انتصاراتُ الإسلامِ في رمضان.. 17/ 9/ 1447هـ
د عبدالعزيز التويجري
الخطبة الاولى: انتصاراتُ الإسلامِ في رمضان.. 17/9/1447هـ
الحمد لله الذي اهتدى بهديه ورحمته المهتدون، وضلّ بعدله وحكمته الضالون، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وأشهد ان لا إله إلا الله كتب العزة والنصر لأوليائه، وَجُعِلَ الذِّلَّةَ، وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْره، وأشهد أن محمداً عبداللهورسوله ، صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون ، وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين .أما بعد :
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
رمضانُ مولدًا لِلإِسلامِ ومُبتدأَ نصرٍ للمسلمين، ومشرِقَ فتحٍ مُبِينٍ، ومفتاحَ مَجدٍ كرِيمٍ ..
فأولُ سنةٍ فُرض فيها الصيام، كانت هي أول وقعةٍ ومُنازلة بين الكفر والإيمان، يوم الفرقانِ يوم التقى الجمعان، وهو أولُ مشهد شهده رسول الله r ، فعلت راية الإيمان، لأن القلوب زكت في الصيام ، وتطهرت بالقرآن ، فاجتمع الصيام والقرآن فتحقق النصر، وانهزم الكفر ، وانفلق الفجر..
يَوْمٌ به أخَذَ الإسلامُ زينَتَهُ ** بِأَسْرِهَا واكتسَى فَخْراً به الأبَدُ
يومُ بدر صفحة ناصعة في جبين التاريخ ، وصفعة ناسفة في سجل من يحارب الدين ..
يومٌ بدر حدثٌ لا يُنسى ، لأن الله خلّد ذكره ، وفصّل في الكتاب أمره ، وأنزل فيه نصره "وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ".
نَصَرهم يومَ خلَت القلوب من التعلق إلا بعلام الغيوم ، فلا كثرة يغترون بها ، ولا عُدّة يعتمدون عليها ، وإنما سلاحٌ في القلب يُحمل ، وفي اللسان يُذكر .. سلاحٌ نطق به سعد بن معاذ حين قال "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا.. تسليمٌ تام وانقياد لأمر الله ورسوله ..
نصَرهم حين ارتفعت الدعوات، واستكانت النفوس،واستغاثت القلوب {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} فأغاثهم حقيقةً ومعنى، قال ابْنُ عَبَّاسٍ h: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رسولَ الله rفَقَالَ: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ» أخرجه البخاري..
أرأيتم نصراً كهذا النصر تحقق عِزّه ، وسُحق أعدائه مابينالزوال إلى الغروب {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
فلا تستعظموا قوةً إذا كان الله معكم ، ولا تنهزم نفوسكم إذا كانت قلوبكم متعلقة بربكم ..{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، فلا يهزم جنده، ولا يخلف وعده إذا تحقق شرطه.. إيمانٌ جازم ، ويقين ثابت ، وتوكلٌ تام {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}
ويختم الله حياة نبيه بفتحٍ مبين ومجدٍ كريم ، فتقر عينه بنشر التوحيد ونصر المؤمنين في رمضان ، فكان الفتحالأعظم فتح مكة الذي بشر الله به محمداً r فقال ممتناً عليه :(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) ففتح الله لرسولنا القلوب بنزول القرآن في رمضان {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، وفتح له مكة بالتوحيد في رمضان..
بفتح مكة تم النصر والغلب ** وسارعت لقبول الدعوة العرب
ومابين الحدثين عزوة بدر الكبرى وفتح مكة الأعظم.. حدثت في رمضان انتصاراتٌ للإسلام وسحقٌ لمعالم الشرك والطغيان .. فهُدِمَ هُبَلُ في رمضان ، وبعثَ رسولُ الله r خالد بن الوليد في رمضان لِيَهدِمَ العُزَّى فهَدَمَهَا ليهدم معها الشرك ، وَفِيهِ بَعثَ عَمرَو بنَ العَاصِ لِيَهدِم سُوَاعًا فَهَدَمَهُ ، وَفِيهِ بَعَثَ سَعدَ بنَ زَيدٍ لِيَهدِمَ مَنَافًا فَهَدَمَهُ .
فَتَجَرَّدَتْ بيضُ السٌّيُوفِ لِهَامِهمْ ** وَتَجرَّدَ التَّوْحِيدُ لِلتَّخريمِ
ثم توالت الانتصارات في رمضان ، وتتابعت البشارات لأهل الإيمان ، فاتسعت رقعت الإسلام ، وانتشر التوحيد والقرآن ..
ففي رمضان.. فٌتحت قلاع المجوس بقيادة الصحابي البطل المثنى بن حارثة رضي الله، وغنم المسلمون مالاً جزيلاً وطعاماً كثيراً، وبعثوا بالبشارة والأخماس إلى عمر بن الخطاب h ، وفي هذه الموقعة وذلت رقاب الفرس، وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة.. قال ابن كثير وكانت هذه الوقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام.
عزَّتْ بهِ عربُ البلادِ كعزِّها ** بِالقَادِسِيَّةِ يَوْمَ مَقْتَلِ رُسْتُمِ
وفي رمضان سير الخليفةُ عثمان بن عفان رضي الله عنه حملةً بقيادة عبدالله بن أبي السرح لفتح جنوب افريقيا ونشر الاسلام في البلاد النصرانية .
وفي رمضان أول أسطول بحري في الاسلام يغزو البحر ، وذلك حين ولي عثمان الخلافة قال m:«نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ» متفق عليه.
وفي رمضان انطلق قائد المسلمين طارق بن زياد بجيش لايتجاوز اثنا عشر ألفا فوجد ملك النصارى قد جمع له مائة ألف واتصلت الحرب بينهم فهزم الله المشركين، فقتل منهم خلق كثير، ونصر الله المسلمين نصراً لا كفاء له.
في طلائع شهر رمضان سنة أربع ومائة للهجرة، زحف عبدالرحمن الغافقي بجيشه وهناك التقى مع جيوش النصارى, ووقعت بين الفريقين إحدى المعارك الفاصلة في التاريخ المسمات ببلاط الشهداء لكثرة من استشهد فيها من المسلمين،..لكن أعقبها الله بمعركة الزلاقة فقُتل فيها من النصارى ماطبق وجه الأرض دماً وانتهت بنصر عظيم وسحق للنصرانية في شمال الاندلس .
وفي رمضان صرخت امرأةُ في الأسر "وامعتصماه" فهب الخليفة المعتصم في صبيحة الجمعة من رمضان وصاح في قصره " النفير النفير " واستدعى الشهود فأشهدهم أن ثلث ما يملكه صدقة للمسلمين، فسار في جحافل أمثال الجبال يقودها بنفسه
أتوك يجرون الحديد كأنما ** أتو بجياد ما لهن قوائم
فحاصر عمورية حتى انهدت حصونها ودخلوا المدينة قهراً وتفرقت الروم وأخذ المسلمون أموالاً لا تحد ولا توصف ..
خَلِيفَــةَ اللَّهِ جـــازَى اللَّهُ سَعْيَـــكَ عَــنْ ** جُرْثُومَةِ الديْنِ والإِسْلاَمِ والحَسَبِ
أَبْقَيتْ بَني الأصْفَر المِمْرَاضِ كاسِمِهمُ ** صُفْرَ الوجُوهِ وجلَّتْ أَوْجُهَ العَرَبِ
وفي يوم الجمعة من شهر رمضان التقى قائد المسلمين المظفر قطز بجحافل التتار في عين جالوت..والتقى الصفان، وتبارز الشجعان، واقتتل الفريقان قتالاً عظيماً، فعقر جواد السلطان ، فترجل وبقي واقفاً حتى أعز الله المسلمين ، وأخزى التتر الملحدين ..
وفي هذا الشهر المبارك سحقَ قائدُ المسلمين صلاحُ الدينالنصارى في معركة حطين المدوية ، واسترد بعدها بيت المقدسوضرب الجزية عليهم.
يا يومَ حطينُ والأبطالُ عابسةُ ** وبالعجاجة وجه الشمس قد عبسا
رأيتَ فيه عظيم الكفر محتقَرا ** معفِرا خده والأنف قد تعسا
وفي رمضان قُطعت جماجم التتار الملاحدة في موقعة شقحب، التي شارك فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم وأفطر معهم ، فكانت الغلبة فيها للمسلمين..
لنا نحن المسلمين كل أرض يتلى فيها القرآن، وتصدح مناراتها بالأذان. لنا المستقبل.. والمستقبل لنا. {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}
الإسلام منيعٌ لا يقبل الذلة والخنوع، والمسلم عزيز بدينه، قوي بربه ، فإن أتينا بعقائد هشة، وولاءٍ منقوص ، وحجاب لنسائنا هش رقيق، وأصبحت مصادر التلقي والفتيا من مجهولي العلم والخٌلق.. فأنى لنا {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ }... نستغفر ربنا ونتوب إليه ، فاستغفروه إن ربي رحيمُ ودود ..
الخطبة الثانية : الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما إلى يوم الدين .أما بعد
هذه الوقائع والفواصل في تاريخ الإسلام تؤكد أن الإسلام محفوظ بحفظ الله، وأن بلاد الإسلام محروسة بالإيمان.. ومعقل الإسلام بلاد الحرمين ومهاجر سيد الثقلين .. فهي عزيزة بالإسلام، قوية بالإيمان والقرآن، لا يريدها عدو إلا خذله الله، ولا يكيدها حاسد إلا احرقه الله ..
فاحمدوا ربكم واشكرو له أن رد الله بأس الذين كفروا ، وكفى الله المؤمنين القتال ، فحمى البلاد ، وأمَّن العباد .. واعلموا أنه لا يشْرأب النفاق ويظهر الإرجاف والتخويف إلا في الأحداثالأزمات، وحينها يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا.. فنقلُ الكلامِ بدون تثبت ، وترويجُالشائعات بلا تبين ، تُزعزع الثقة وتُوهن النفوس ، والمؤمن مطالب بالثبات وقوة اليقين {وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ:}..
فانشغلوا باستثمار شهركم ، والتجؤا إلى ربكم أن يدحر العدواويحفظ بلادنا والمسلمين من كل معتدٍ وغاشم ، فعنده سبحانهالنصر ومنه الفرج {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}..
وإذا كان الأوائل في رمضان فتحوا القلوب بالقرآن، والبلدان بنشر الإسلام .. فما ذا عن من لا يقوى أن يوقظ نفسه لفريضة الصلاة ، أو يختم القرآن كل ثلاث ، أو يكف نفسه عن الحرام،أو يخرس لسانه عن دعوة ونصيحة للمسلمين. هذه شرائط العزة والنصر والتمكين..
فاتقوا الله أيها المؤمنون، فمن اتقى ربه فاز وسعد، ونال يوم الجزاء جميل ما وُعد، فأخلصوا لربكم في العبادة والطاعة، والزموا جماعة المسلمين وإمامهم فإن يدَ الله مع الجماعة ،وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ، وبادروا بالأعمار صالح الأعمال، فقد أظلتنا خير ليال العام، العشر الليالي، البيض العوالي، فيها ليلة خير من ألف شهر ، من قامها إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، فالرابح من استقبلها بنية خالصة، وعزيمة صادقة ، وأقبل فيها على ربه دعاءً وصلاةً وذكراً ودعوةً وإنفاقاً في الخير، فقد كان نبيكم r إذا دخلت العشر شد مأزره، وأحيا ليله وأيقظ أهله .. فشمروا واجعلوا من رمضان ومن العشر مدرسة ومصنعاً لصقل النفس واطرها على الحق علّها يكون منهج العمر والله لايضيع أجر من أحسن عملا، فاجوا ربكم، فإن ربكم رحيم ودود، لطيف مجيد.. وأكثروا منالدعاء لأنفسكم واهليكم وبلادنا والأمة بالصلاح والحفظ والنصر والتمكين.. وعلى عدوكم وعدوا المسلمين من اليهود والنصارى والملاحدة والرافضة بالخزي والمحق والخسران المبين.
ثم صلوا وسلموا على عبدالله ورسوله محمد ..
اللهم آمنا في دورنا واوطاننا واصلح ولاة امورنا واجعلهم نصرة للإسلام والمسلمين ..
اللهم انصر المرابطين في سبيلك على ثغور بلادنا وبلاد المسلمين ...
2
المرفقات
1772720805_انتصاراتُ الإسلامِ في رمضان.docx
1772720805_انتصاراتُ الإسلامِ في رمضان.pdf