملجأ الذي لا يغلق بابه. وحينيأمر الله ببر الوالدين فإنما يأمر برد الجميل، ويحث على الوفاء لمنبذلا العمر كله في صبر وتربية وسهر ودعاء، ومن أدرك والديه أوأحدهما ففرط في برهما، فقد أضاع بابا عظيما من أبواب الجنة، أمامن عرف قدرهما وأحسن إليهما قولا وفعلا ودعاء، فقد فاز بسعادةالدنيا ورضا الرب، لأن بر الوالدين عبادة ترتقي بصاحبها وترسم فيحياته نورا لا ينطف

أيها الكرام، إن الإحسان إلى الوالدين من أجل القربات، ومن أعلى مقامات العبودية. ولهذا لم يذكر الله التوحيد في القرآن إلا وقرنه ببر الوالدين. قال جل شأنه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الإسراء 23. هذه الآية قرنت حق الوالدين بتوحيد الله، ممايدل على عظيم منزلتهما.

وقال {أَنِ اشكُر لي وَلِوالِدَيكَ} لقمان 14. فكما يجب شكر الله، يجبالإحسان إلى الوالدين، وشكرهما على ما قدماه.

وقال {وَبِالوالِدَينِ إِحسانا} النساء 36. الأمر بالإحسان مطلق، يشملالقول والعمل والخلق الحسن.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رضا الرب في رضا الوالد، وسخطالرب في سخط الوالد"(3)

وحين سئل عن أحب الأعمال إلى الله: "الصلاة على وقتها" قيل ثم أي؟قال "بر الوالدين"(4)

وحديث الرجل الذي جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فيالجهاد فقال له: "أحي والداك؟" قال نعم، قال "ففيهما فجاهد" (5)

وقال الإمام الرازي رحمه الله: "إن الجمع بين حق الله وحق الوالدين لبيان أن الوالدين هما السبب الظاهر لوجود العبد ونشأته، فكان حقهما تابعا لحق الله"(6).

ولعل من أسرار اقتران التوحيد ببر الوالدين أن برهما يطهّر القلب من الأهواء، ويجعله عبداً خالصاً لله، يتقرب إليه بإرضاء الوالدين لا لمصلحة دنيوية، بل تعبداً لله وحده.
عباد الله: لو تأملنا لوجدنا أن القرآن يذكر الوالدين في مواضع الابتلاء، ليبين أن البر لا يسقط عنك مهما تغيرت الأحوال. قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ العنكبوت 8.

ثم انظروا إلى بر إبراهيم عليه السلام بأبيه رغم كفره، فقد قال له: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ، سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ مريم 47، فكان هذا من أعظم صور اللطف والرفق.

أيها المؤمنون، إن صلاح الأبناء من أعظم ثمار البر بالوالدين. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة... أو ولد صالح يدعو له» (7)
وقال أيضا: «إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول أنى هذا، فيقال باستغفار ولدك لك» (8)

ولهذا كان الأنبياء يجعلون الدعاء بصلاح الذرية مطلبا دائما، قال زكريا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ آل عمران 38.
وقال خليل الرحمن: ﴿رَبِّ اجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ إبراهيم 35.
وقال عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ الفرقان 74.

وما قصة الغلامين في سورة الكهف عنك ببعيد، حيث حفظ الله كنزهما بصلاح أبيهما، قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ الكهف 82.
قال ابن القيم: إن صلاح الوالد قد يكون سببا لحفظ ذريته بعد موته(9).

فيا لها من نعمة عظيمة، ووصية جليلة، وأمانة تحتاج إلى صبر وحكمة.

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. وأشهدأن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أيها المسلمون، لقد أمر الله على لسان أنبيائه جميعا ببر الوالدين، فمنتأمل القرآن وجد وصيتهم ثابتة في كل أمة، قال تعالى عن عيسى عليهالسلام: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ مريم 32، وقال عن يحيى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ مريم14.

وتأتي آية الإسراء لتجمع آداب البر كلها، قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَاأُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا، وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَالرَّحْمَةِ﴾.

قال القرطبي: "هذه الآيات أصل في أدب الوالدين حيين وميتين"(10).

وقال ابن كثير: "يدخل في الإحسان إليهما النفقة والقول الطيبوالرعاية والوقوف عند حاجتهما"(11).

وكان سفيان بن عيينة يقول: "من صلى فقد شكر الله، ومن دعا لوالديهفي دبر الصلوات فقد شكر والديه"(12).

أيها المؤمنون، إن من أعظم البر الدعاء للوالدين، قال تعالى على لسانالعبد الصالح: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.

بر الوالدين عبادة عظيمة تجمع بين طاعة الله، وشكر الوالدين، والقيامبحقهما في القول والعمل، وهو سبب لنيل رضا الله وتيسير الأمورورفعة الدرجات، بينما العقوق من أكبر الكبائر، وهو سببللعقوبة وسوء العاقبة.

فاتقوا الله أيها المؤمنون في آبائكم وأمهاتكم، فإن برهما سبب لبركةالعمر، وسعة الرزق، ورفعة القدر، وراحة القلب، وطول التوفيق.

اللهم اجعلنا من البارين بوالدينا، الأوفياء لحقهم، السائرين علىوصيتك فيهم.

اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما ربونا صغاراً. اللهم من كانمنهم حياً فمتعه بالصحة والعافية، ومن كان منهم ميتاً فاغفر له وارفعدرجته في عليين. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلىآله وصحبه أجمعين.

الهوامش:

1- واه الإمام مسلم في صحيحه رقم 8

2- رواه الإمام مسلم رقم 1955

3- رواه الترمذي (1899).

4- رواه البخاري (527) ومسلم (85).

5- رواه البخاري (3004) ومسلم (2549).

6- مفاتيح الغيب، ج 21، ص 93.

7- حديث «إذا مات الإنسان انقطع عمله...» رواه مسلم 1631

8- واه ابن ماجه 3660 وصححه الألباني.

9- الوابل الصيب، ص 42.

10- الجامع لأحكام القرآن، ج 10، ص 248.

11- تفسير ابن كثير، ج 3، ص 37

 12-تفسير القاسمي، محاسن التأويل، ج 7، ص 2249

 

 

المشاهدات 118 | التعليقات 0