ونزعنا ما في صدورهم من غل

الشيخ د علي بن عبدالعزيز بن علي الشبل

2026-01-30 - 1447/08/11 2026-02-09 - 1447/08/21
عناصر الخطبة
1/قصة وعبرة 2/رفعة مكانة أبي بكر الصديق 3/منهج نبوي في تصفية الخلافات 4/أهمية التخلص من الشحناء والبغضاء

اقتباس

يا من تريد الجنة! يا من تريد مغفرة الله ذنبك! يا مَن تريد مِن الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن يعفو عنك! جاهِد نفسك في حظّها، وجاهِد نفسك في غلّ قلبك وشحنائِك، جاهدها أيما مُجاهدة....

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمْنْ يُضْلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدُهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

 

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، عبده المُصطفى ونبيه المُجتبى، فالعبد لا يُعبد كما الرسول لا يُكذَّب، فاللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلف من إخوانه من المُرسلين، وسار على نهجه واقتفى أثرهم إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعدُ عباد الله: كانت بين أبي بكرٍ وعمر مُحاوَرة فأَغْضَب أبو بكرٍ عمر فانصرف عنه عمر مُغضبًا، فأتبعه أبو بكرٍ يسأله يستغفر له، فلم يقبل ذلك منه، فأقبل أبو بكرٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- آخذًا بطرفِ ثوبه حتى إنه لتبدو رُكبتاه، فلما رآه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قال: "أما صاحبكم هذا فقد غامر" -أي: فقد خاصم-، فلما جاء أبو بكر إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وجلس إليه قال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين عُمر شيءٌ، وإني اعتذرت إليهِ فلم يقبل، فلما لم يقبل أقبلت عليك يا رسول الله.

 

 أما عمر -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- فقد تأسَّف بعد ذلك، فأقبل على بيت أبي بكرٍ فلم يجده، فأقبل على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وإذا أبو بكرٍ جالسٌ عنده، فقال -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "هلَّا تركتم لي صاحبي، هلَّا تركتم لي صاحبي، جئته بالخبر فكذبتموني وصدّقني أبو بكر، وأبعدتموني وآواني أبو بكرٍ، فهو مِن أبرِّ الناس عليَّ في ماله وفي نفسه"، قال أبو بكرٍ يا رسول الله! والله إني لأنا أَظْلَم، فقال -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وقد غضِب غضبًا شديدًا: "هلَّا تركتم لي أدبه"، فما أُوذِي -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- بعدها أبدًا حتى مات هو، ومات قبله نبي الله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-.

 

 إن في هذا الخبر دلائل عظيمة من أعظمها: أنه يقع بين الناس من أسباب الشحناءِ والبغضاء، ومن دواعي الغلِّ ومن دواعي الحسد ما يقع، حتى بين هؤلاء الأكابر، فمثله ما وقع بين الصدِّيق والفاروق -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، ولكن الشأن -يا عباد الله- ليس في أولِ ما يقع، ولكن الشأن فيما يَسترسل فيه الإنسانُ مع هوى نفسهِ واستتباعه أهواءها وأغراضها.

 

أبو بكر -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- أصدق هذه الأمة وأفضلها وأزكاها بعد نبيها -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، تأسَّف من عُمر فأخذت عُمرُ منه نفسه، ثم إنه ندم -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه-، فأتى أبا بكرٍ فلم يجده، فأقبلا جميعًا على النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فأبان للناس كما أبانَ لعُمر فضل أبي بكر على هذه الأمة، فقال: "إنكم كذبتموني"، والحديث إلى المؤمنين الذين آمنوا من بعد، وإلى من كان مُشركًا وصدَّق بأبو بكر.

 

"وأبعدتموني وآواني أبو بكر"، فما أُوذِي -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- بعدها، بل وتصافت نُفوسهم، وانسلَّت سخائم سرورهم، فلم يبقَ فيهم غضاضة، فكانوا جديرين بأن الله -جل وعلا- أزال ما في قلوبهم من الإِحَن ومن الأحقادِ والضغائن، وهم يستحقون بحول الله -جل وعلا- فيما يكرمهم على عباده في الجِنَان، (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا ‌عَلَى ‌سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)[الحجر: 47].

 

 ألا -يا عباد الله- إن هذه الدنيا جُبلت على حذر، وجُبلت على هدمٍ وأذى، ولكن الصفِّي الذي سَمى بدينه وسَمى بعمله، وسمى به نسبه وأصله، الذي يعفو ويتسامح ويتجاوز ولا يسترسل مع هوى نفسه حسدًا وحقدًا، ولا مع ضغائِنها انتقامًا لحولِ نفسه، بل إنه يسلُّ السخائِم من صدره.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ (‌وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران: 133-134].

 

 نفعني الله وَإِيَّاكُمْ بالقرآن العظيم، وما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه كان غفارًا. 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله إعظامًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدهُ ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم رضوانه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعدُ عباد الله: يا من تريد الجنة! يا من تريد مغفرة الله ذنبك! يا من تريد من الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن يعفو عنك! جاهِد نفسك في حظها، وجاهِد نفسك في غلّ قلبك وشحنائِك، جاهدها أيما مُجاهدة، كان الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- جلوسًا عند النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فبينما هم كذلك قال: "يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة"، فدخل المسجد رجل من الصحابة لم يُعرَف -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- بكثير عمل ولا بكثير صلاةٍ ولا صيام.

 

فقال عبد الله بن عمرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: واللهِ لأنظرنَّ ما يصنع، فذهب إليه فقال: إنه بيني وبين أهلي شيءٌ وأريد أن أُضيفك -يُريد أن يُقيم عنده لينظر ما السبب الذي جعل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يبشره بأنه في الجنة؟- فبقي عنده ليلةً وليلتين فلم يرَ من هذا الرجل لا كثير عملٍ ولا كثير صلاة ليل ولا قيام.

 

 ثم إنه لم يقنع بما رأى؛ فقال: يا هذا! إن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- بينما نحن عنده جلوس، قال: "يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة"، وإني لم أرَ منك كثيرَ عملٍ ولا كثير صلاة، فما شأنك؟ 

 

قال: يا ابن أخي! إني والله لا أضع رأسي على وسادتي وفي قلبي شيءٌ -أي ضغينة أو حسدٌ أو حقدٌ أو غل أو إحن-، على أحدٍ من المُسلمين، فقال -رضي الله تعالى عنه-: هذا هو، أي هذا العمل الذي جعل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يُبشِّرك بالجنة لما أسلَّ الله -جل وعلا- من صدره هذه السخائم.

 

 وفي الحديث الصحيح عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "ينزل ربنا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ليلة النصف من شعبان، فيطلع إلى خلقه فيغفر لكل أحد إلا لمُشركٍ أو لمُشاحنٍ" أي بينه وبين إخوانهِ إحِنٌ وشحناء ومنها الحسد والبغضاء ومنها الغلُّ ومنها الشنآن الذي يجب أن يُجاهد فيه المؤمن نفسه أيما مجاهدة ويأمرها ويجبرها على الحق أمرًا ويتنازل عن بعض حقه لينال من فضل الله -جل وعلا- وسِعة فضلهِ وإحسانه ما أعدَّه لعباده الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يُحب المُحسنين.

 

ثم اعلموا -عباد الله- أن أصدق الحديث كلامُ الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وعليكم عباد الله بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، ولا يأكل الذئب إلا من الغنم القاصية.

 

اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد وسلَّم اللهم تسليمًا، اللهم وارضَّ عن الصحابةِ والقرابة، وعن التابعِ لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك ورحمتك وفضلك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

 

 اللهم اسلل سخائِم صدورنا، اللهم أجرنا في هذه الشحناء والبغضاء، اللهم طهِّر قلوبنا من الحسد والرياء، وأعيننا من الغدر والخيانة، وآذاننا وجوارحنا من كل قولٍ وعمل يُغضِبك يا رب العالمين، اللهم اغفر للمُسلمين والمُسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اغفر لنا مغفرةً من عندك تعمُّ بها أولنا وآخرنا وصغيرنا وكبيرنا وإنسنا وجِننا وأحياءنا وأمواتنا يا ذا الجلالِ والإكرام. 

 

 اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يُعزُّ فيه أهل طاعتك، ويُهدى فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المُنكر يا ذا الجلال والإكرام، اللهم آمنا والمسلمين في أوطاننا، اللهم أصلح أئمتنا وولاةَ أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا والمُسلمين فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، 

 

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم غيثًا مُغيثًا، هنيئًا مريئًا، سحًا طبقًا مُجلِّلُا، اللهم سُقيا رحمة لا سُقيا عذابٍ ولا هدم ولا غرقٍ ولا نصب.

 

اللهم أقِم لنا بلانا بالأمن والأمطارِ والخيرات، وأكرم قلوبنا بمخافتك وتعظيمك وتوحيدك يا ذا الجلالِ والإكرام، لبلدنا هذا خاصة ولبلدانِ المُسلمين عامةً يا رب العالمين، اللهم إنك ترى ما بنا من الحاجة، اللهم فانزل علينا فضلك، اللهم عاملنا بما أنت أهله، أنت أهل التقوى والمغفرة. 

 

نستغفرك اللهم إنك كنت غفارًا فأرسل السماء علينا مدرارًا، وأمددنا بأموالٍ وبنين واجعل لنا جناتٍ واجعل لنا أنهارًا يا ذا الجلالِ والإكرام.

 

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا العذاب النار.

وقوموا رحمكم الله إلى صلاتكم.

 

المرفقات

ونزعنا ما في صدورهم من غل.doc

ونزعنا ما في صدورهم من غل.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات