احترام كبار السن: مفتاح البركة والهداية

د أحمد بن حمد البوعلي
1447/09/01 - 2026/02/18 13:44PM

احترام كبار السن: مفتاح البركة والهداية

خطبة يوم الجمعة - 6/3/1447 هـ جامع الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني - حي المزروع د. أحمد بن حمد البوعلي

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أمر بالإحسان، الذي أمر بالإحسان إلى خلقه، ورفعشأن من تقدمت بهم الأعمار، وجعل لهم حرمة تليق بما حملوه منالتجارب والخبرات، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي كان قدوةفي توقير الكبير ورحمة الصغير.

أما بعد:

أيها الكرام، إن احترام كبار السن خلق كريم، وفضيلة عظيمة، دلعليها الشرع، وأمر بها القرآن، وحث عليها النبي صلى الله عليه وسلم،وجعلها من سمات المؤمنين وأخلاق الصالحين. وليس ذلك لمجرد كبرالسن، بل لما يحمله الكبير من حكمة، وتجربة، وسبق في الطاعة،وعطاء للمجتمع والأسرة.

عباد الله، إن دين الإسلام دين شرف ورحمة، ومن أعظم الحقوق التيحث عليها، حق كبار السن، فهم الذين قدموا خبراتهم وأعمارهم، وهانحن اليوم مطالبون ببرّهم واحترامهم، ليكونوا ذخراً لنا في كبرنا.

قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الإسراء 23.

وإذا كان الله قد أمر بالإحسان إلى الوالدين، فالإحسان إلى كل كبيرفي السن داخل في هذا المعنى؛ لأنهم بمنزلة الوالد في التوقيروالاحترام.

وقال سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ الإسراء 24.

وهذا الخلق من الرحمة لا يختص بالوالدين، بل يشمل كل كبير سن،لأن الشريعة جاءت ببث الرحمة بين الناس.

وقال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ المائدة 54، أي متواضعين رفقاء،وأولى الناس بهذا الخلق كبار السن الذين يحتاجون إلى مزيدمن الرعاية واللطف.

فلنحرص على أن تكون حياتنا معهم رحمة، ومعاملتنا لهم برًّا، قالالنبي صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (1) وقال أيضًا: "من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا" (2)

أيها المسلمون، عباد الله، إن من أعظم الأخلاق معرفة قدر كبار السن،وإكرامهم، واحترامهم، والتأدب معهم، فهذا قال صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ، إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ» (3). فإكرام الكبيرعبادة، لأنه داخل في تعظيم الله الذي أطال عمره حتى شابت لحيتهفي الإسلام.

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُوالأحْلامِ وَالنُّهَى» (4) وفيه تقديم كبار السن وأهل العقل في الصلاةوغيرها.

والنبي صلى الله عليه وسلم أثنى على كبير السن في الإسلام، فقالعليه الصلاة والسلام: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» (5) والشيب في سبيل الله وضعف الجسد مع الطاعة منأعظم أبواب الخير.

فلنتأمل المشهد النبيل: رجل هرِم، ساقطا حاجباه على عينيه، ورأسهبين ركبتيه محدب، وابنه يحمله كالطفل ليضعه بين يدي رسول اللهصلى الله عليه وسلم. وكان هذا الرجل أبو بكر الصديق رضي الله عنهمع والده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلّا تركت الشيخحتى آتيه؟" فقال أبو بكر: "بل هو أحق أن يأتيك" (6)

إن كبار السن فقدوا شبابهم وأحياناً فقدوا أقرانهم وأحباءهم، وقلوبهمجريحة، وهمومهم مُبرحة، وقد يخفون دموعهم وراء ابتسامتهم. قالتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّجَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:54]

فلنكن ربيع خريفهم، وعصا طاعتهم، ولنحرص على مجالستهموإنسهم، فإن البركة معهم حقيقية، كما صح عن النبي صلى الله عليهوسلم: "البركة مع أكابركم" (7)

قال المتنبي في تعظيم الكبار والحرص على احترامهم: "لا خير فيالعمر ما لم يزد المرء بفضله، ولا ربيع إلا لمن أكرم الكبير وعظمه" (8)

إن احترام كبار السن ليس مجرد خلق اجتماعي، بل عبادة، وقيام بحقمن حقوق المؤمن على أخيه، وهو مظهر من مظاهر الرحمة التي دعاإليها الإسلام، والأمة التي تعظم كبارها أمة تعرف قدر العلم والتجربة،وتفهم معنى الوفاء.

ومن مظاهر احترام كبار السن ما يلي:

• التلطّف في الكلام معهم وخفض الصوت عند مخاطبتهم.

• تقديمهم في المجالس والمناسبات.

• معاونتهم في شؤون حياتهم.

• الصفح عن هفواتهم، لأن ضعف الجسد قد يصاحبه ضعف فيبعض الطباع.

• دعاء الله لهم بطول العمر على الطاعة وحسن الخاتمة.

• تعليم الأبناء توقير كبار السن وغرس هذا الخلق في نفوسهم.

إننا نسأل الله أن يجعلنا ممن يوقر كبار المسلمين، ويرحم صغارهم،وأن يرزقنا قلوبا لينة، وأخلاقا كريمة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من ذنب وخطيئة، واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل برّ الكبار من مقامات الرحمة والإحسان، وجعلالإكرام سببًا للبركة والسعادة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آلهوصحبه أجمعين.

أيها الإخوة الأحباب، إن كبار السن يستحقون منا الرعاية والاحترام،فهم منارات الحكمة وتجارب الحياة، ومن واجبنا أن نحسن إليهم،ونعمل على أن نشعرهم بمحبتنا لهم وبتقديرنا لجهودهم طوال حياتهم.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء شيخ يريد النبي صلى اللهعليه وسلم فأبطأ القوم عنه، فقال النبي: "ليس منا من لم يرحمصغيرنا، ويوقر كبيرنا" (9)

كبار السن الصالحون هم خير الناس، فعن عبد الله بن بسر: "منخير الناس من طال عمره وحسن عمله" (10)

وعن أبي هريرة: "خيركم أطولكم أعمارًا وأحسنكم أعمالًا" (11)، وعنابن عباس: "الخير مع أكابرِكم" (12)

قال الشاعر العربي أبو فراس الحمداني:

ومن يكرم الكبير في الدهر يبق له ** ويزداد في الدنيانصيبًا من برّهم

حقوق كبار السن العملية السبعة:

1- احترامهم أكثر من مجرد الرحمة.

2- الاستماع لهم أكثر من الحديث معهم.

3- قطع عزلتهم ووحدتهم.

4- تذكيرهم بفضائلهم ومآثرهم.

5- قرب أولادهم وأحفادهم منهم.

6- الاستفادة من تجاربهم في الحياة.

7- مساعدتهم بلا منّة، فهم كثيرًا ما يخشون الإحراج أو المنّة [المناوي،فيض الروح، ج3، ص187].

حق الوالدين عند الكبر:

قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّايَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْكِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُللَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِض لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:23-24]

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليهوسلم: "ما أكرم شابٌ شيخًا لسنه إلا قيَّض الله له من يكرمه عند سنه"(13)

اللهم ابسط علينا وعلى والدينا من بركاتك ورحمتك وفضلك، وارزقنارزقًا دارًا، وعملاً بارًا، وارحم من مات منا منهم، واحفظ أوطاننا وأئمتناوولاة أمورنا، واجمع شؤوننا على الهدى والصلاح، واجعلنا ممن يبرّونكبار السن ويكرمونهم.

الفهارس:

1- رواه أحمد، ج2، ص74.

2- صحيح الأدب المفرد، حديث 403.

3- رواه أبو داود رقم 4843 وصححه الألباني.

4- البخاري رقم 722 ومسلم رقم 673.

5- رواه البخاري رقم 2896.

6- المناوي، فيفيض الروح، ج2، ص98؛ الألباني صححه.

7- المتنبي، ديوان المتنبي.

8- الترمذي، كتاب البر، حديث حسن صحيح رقم 1919.

9- مسند أحمد، ج3، ص42.

10- النسائي، كتاب البر، حديث 3104.

11- رواه ابن ماجه، كتاب البر، حديث 3720.

12- رواه البيهقي، شعب الإيمان، ج1، ص203.

 

 

المشاهدات 133 | التعليقات 0