الْقَلْبُ... وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَلْبُ!

الْقَلْبُ... وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَلْبُ!
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ…
وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ مَا تُصْلِحُونَ بِهِ حَيَاتَكُمْ… قُلُوبُكُمْ،
وَأَنَّ أَخْطَرَ مَا تُهْمِلُونَهُ… قُلُوبُكُمْ،
فَالْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ…
وَمَا سِوَاهُ تَبَعٌ لَهُ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،
الْقَلْبُ... وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَلْبُ؟
قِطْعَةٌ صَغِيرَةٌ فِي الْجَسَدِ، لَكِنَّهَا عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ.
صَغِيرٌ فِي حَجْمِهِ، كَبِيرٌ فِي أَثَرِهِ.
يُصْلِحُ الْحَيَاةَ كُلَّهَا، أَوْ يُفْسِدُهَا كُلَّهَا.
يَرْفَعُ صَاحِبَهُ، أَوْ يَهْوِي بِهِ.
يُشْرِقُ بِالْإِيمَانِ، أَوْ يَظْلِمُ بِالْمَعْصِيَةِ.
يَتَّسِعُ لِلرَّحْمَةِ، أَوْ يَضِيقُ بِالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ.
وَلِذٰلِكَ كَانَتِ الْعِبْرَةُ عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَتْ بِالْمَظَاهِرِ، وَلَا بِثَنَاءِ النَّاسِ، وَلَا بِمَا يَظُنُّهُ الْخَلْقُ بِكَ؛ بَلِ الْعِبْرَةُ بِمَا فِي قَلْبِكَ، وَبِمَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِنْ سَرِيرَتِكَ.
قَدْ يَمْدَحُكَ النَّاسُ وَقَلْبُكَ خَرِبٌ.
وَقَدْ لَا يَعْرِفُكَ أَحَدٌ وَقَلْبُكَ عِنْدَ اللَّهِ عَامِرٌ بِالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ.
أَلَا تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ نَبِيِّكُمْ ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ».
فَاللَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ قَبْلَ الْقَالَبِ.
وَإِلَى السَّرِيرَةِ قَبْلَ الظَّاهِرِ.
وَإِلَى النِّيَّةِ قَبْلَ الْحَرَكَةِ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ،
إِنَّ صَلَاحَ الْقَلْبِ هُوَ أَصْلُ كُلِّ صَلَاحٍ.
فَإِذَا صَلُحَ الْقَلْبُ صَلُحَ اللِّسَانُ.
وَإِذَا صَلُحَ الْقَلْبُ صَلُحَ النَّظَرُ.
وَإِذَا صَلُحَ الْقَلْبُ صَلُحَتِ الْمُعَامَلَةُ.
وَإِذَا صَلُحَ الْقَلْبُ صَلُحَتِ النِّيَّةُ.
وَإِذَا صَلُحَ الْقَلْبُ صَلُحَتِ الْعِبَادَةُ كُلُّهَا.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
فَيَا عَبْدَ اللَّهِ،
لَا تَغْتَرَّ بِظَاهِرِ عَمَلِكَ، حَتَّى تَنْظُرَ فِي بَاطِنِ قَلْبِكَ.
لَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ صَلَاتِكَ، حَتَّى تَنْظُرَ: هَلْ فِيهَا إِخْلَاصٌ؟
لَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ صِيَامِكَ، حَتَّى تَنْظُرَ: هَلْ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ؟
لَا تَغْتَرَّ بِحُسْنِ كَلَامِ النَّاسِ عَنْكَ، فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّدُورِ، وَلٰكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
عِبَادَ اللَّهِ،
النِّيَّاتُ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ.
وَالْأَعْمَالُ تَكْبُرُ بِالنِّيَّاتِ وَتَصْغُرُ بِهَا.
وَرُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ عَظَّمَتْهُ نِيَّةٌ.
وَرُبَّ عَمَلٍ كَبِيرٍ أَحْبَطَهُ الرِّيَاءُ وَفَسَادُ الْقَصْدِ.
بِالنِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ يَصِيرُ الْمُبَاحُ قُرْبَةً.
نَوْمُكَ إِذَا نَوَيْتَ بِهِ التَّقَوِّيَ عَلَى الطَّاعَةِ عِبَادَةٌ.
وَأَكْلُكَ إِذَا نَوَيْتَ بِهِ الِاسْتِعَانَةَ عَلَى الْخَيْرِ عِبَادَةٌ.
وَعَمَلُكَ إِذَا نَوَيْتَ بِهِ إِعْفَافَ نَفْسِكَ، وَكِفَايَةَ أَهْلِكَ، وَالنَّفْعَ لِلْمُسْلِمِينَ، صَارَ قُرْبَةً وَأَجْرًا.
فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ النِّيَّةَ تُحَوِّلُ الْعَادَاتِ إِلَى عِبَادَاتٍ.
وَبِفَسَادِ النِّيَّةِ يَخْسَرُ الْإِنْسَانُ وَإِنْ أَتْعَبَ بَدَنَهُ.
قَدْ يُصَلِّي، وَلٰكِنْ لَا يَرْتَفِعُ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا التَّعَبُ.
وَقَدْ يَتَصَدَّقُ، وَلٰكِنْ لَا يَجِدُ مِنْ صَدَقَتِهِ إِلَّا مَدْحَ النَّاسِ.
وَقَدْ يَعْمَلُ أَعْمَالًا كَثِيرَةً، ثُمَّ يَجِدُهَا هَبَاءً؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،
إِنَّ الْقَلْبَ خُلِقَ لِيَمْتَلِئَ بِأَعْظَمِ شَيْءٍ:
بِحُبِّ اللَّهِ.
بِالْإِيمَانِ بِهِ.
بِالشَّوْقِ إِلَيْهِ.
بِالرَّحْمَةِ لِعِبَادِهِ.
بِالْخَيْرِ لِلنَّاسِ.
بِالنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ.
بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالتَّجَاوُزِ.
وَمَا أَجْمَلَ الْقُلُوبَ الطَّيِّبَةَ!
تِلْكَ الَّتِي لَا تَحْمِلُ حَقْدًا.
وَلَا تُخَبِّئُ حَسَدًا.
وَلَا تَفْرَحُ بِسُقُوطِ أَحَدٍ.
وَلَا تَحْتَرِقُ لِرِزْقِ أَحَدٍ.
إِذَا رَأَتْ نِعْمَةَ غَيْرِهَا قَالَتْ: مَا شَاءَ اللَّهُ، اللَّهُمَّ بَارِكْ.
وَإِذَا ظُلِمَتْ لَمْ تَتَحَوَّلْ إِلَى قَلْبٍ أَسْوَدَ، بَلْ قَالَتْ: حَسْبِيَ اللَّهُ، وَاللَّهُ حَكَمٌ عَدْلٌ.
بَلْ اسْمَعُوا إِلَى هٰذَا الْوَصْفِ الْعَجِيبِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، حِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِهِمْ:
«يَدْخُلُ أَقْوَامٌ الْجَنَّةَ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ».
قُلُوبٌ رَقِيقَةٌ.
قُلُوبٌ سَلِيمَةٌ.
قُلُوبٌ لَيِّنَةٌ.
لَيْسَتْ قُلُوبًا مُتَوَحِّشَةً، وَلَا مُتَكَبِّرَةً، وَلَا قَاسِيَةً، وَلَا مُمْتَلِئَةً بِالسَّوَادِ.
فَيَا مَنْ يُتْعِبُهُ الْحِقْدُ،
لِمَاذَا الْغِلُّ؟
لِمَاذَا الْحَسَدُ؟
لِمَاذَا تُتْعِبُ قَلْبَكَ بِمَا لَا يَنْفَعُكَ؟
الْأَرْزَاقُ مُقَسَّمَةٌ.
وَالْأَعْمَارُ مَكْتُوبَةٌ.
وَالْفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ.
وَاللَّهُ عَدْلٌ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا.
فَإِنْ كُنْتَ مَظْلُومًا فَرَبُّكَ لَا يَضِيعُكَ.
وَإِنْ كُنْتَ مَحْرُومًا فَرَبُّكَ قَادِرٌ أَنْ يُعْطِيَكَ.
فَلِمَ تَمْلَأُ صَدْرَكَ نَارًا، وَتَشْرَبُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ كَأْسِ الْمَرَارَةِ؟
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ سَلَامَةَ صُدُورِهِمْ، قَالَ اللَّهُ:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
فَإِذَا أَرَدْتَ نَعِيمَ الْقَلْبِ فِي الدُّنْيَا، فَابْدَأْ بِشَيْءٍ مِنْ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ:
نَقَاءِ الصَّدْرِ.
سَلَامَةِ الْقَلْبِ.
حُسْنِ الظَّنِّ.
تَرْكِ التَّشَفِّي.
الدُّعَاءِ لِلنَّاسِ بِالْخَيْرِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
إِصْلَاحُ الْقُلُوبِ وَعِلَاجُ أَمْرَاضِهَا
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْطَرَ مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ أَنْ يَبْقَى مَرِيضَ الْقَلْبِ وَهُوَ لَا يَدْرِي، أَوْ يَدْرِي وَلَا يُبَالِي.
أَمْرَاضُ الْقُلُوبِ لَيْسَتْ هَيِّنَةً.
الْحَسَدُ يُحْرِقُ صَاحِبَهُ قَبْلَ غَيْرِهِ.
وَالْحِقْدُ يَسْجِنُ الْقَلْبَ فِي ظُلْمَةٍ دَائِمَةٍ.
وَالْغِلُّ يُفْسِدُ النَّوْمَ، وَيُنْغِّصُ الْعَيْشَ، وَيَمْنَعُ لَذَّةَ الذِّكْرِ.
وَالْكِبْرُ يَحْرِمُ الْعَبْدَ مِنَ الْقَبُولِ.
وَالْعُجْبُ يَقْطَعُهُ عَنِ الِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ.
وَالرِّيَاءُ يَسْرِقُ الْعَمَلَ مِنْ صَاحِبِهِ.
وَالشَّهَوَاتُ وَالذُّنُوبُ تُظْلِمُ الْقَلْبَ شَيْئًا فَشَيْئًا.
وَمَا الذُّنُوبُ إِلَّا نُكَتٌ سَوْدَاءُ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ، فَإِذَا تَتَابَعَتْ أَظْلَمَتْهُ، وَإِذَا أَظْلَمَ الْقَلْبُ ذَهَبَتْ لَذَّةُ الْعِبَادَةِ.
فَيُصَلِّي الْإِنْسَانُ وَلَا يَجِدُ حَلَاوَةَ الصَّلَاةِ.
وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يَتَأَثَّرُ.
وَيَسْمَعُ الْمَوَاعِظَ وَلَا يَرِقُّ.
لَيْسَ عَيْبًا فِي الْعِبَادَةِ، وَلَكِنَّ الْعَيْبَ فِي الْوِعَاءِ الَّذِي يَتَلَقَّاهَا.
تَأَمَّلُوا:
لَوْ وُضِعَ أَطْيَبُ طَعَامٍ فِي إِنَاءٍ مُتَّسِخٍ، لَنَفِرَتِ النَّفْسُ مِنْهُ.
لَيْسَ الْخَلَلُ فِي الطَّعَامِ، بَلْ فِي الْوِعَاءِ.
وَكَذٰلِكَ الْعِبَادَاتُ.
هِيَ فِي غَايَةِ الْجَمَالِ وَالْحَلَاوَةِ، وَلٰكِنَّ الْقَلْبَ إِذَا امْتَلَأَ بِدَنَسِ الذُّنُوبِ، لَمْ يَتَلَذَّذْ بِهَا.
فَاللَّهَ اللَّهَ فِي قُلُوبِكُمْ.
فَإِنَّهَا أَوْعِيَةُ أَعْمَالِكُمْ.
وَمَحَالُّ نِيَّاتِكُمْ.
وَمَوَاطِنُ نَظَرِ رَبِّكُمْ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُصْلِحُ الْقَلْبَ: الْقُرْآنُ.
الْقُرْآنُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ.
الْقُرْآنُ نُورُ الصُّدُورِ.
الْقُرْآنُ جِلَاءُ الْأَحْزَانِ.
الْقُرْآنُ دَوَاءُ الْأَمْرَاضِ الْبَاطِنَةِ.
وَمَا أَجْمَلَ ذٰلِكَ الدُّعَاءَ النَّبَوِيَّ الْعَظِيمَ:
«وَاجْعَلِ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي».
نَعَمْ، رَبِيعَ قَلْبِي.
لِأَنَّ الْقَلْبَ إِذَا صَحِبَ الْقُرْآنَ أَزْهَرَ بَعْدَ ذُبُولٍ.
وَأَشْرَقَ بَعْدَ ظُلْمَةٍ.
وَسَكَنَ بَعْدَ قَلَقٍ.
وَاطْمَأَنَّ بَعْدَ وَحْشَةٍ.
أَهْلُ الْقُرْآنِ عَالَمُهُمْ مُضِيءٌ.
إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَجَدُوا فِي الْقُرْآنِ سَلْوَاهُمْ.
وَإِذَا اضْطَرَبَ النَّاسُ وَجَدُوا فِي الْقُرْآنِ سَكِينَتَهُمْ.
وَإِذَا خَافَ النَّاسُ وَجَدُوا فِي الْقُرْآنِ أَمَانَهُمْ.
وَإِذَا تَفَرَّقَتِ الْقُلُوبُ وَجَدُوا فِي الْقُرْآنِ جَامِعَهَا.
فَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ، يُصْلِحِ اللَّهُ قَلْبَكَ، وَيُقِمْ حَالَكَ، وَيُنِرْ دَرْبَكَ.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُصْلِحُ الْقَلْبَ: الدُّعَاءُ.
الدُّعَاءُ، الدُّعَاءُ، الدُّعَاءُ.
لِأَنَّ الْقَلْبَ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمٰنِ، يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ.
وَقَدْ كَانَ مِنْ أَكْثَرِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ:
«يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».
وَيُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ إِكْثَارُهُمْ مِنْ مِثْلِ هٰذَا الدُّعَاءِ:
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قَلْبِي.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي.
اللَّهُمَّ انْزِعْ مِنْ قَلْبِي الْغِلَّ وَالْحَسَدَ وَالرِّيَاءَ وَالْكِبْرَ.
اللَّهُمَّ امْلَأْهُ إِيمَانًا وَيَقِينًا وَإِخْلَاصًا وَمَحَبَّةً لَكَ وَلِعِبَادِكَ.
عِبَادَ اللَّهِ،
إِذَا سَأَلْتُمْ: كَيْفَ نُعَالِجُ أَمْرَاضَ الْقُلُوبِ؟
فَالْجَوَابُ: بِالْمُجَاهَدَةِ الصَّادِقَةِ، وَالْعِلَاجِ النَّافِعِ، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ مَرَضَهُ حَتَّى يَأْخُذَ دَوَاءَهُ.
أَمَّا الْحَسَدُ فَيُعَالَجُ بِأُمُورٍ:
يُعَالَجُ بِالْإِيمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُقَسِّمُ لِلْأَرْزَاقِ.
وَيُعَالَجُ بِالدُّعَاءِ لِلْمَحْسُودِ بِالْبَرَكَةِ.
وَيُعَالَجُ بِأَنْ تُلْزِمَ نَفْسَكَ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ لَا الِاعْتِرَاضَ عَلَى قَضَائِهِ.
وَيُعَالَجُ بِتَذَكُّرِ أَنَّ حَسَدَكَ لَا يَنْقُلُ نِعْمَةً إِلَيْكَ، وَلٰكِنَّهُ يَسْرِقُ رَاحَتَكَ.
وَأَمَّا الْغِلُّ وَالْحِقْدُ فَيُعَالَجَانِ بِالْعَفْوِ، وَبِتَذَكُّرِ أَجْرِ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَبِالدُّعَاءِ لِمَنْ آذَاكَ بِالْهُدَى وَالصَّلَاحِ، وَبِقَطْعِ الِاسْتِرْسَالِ مَعَ الذِّكْرَيَاتِ الْمُؤْلِمَةِ، وَبِتَسْلِيمِ الْمَظْلَمَةِ إِلَى عَدْلِ اللَّهِ.
فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُضَيِّعَ حَقَّكَ.
وَأَقْدَرُ مِنْ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْكَ.
وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الْمَذْمُومَةُ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ حُظُوظِ النَّفْسِ، وَحُبِّ التَّفَوُّقِ عَلَى الْخَلْقِ، وَتَمَنِّي أَنْ لَا يَرْتَفِعَ أَحَدٌ سِوَاكَ؛ فَعِلَاجُهَا بِالتَّوَاضُعِ، وَمَعْرِفَةِ قَدْرِ النَّفْسِ، وَالِاشْتِغَالِ بِعُيُوبِهَا، وَالْفَرَحِ بِفَضْلِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يُحِبُّ لِإِخْوَانِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
وَأَمَّا الرِّيَاءُ فَيُعَالَجُ بِإِخْفَاءِ الْعَمَلِ مَا اسْتَطَعْتَ، وَبِتَذَكُّرِ أَنَّ نَفْعَ الْخَلْقِ وَضَرَّهُمْ بِيَدِ اللَّهِ، وَأَنَّ مَدْحَهُمْ لَا يُدْخِلُ جَنَّةً، وَذَمَّهُمْ لَا يُدْخِلُ نَارًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَأَمَّا قَسْوَةُ الْقَلْبِ فَدَوَاؤُهَا: كَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ بِتَدَبُّرٍ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ، وَصُحْبَةُ الصَّالِحِينَ، وَتَرْكُ فُضُولِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ، وَالْبُعْدُ عَنِ الذُّنُوبِ.
وَاعْلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - أَنَّ الْقَلْبَ حَسَّاسٌ، سَرِيعُ التَّأَثُّرِ، شَدِيدُ التَّقَلُّبِ.
فَلَا تُؤْذُوا الْقُلُوبَ.
لَا تَجْرَحُوا النَّاسَ بِكَلِمَةٍ.
فَكَمْ مِنْ قَلْبٍ كُسِرَ بِعِبَارَةٍ!
وَكَمْ مِنْ صَدْرٍ امْتَلَأَ أَلَمًا بِسُخْرِيَةٍ!
وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَبْتَسِمُ أَمَامَكَ وَفِي قَلْبِهِ جُرْحٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ!
فَكُونُوا أَصْحَابَ قُلُوبٍ طَيِّبَةٍ.
يَلِينُونَ وَلَا يَقْسُونَ.
يَعْفُونَ وَلَا يَنْتَقِمُونَ.
يُحْسِنُونَ وَلَا يُؤْذُونَ.
يَنْصَحُونَ وَلَا يَفْضَحُونَ.
يَحْمِلُونَ الْخَيْرَ لِلنَّاسِ، وَيَرْجُونَ مَا عِنْدَ اللَّهِ.
فَهَنِيئًا لِمَنْ أَصْلَحَ قَلْبَهُ.
هَنِيئًا لِمَنْ بَاتَ وَلَيْسَ فِي صَدْرِهِ غِلٌّ لِمُسْلِمٍ.
هَنِيئًا لِمَنْ امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِالْإِيمَانِ وَالرَّحْمَةِ وَالْإِخْلَاصِ.
وَيَا حَسْرَةَ مَنْ حَمَلَ قَلْبًا مَظْلِمًا، لَا يَعْرِفُ إِلَّا الْحِقْدَ وَالْحَسَدَ وَالْكِبْرَ وَالتَّشَفِّي.
هذا واعلموا يرحمكم الله أن الْقُلُوبُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، فقد قالصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ.
فَمَنْ ذَا الَّذِي يَمْلِكُ إِصْلَاحَ قَلْبِهِ إِلَّا بِاللَّهِ؟
وَمَنْ ذَا الَّذِي يُثَبِّتُ قَلْبَهُ إِلَّا اللَّهُ؟
فَالْجَؤُوا إِلَى رَبِّكُمْ…
وَاسْأَلُوهُ صَلَاحَ الْقُلُوبِ…
فَإِنَّهُ لَا نَجَاةَ إِلَّا بِقَلْبٍ سَلِيمٍ…
عِبَادَ اللَّهِ…
وَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ هُوَ مَوْضِعَ نَظَرِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا،
فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُطَهِّرُ الْقُلُوبَ، وَيُحْيِيهَا، وَيَمْلَؤُهَا نُورًا…
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ جَاءَ بِتَزْكِيَةِ الْقُلُوبِ،
وَهِدَايَةِ النُّفُوسِ،
وَإِحْيَاءِ الْأَرْوَاحِ…
فَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ…﴾
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ…
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ صُدُورَنَا.
اللَّهُمَّ انْزِعْ مِنَّا الْغِلَّ وَالْحَسَدَ وَالرِّيَاءَ وَالْكِبْرَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجَلَاءَ أَحْزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا وَغُمُومِنَا ووفقنا لتلاوته وحفظه والعمل به والدعوة إليه.
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ.
اللَّهُمَّ يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا قُلُوبًا سَلِيمَةً، وَنِيَّاتٍ صَادِقَةً، وَأَعْمَالًا صَالِحَةً مُتَقَبَّلَةً.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ،
وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ،
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
المرفقات

1776374451_الْقَلْبُ... وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَلْبُ!.pdf

المشاهدات 625 | التعليقات 0