ابن عثيمين / فِقهٌ وتربية

الْحَمْدُ للهِ هادِ العباد. الرَّقيبِ على خلقهِ. رَبِّ الأولينَ والآخِرِين. وإلهِ الْعَالَمِين، خَصَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِجَمِيلِ الصِّفَات، وَرَفَعَهُمْ فَوْقَ الْخَلْقِ دَرَجَات، وَجَعَلَهُمْ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ قُدُوَات، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الأَرْضِ وَالسَّمَوَات، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَيْرُ الْبَرِيَّات، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلىَ يَوْمِ حَشرِ المخْلُوقَاتِ. أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الوصيَّةَ المبذولةَ لي ولكم هي تقوى اللهِ تَعَالَى. أيها الناس لقَدْ أَثْنَى عَلَى الْعِلْمِ وأهلهِ فَقَالَ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ولَنْ يَزَالَ الكونُ والنَّاسُ بِخَيْرٍ. مَا اقْتُدَيَ بالعُلماء. وعُرِفَ لهم حقَّهم وفضلَهم. فقد جعلَهم اللهُ أَئِمَّةً يَقْتَدِي بِهِمُ النَّاسُ. فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالأَخْلَاقِ، فقال سبحانه وبحمده﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ما أجملَ أنْ يكونا حديثُنا فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ. عَن شخصيةٍ عِلميَّةٍ فَرِيدةٍ. شَرُفَت بالعِلمِ ورَفعهَا اللهُ به. شخصيَّةٍ نذَرت نفسها لطلبِ العِلمِ وتعليمهِ ونَشرِه. شخصيِّةٍ عصريَّةٍ. فاللهم جازي مُعلِّميِّ الناسَ الخيرَ. وبارك لهم فيه. عباد الله مَعَنَا شيءٌ مِنْ سِيرَةِ شَّيْخِنَا الْعَلَّامَةِ. مُحَمَّدٍ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِين رَحِمَهُ اللهُ. حَيْثُ نَذْكُرُ بَعْضَ جَوانِبِ صِفَاتِهِ لَعَلَّنَا نَقْتَدِي بِهَدْيِ الْعُلَمَاءِ، وَسَمْتِ الْصُلَحَاءِ، أمَّا عن عِلمهِ وتأليفهِ ودرُوسهِ وكُتُبِه. فليسَ بخافٍ على القاصي والدَّاني. وَمن شكَّكَ في ذلك. أو قلَّلَ منه. فكأنَّما يُغطِّي الشَّمسَ بغِربال. أي بِمنخَل. ونبدأُ مُستَعِينِينَ بالله فنقول. مِمَّا اشْتَهَرَ عَنِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ. زُهْدُهُ فِي الأَلْقَابِ وَالْمَدَائِحِ، فقد عُرِفَ عن الشيخِ بُعده عنها. ومُعاتبةُ كلِّ مَن يُطريهِ أو يَمدَحَهُ. فكانَ يكتَفي في كِتاباتهِ وفتاويهِ. بِذكرِ اسمه فقط دون ألقابٍ أو مدائح. وَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ سُمِعَ وَهُوَ يُنْكِرُ عَلَى طُلَّابِهِ وَصْفَهُمْ إِيَّاهُ بِالْعَالِمِ أَوِ الْعَلَّامَةِ، وغَضُبُهُ على المُقَدِّمِ لمحاضرتهِ عندما قال. وَالشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ غَنِيٌّ عَنِ التَّعْرِيفِ. فَلِلَّهِ دَرُّهُ فَمِثْلُهُ يَصْنَعُ الأَلْقَابَ. وَلَيْسَتِ الأَلْقَابُ تَصْنَعُه. وَكُلُّ هَذَا مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَأَلْقَابِهَا، وَالْحِرْصِ عَلَى الآخِرَةِ وَثَوَابِهَا. وَأَمَّا وَرَعُ الشَّيْخِ ابنِ عثيمينَ رَحِمَهُ اللهُ. فَقَدْ ذُكِرَ عِنْدَ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ. فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا. يَقُولُ أَحَدُ طُلَّابِهِ كَانَ لِلشَّيْخِ ابِنِ عثيمينَ رَحِمَهُ اللهُ. مُحَاضَرَةٌ فِي إِحْدَى الدُّورِ الصَّيْفِيَّةِ لِلْبَنَاتِ التَّابِعَةِ لِجَمْعِيَّةِ تَحْفِيظِ الْقُرْآنِ ، وَلَمَّا حَضَرَ كُنْتُ أَحْضَرْتُ مَعِي إِنَاءً صَغِيرَاً فِيهِ رُطَبٌ، وَكَانَ الرُّطَبُ فِي بِدَايَتِهِ، وَلَمَّا قَدَّمْتُهُ لِلشَّيْخِ أَكَلَ مِنْهُ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلاثَاً، وَاسْتَغْرَبَ أَنْ يُوجَدَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، لَكِنِّي قُلْتُ لَهُ. إِنَّ هَذَا مِنْ نَخْلَةٍ عِنْدَنَا بِجِوَارِ الْمَسْجِدِ. وَتُسْقَى مِنْ مَاءِ الْمَسْجِدِ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا جَمَاعَةُ الْمَسْجِدِ وَالْمَارَّةُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ لِي. يَعْنِي لَيْسَتْ عِنْدَكَ فِي الْبَيْتِ. قُلْتُ لا، فَأَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِ عِشْرِينَ رِيَالاً وَمَدَّهَا لِي، فَحَاوَلْتُ رَدَّهُ لَكِنَّهُ رَفَضَ بِشِدَّةٍ، فَأَدْخَلْتُ الْمَبْلَغَ لِلْمَسْجِدِ، وَنَدِمْتُ أَنْ كُنْتُ أَسَأْتُ إِلَى الشَّيْخِ مِنْ حَيْثُ لا أُرِيدُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَحْبَبْتُ أَنْ يَطْعَمُ مِنْهَا حُبَّاً لَهُ. وَمِنَ الأَشْيَاءِ اللَّطيفةِ عَنْهُ. أَنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَخْدَمَ قَلَمَهُ فِي الْجَامِعَةِ وَاضْطَرَّ لِأَنْ يَمْلَأَ قَلْمَهُ بِالْحِبْرِ مِنَ الدَّوَاةِ مِنْ مَكْتَبَةِ الْجَامِعَةِ، فَبَعْدَ أَنْ يَنْتَهِي مِنَ الْعَمَلِ وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ يُفْرِغُ مَا بَقِيَ مِنَ الْحِبْرِ فِي قَلَمِهِ فِي الدَّوَاةِ بِالْمَكْتَبِ ثُمَّ يَنْطَلِقُ. لِعِلمِهِ أنَّ هذا الحِبرَ لا يجوزُ استخدامَهُ إلاَّ في الجامعة فقط. وَيَقُولُ أَحَدُ خَاصَّةِ طَلَبَةِ الشَّيْخِ. وَالذِي كَانَ مُلازِمَاً لَهُ مُلازَمَةً شَدِيدَةً مَرَّةً. رَافَقْتُ الشَّيْخَ مِنَ الْجَامِعَةِ وَحَتَّى بَيْتِهِ، وَحِينَ وَصَلْنَا لِمنزلهِ. أَمَرَنِي الشَّيْخُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّيَّارَةِ، فَقُلْتُ لَهُ لَوْ سَمْحَتَ خَلِّ فُلانَاً السَّائِقَ يُوصِلُنِي لِلسَّكَنِ، فَقَالَ لا، انْزِلْ هُنَا وَامْشِ عَلَى قَدَمَيْكَ، فَنَزَلْتُ مِنَ السَّيَّارَةِ، وَكُنْتُ مُتَأَثِّرَاً، فَلَمَّا رَأَى أَثَرَ كَلامِهِ عَلَيَّ قَالَ لِي. هَذِهِ السَّيَّارَةُ يَا بُنَيَّ أُعْطِيَتْ لِي مِنْ قِبَلِ الْجَامِعَةِ. لاسْتِعْمَالِهَا فِي عَمَلِي وَشُغْلِي لَهُمْ، وَلا يَجُوزُ لِي شَرْعَاً أَنْ أَسْمَحَ لِأَحَدٍ آخَرَ بِاسْتِعْمَالِهَا سِوَى بِإِذْنٍ مِنَ الْجَامِعَةِ، وَلا حَتَّى لِأَبْنَائِي وَأَهْلِ. عباد الله وَمِنْ صِفَاتِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ. التَّوَاضُعُ؛ يَقُولُ أَمِينُ الْمَكْتَبَةِ التَّابِعَةِ لِجامعهِ قَالَ لِي الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ ذَاتَ مَرَّةٍ جَاءَتْنِي كُتُبٌ. وَأُرِيدُ أَنْ تُسَجِّلَهَا فِي قَيْدِ الْمَكْتَبَةِ، فَأَتَيْتُهُ فِي الْبَيْتِ لِآخُذَ الْكُتُبَ أُوْصِلَهَا لِلْمَكْتَبَةِ، فَشَرَعَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ يَحْمِلُ الْكُتُبَ بِنَفْسِهِ، وَرَفَضَ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ غَيْرُهُ. وَفِي مَوْقِفٍ آخَرَ رَكِبَ رَحِمَهُ اللهُ مَعَ أَحَدِ مُحِبِّيهِ سَيَّارَةً قَدِيمَةً كَثِيرَةَ الأَعْطَالِ، فَكَانَتْ تَمْشِي وَتَتَوَقَّفُ، وَفِي مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ تَوَقَّفَتْ وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْجَامِعِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ رَحِمَهُ اللهُ إِلَّا أَنْ قَالَ لِلسَّائِقِ ابْقَ مَكَانَكَ وَسَأَنْزِلُ لِأَدْفَعَ السَّيَّارَةَ، فَنَزَلَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ وَدَفَعَ السَّيَّارَةَ حَتَّى تَحَرَّكَتْ، وَمِنْ تَوَاضُعِهِ رَحِمَهُ اللهُ. أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلْبَسُ تِلْكَ الأَلْبِسَةَ الزَّاهِيَةَ، بَلْ لِبَاسُهُ كَعَامَّةِ النَّاسِ، فَلَمْ يَكُنْ لِبسهِ وهندامهِ مُتَمَيِّزَاً، لا عند طُلابهِ ولا عند زيارةِ أيِّ مسؤول. فَهَكَذَا كَانَ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللهُ وَمَا ضَرَّهُ ذَلِكَ، بَلْ رَفَعَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا، وَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْفَعَهُ فِي الآخِرَةِ. وصدقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندما قال"وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ"أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. فَرِحَمِ اللهُ الشَّيْخَ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَأَعْلَى دَرَجَاتِهِ وَغَفَرَ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.

 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِلَهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً رَسُولُهُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَسَلَّمْ تَسْلِيمَاً كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ أيها المسلمون فَإِنَّ اللهَ تعالى إذا أحبَّ عبداً. كان سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَ العبدُ ربَّاهُ أعطاهُ، وإن اسْتَعاذَهُ أعَاذَهُ"كما عند البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه. يعني أنَّه يكونُ مُسَدِّدًا له في هذه الأعضاءِ الأربعةِ؛ يُسَدِّدُه في سمعِه، فلا يَسمَعُ إلَّا ما يُرضِي اللهَ، ويُسَدِّدُه في بَصَرِه، فلا يَنظُرُ إلَّا إلى ما يحِبُّ اللهُ النَّظَرَ إليه، ولا ينظُرُ إلى المحَرَّمِ، ويُسَدِّدُه في يَدِه، فلا يعمَلُ بيَدِه إلَّا ما يُرضي اللهَ؛ لأنَّ اللهَ يُسَدِّدُه، وكذلك رِجْلُه، فلا يمشي إلَّا إلى ما يُرضي الله؛ لأنَّ اللهَ يُسَدِّدُه، فلا يسعى إلَّا إلى ما فيه الخيرُ. وإن سألَ العبدُ اللهَ شيئًا فإنَّ اللهَ يعطيه ما سأل، فيكونُ مُجابَ الدَّعوةِ، ولئنِ استعاذ باللهِ ولجأ إليه طلَبًا للحمايةِ، فإنَّ اللهَ سُبحانَه يُعيذُهُ ويحميه ممَّا يَخافُ. معاشرَ المسلمين وإن لم يكن العُلماءُ مِمَن يُحِبُّهُم الله فمَن. عباد الله ومِنْ صِفَاتِ الشَّيْخِ ابنِ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللهُ الصَّبْرَ، فَمِنْ ذَلِكَ صَبْرُهُ عَلَى شَظَفِ الْعَيْشِ، فكان رحمه الله له بَيْتَاً طِينِيًّا. وَيَقُولُ أَحَدُ طُلَّابِهِ الْقَرِيبِينَ مِنْهُ قَالَ لِيَ الشَّيْخُ مَرَّةً وَاللهِ لَقَدْ مَرَّ عَلَيَّ زَمَانٌ لا أَمْلِكُ الرِّيَالَ الْوَاحِدَ فِي جَيْبِي. وَمِنْ صُوَرِ صَبْرِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ صَبْرُهُ عَلَى الْمَرَضِ وَآلامِهِ، حَيْثُ إِنَّهُ أُصِيبَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ بِمَرضِ السَّرَطَانِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يُظْهِرُ الْجَزَعَ وَلا الشَّكْوَى، بَلْ إِنَّهُ تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللهُ وَبَعْضُ طُلَّابِهِ يَظُنُّونَ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ أَنَّ مَرَضَهُ السَّرَطَانَ، لِمَا يَرَوْنَ مِنْ تَجَلُّدِهِ وَمُثَابَرَتِهِ فِي إِلْقَاءِ الدُّرُوسِ وَالْمُحَاضَرَاتِ وَالْخُطَبِ، بَيْنَمَا هُوَ قَدْ عَرَفَ مَرَضَهُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ اكْتَشَفَهُ الأَطِبَّاءُ، وَمَعَ ذَلِكَ بَقِيَ عَلَى حَيَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ وَنَشَاطِهِ الْعِلْمِيِّ وَالدَّعَوِيِّ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. يَقُولُ أَحَدُ أبْنَائِهِ وَكَانَ مُلازِمَاً لِوَالِدِهِ طُوَالَ فَتْرَةِ مَرَضِهِ. إِنِّنِي أَرَى أبي كَثِيرَاً مِنَ الْمَرَّاتِ يَعَضُّ عَلَى شَفَتَيْهِ مِنْ آلامِ الْمَرَضِ، فَأَسْأَلُهُ هَلْ تَتَأَلَّمُ مِنْ شَيْءٍ. فَإِذَا كَانَ بِالْغُرْفَةِ أَحَدٌ غَيْرِي، قَالَ لا أَبَدَاً، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرِي قَالَ لِي إِنِّي أَتَأَلَّمُ، وَلَكِنَّ كَلامِي هَذَا مِنْ بَابِ الإِخْبَارِ لا مِنْ بَابِ الشَّكْوَى. وَيَقُولُ الأَطِبَّاءُ الذِينَ يُقُومُونَ بِعَلاجِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَأَلَّمُ آلامَاً شَدِيدَةً، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لا يَتَضَجَّرُ وَلَا يَتَأَوَّهُ بِكَلِمَةٍ، بَلْ كَانَ يَتَحَمَّلُ وَيَصْبِرُ، وَيَحْتَسِبُ الأَجْرَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ هَذَا بَعْضُ مَا يَسَّرُهُ اللهُ مِنْ صِفَاتِ هَذَا الْعَالِمِ الْعَلَمِ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ، وَمَنْ أَرَادَ الاسْتِزَادَةَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى الْكُتُبِ وَالْمُؤَلَّفَاتِ التِي كُتِبَتْ عَنِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ. فَاللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْعُثَيْمِينَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ وَأَعْلِ مَنْزِلَتَهُ، وَجِميعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ. نسأل الله تعالى أن يديمَ علينا أمننا وإيماننا. وأن يحفظَ علينا حُكَّامنا وولاةَ أمرنا. ويؤيِّدَ وينصرَ جُنودنا ومُرابطينَ ورجالَ أمننا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمَاً نَافِعَاً وَعَمَلاً صَالِحَاً. اَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمُسْلمينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعَدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ. اللَّهُمَّ أَعْطِناَ ولا تَحرِمْناَ، اللَّهُمَّ أكرمنا ولا تُهنا، اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلا تُعِنْ عَليْنَا، اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْنَا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَيْشَ السُّعَدَاءِ، وَمَوْتَ الشُّهَدَاءِ، وَالحَشْرَ مَعَ الأَتْقِيَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الأَنْبِيَاءِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنْ صَحَابَتِهِ وَعَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيْهِم إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفْوِكَ وَمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

المشاهدات 209 | التعليقات 0