الحرب وماذا حل بإيماننا !!
د محمد بن حمد الهاجري
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ-، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْعِبَادُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ تَقَلُّبَ الْأَحْوَالِ، وَتَغَيُّرَ الْأَزْمَانِ، وَإِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ ثَبَاتَهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَتَمَسُّكَهُمْ بِدِينِهِمْ؛ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَفِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مَا تَمُرُّ بِهِ الْمَنْطِقَةُ مِنْ تَوَتُّرَاتٍ وَفِتَنٍ يُوجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَقِفَ مَعَهَا وَقَفَاتِ صِدْقٍ وَثَبَاتٍ وَتَثَبُّتٍ حَتَّى يَنْجُوَ وَيَسْلَمَ لَهُ دِينُهُ، وَالْمُوَفَّقُ حَقًّا مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عِنْدَ الِاضْطِرَابِ، وَحَفِظَ لِسَانَهُ عِنْدَ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ، وَوَزَنَ الْأُمُورَ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ، لَا بِانْدِفَاعِ الْعَاطِفَةِ، وَلَا بِصَخَبِ الْأَحْدَاثِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.
جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلى كَرَاهِيَّةِ الحُرُوبِ، فَهيَ سَبَبٌ لِلقَلَقِ والهَّمِّ والكُرُوبِ، تَتَضَاربُ فِيهَا الآرَاءُ والتَّوَقُّعَاتُ، وتَضطَرِبُ فِيهِ التَّحَاليلُ والتَّصرِيحَاتُ، فَيَبقَى المُتَابِعُ فِي حِيرَةٍ وَشَتَاتٍ، فَالوَاقِعُ يُخَالِفُ مَا يُبَثُّ فِي الشَّاشَاتِ، عِندَهَا يَمُوجُ النَّاسُ بَينَ القِيلِ والقَالِ، ويبحَثُونَ عَنِ السَّكِينَةِ ورَاحَةِ البَالِ، فَتَعَالُوا لِنَتَدَّبَرَ كِتَابَ رَبِّنَا الكَرِيمِ، لِنَرى مَا هُو عِلاجُ القَلبِ السَّقِيمِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، هُنَا قِفْ، وَقُلْ: سُبحَانَ اللهِ، فَقَد عَلِمَ اللهُ تَعَالى كَرَاهِيتَنَا لِلحُرُوبِ، وَمَا فِيهَا مِن أَهوَالٍ عَظِيمَةٍ وَخُطُوبٍ، وَلَكِنَّهُ أَخبَرَنا بِمَا لا نَعلمُ: وَهُو أَنَّ الخَيرَ أَحيَانَاً يَكُونَ فِيمَا نَكرَهُ، والشَّرُّ قَد يَكُونُ فِيمَا نُحِبُ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
أيها المسلمون: إن في هذه الأحداث التي تجري امتحان من الله عزوجل لعباده لينظر كيف يعملون، فأما من اعتصم بالله ولجأ إلى ربه تعالى فإنه يكون قد نجح في هذا الامتحان، وأما من تقهقر ورجع، وتعلق بالمادة والدنيا، وظن أن النجاة من قبل البشر فإنه هالك وخائب وخاسر.
أيها المسلمون: لا بد ألا نغفل لحظة واحدة ونحن نعايش هذه الأحداث أن الله هو الذي قدرها منذ أن بدأت، وهو الذي يعلم وحده سبحانه كيف تنتهي، ولا يعلم غيره تعالى كيف تنتهي هذه الأحداث، وعلى ما تستقر الأمور، ولا يعلم غير الله من الذي يموت في هذه الحرب، ومن الذي يبقى على قيد الحياة، لا الذين خططوا لها، ولا الذين اشتركوا فيها، إنه فقط الله عزوجل، لا تخفى عليه خافية: إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءسورة آل عمران:5،وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ سورة البقرة:28،
وإن في بعض مشاهد هذه الأحداث ما يذكرنا وما يربطنا بالله كثيراً كثيراً، ويذكرنا باليوم الآخر وأهواله، وإن هذه الحرب مهما طالت وامتدت، ومهما اشتدت فإنها لا تقارن أبداً بأهوال يوم القيامة، وما يحدث في ذلك اليوم العظيم من الحشر والجمع، ودنو الشمس على قدر ميل من رؤوس الخلائق حتى يغرق بعضهم في عرقه.
إن هذه الأحداث لا تقارن أبداً بزلزلة الأرض زلزالها، ولا تقارن أهوالها مطلقاً بقول الله مثلاً: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا سورة الحج:1-2.
أيها الإخوة: إنهم يتحدثون عن رج الأرض بالقنابل في هذه الحرب، ونحن نتذكر عندما نسمع هذا الخبر قول الله تعالى: إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا سورة الواقعة:4-5، فليس رجاً في شبر، أو ميلاً، أو قدر من الأرض، وإنما ترج الأرض كلها.
وإن هذه الأخبار التي نسمعها يميناً وشمالاً ينبغي ألا تحجب عنا لحظة واحدة أن الله خلقنا لعبادته، وأن هناك جنة وناراً، وأن الخلق سينقسمون إلى قسمين فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا سورة هود:105-108.
أيها المؤمنون:
يتلقف الناس اليوم الأخبارَ ويستمعون لتحليلها، ويخوضون في مسبِّبات الأحداث، ومَن وراءها، ولماذا حدثت، وما تأثيرها في العاجل والآجل، ومن المصيب ومن المخطئ، وغير ذلك من الأحاديث التي عمَّت بها المجالس اليوم فيما يحدث ، الأخبار لا تنقطع، والتحليلات لا تنتهي، والحديث لا يتوقف، لكن أين المتأملون؟ أين العارفون الحازمون؟ أين الذين نقلوا مواقفهم من الكلام إلى العمل، ومن السماع إلى البذل؟ أين الذين خرجوا من الْهَرْجِ إلى العبادة؟
ينبغي ألا تشغلنا الأحداث عن العمل الحقيقي الذي أنيط بنا، وعن الهدف الذي خلقنا الله من أجله وهو عبادته تعالى ، إن كثيراً من الناس قد شغلتهم الأحداث والأخبار عن العبادة، وعن الصلاة، وعن ذكر الله، وعن تربية الأولاد، وعن القيام بمصالح أهل البيت كثيراً كثيراً، ولكن المسلم العاقل يعلم علم اليقين بأن هذه الأحداث محنة وفتنة من الله تعالى، وأنه لا ينبغي أن ينسى العبادة وذكر الله أبداً
أيها المؤمنون:
إياكم أن تصرفكم القنوات والمتابعات والحسابات عن هذا الأصل الأصيل في مثل هذه الظروف، فلا شيء يعدِلُ العبادة في مثل هذه الأوقات، قوموا بدورٍكم، وتقدموا خطواتٍ، وسارعوا إلى الطاعات، واستبقوا الخيرات، واستزيدوا من الحسنات، واجتنبوا السيئات - تنالوا أعظم الدرجات.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني واياكم بمافيه من الايات والذكر الحكيم … أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب .. انه هو الغفور الرحيم .
الخطبة 2
عباد الله .. لقد وفق الله بلادنا بقيادة عظيمة ، والتي أظهرت إدارتهم الحكيمة للأزمات، وحرصهم البالغ على مصالح شعبهم وشعوب جيرانهم وأوطانهم. تتسم قيادتهم بالصلابة واللين في المواضع المناسبة، مع ساس الكرم والجود والحكمة، مستحضرين إرثاً تاريخياً من القيادة الشجاعة والمواقف الراسخة.
حنكة بالغة في التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية، معتمدين على البصيرة والخبرة والمعرفة لتمهيد طريق النجاح وتطويره، وضمان الاستقرار في أوقات الاضطرابات.
فَهَا هُم يَصرِفُونَ الحَربَ عَن البِلادِ والعِبَادِ، ولا يَنسَاقُونَ خَلفَ كَيدِ أَهلِ الفَسَادِ، بَل يَتَعَامَلُونَ مَعَ الأَحدَاثِ بِكُلِّ دَهَاءٍ وُدُبلومَاسيَّةٍ، فِي صَبرٍ وَحِكمَةٍ وحِفَاظٍ عَلى المُقَدَّرَاتِ الأَسَاسِيَّةِ، كَم عَقَدُوا مِن صَفقَاتٍ لِلأَسلِحَةِ بِالمِليَاراتِ، واليَومَ نَرى أَثَرَهَا فِي حِمَايَةِ المَدَنِيينَ والمُنشَىآتِ، يُحَافِظُونَ عَلى أَجواءِ الأَمنِ والسُّرُورِ، ويَدفَعُونَ مَصَادرَ الخَوفِ والشُّرورِ، (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ).
هذه الحرب اثبتت أن حكامنا من أفضل حكام الزمان وأكثرهم حنكة وحرصا على مصالح شعوب وأوطانهم.
وحقهم علينا أن ندعو لهم بالمزيد من التوفيق والعون والسداد .
هذه الحرب أَظهَرَتْ لَنَا جُنُودَنَا البَوَاسِلَ المُخلِصِينَ، الذينَ كَانَوا زَمَاناً عَلى ثُغُورِ البِلادِ مُرَابِطِينَ، فَأرادَ اللهُ تَعَالى أَن يُرِينَا جُهُودَهُم الشَّامِخَةَ، ويُظهِرُ لَنَا شَجَاعَتَهُم الرَّاسِخَةَ، يَسهَرُونَ لِنَنَامَ، وَيَتعَبُونَ لِنرتَاحَ، وَيَتَعرَّضُونَ لِلخَطَرِ لِنَأمَنَ، وَيُقتَلُونَ شُهدَاءَ لِنحيَا، كَمَا بَشَّرَهُم عَلِيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَولِهِ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)، إنَّهُم الأَبطَالُ رِجَالُ الدِّفَاعِ، وَلِسانُ حَالِهِم فِي ثَبَاتِهِم الشَّجَاعِ:
إِذَا كَشَـفَ الـزَّمَـانُ لَكَ القِنَـاعَا *** وَمَدَّ إِلَيْـكَ صَـرْفُ الدَّهْـرِ بَـاعَا
فَـلاَ تَـخْشَـى المَنِيَّــةَ وَالتَقِيْـهَا *** وَدَافِـعْ مَا اسْتَطَـعْتَ لَهَـا دِفَـاعَا
وَاعْلَمُوا -حَفِظَكُمُ اللَّهُ- أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ، فَارْكُنُوا إِلَيه، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾، وَحِينَ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، سَلَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ وَإِصْلَاحِهَا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّكُمْ، فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى نَصْرِكُمْ، وَلَكِنْ لَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ فِي ابْتِلَائِكُمْ وَمُصِيبَتِكُمْ ﴿ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.
فَإذا كَانتْ أَقدَارُنَا بِيَدِ العَليمِ الرَّحِيمِ، العَزِيزِ الحَكيمِ، الذي هُو أَرحَمُ بِنَا مِن أنفُسِنَا، فَكَيفَ نَخَافُ عَلى مُستَقبَلِنَا، بَل عَلينَا أَن نُحسِنَ الظَّنَّ بِرَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ، فَقَد قَالَ فِي الحَديثِ القُدُسيِّ: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي)، فَظُنَّ بِربِّكَ خَيرَاً، تَفَاءَلْ، كُنْ مَصدَرَ سَعَادَةٍ وَجَمَالٍ، وبُثَّ في النُّفُوسِ الرَّجَاءَ والآَمَالَ، دَعْ عَنكَ التَّشاؤمَ والإحبَاطَ، وأَبعِدْ عَنكَ وَعنْ إخوَانِكَ اليَأسَ والإقنَاطَ، وَلنُرَبِّ أَنفُسَنَا وَأَبنَاءَنا وَمَن حَولَنَا عَلَى النَّظرَةِ الإيجابيَّةِ لِلوَاقعِ، لأَنَّنَا نُؤمِنُ بِأَنَّ لَنَا ربَّاً يُدَبِّرُ أُمُورَنا (هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، فَأَمرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، يَقُولُ مُصطَفَى السِّباعيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (إِذَا نَظَرتَ بِعَيْنِ التَّفَاؤُلِ إِلَى الوُجُودِ، رَأَيْتَ الجَمَالَ شَائِعًا فِي كُلِّ ذَرَّاتِهِ، حَتَّى القُبْحَ تَجِدُ فِيهِ جَمَالًا).
أَيُّهَا الشَّاكِي وَمَا بِكَ دَاءٌ *** كُنْ جَمِيلاً تَرَ الوُجودَ جَميلاً
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الْأَزَمَاتِ لَا تُوَاجَهُ بِالذُّعْرِ، وَلَا تُعَالَجُ بِالتَّهْوِيلِ، إِنَّمَا تُدَارُ بِالْوَعْيِ وَالْحِكْمَةِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْبَصِيرَةِ، فَهْمُ أَهْلِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالنَّظَرِ، يَرَوْنَ الْأُمُورَ عَلَى حَقَائِقِهَا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الظُّرُوفِ، تَبْرُزُ الْحَاجَةُ إِلَى تَرْبِيَةِ النَّفْسِ عَلَى التَّثَبُّتِ وَالِاتِّزَانِ، وَالتَّرَوِّي وَالْحِكْمَةِ، وَعَدَمِ الِانْجِرَافِ خَلْفَ الِانْفِعَالَاتِ وَالْعَوَاطِفِ الْمُنْفَلِتَةِ، أَوِ التَّوَجُّهَاتِ الْمُغْرِضَةِ، الَّتِي تَتَدَفَّقُ عَبْرَ الْفَضَائِيَّاتِ وَالْمَنَصَّاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالتَّعَامُلِ مَعَهَا بِمِيزَانِ الْوَعْيِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ الْوَطَنِيَّةِ، وَاسْتِقَاءِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْأَخْبَارَ مِنْ مَصَادِرِهَا الرَّسْمِيَّةِ الْمَوْثُوقَةِ.