عناصر الخطبة
1/حمل هاجر ومولد إسماعيل 2/هجرة إبراهيم بهاجر وابنها 3/ما حدث لهاجر بعد انصراف إبراهيم 4/زيارة إبراهيم لابنه وبناء البيت الحرام 5/من دروس وعبر هذه القصةاقتباس
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عِبَرٌ وَحِكَمٌ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَأَمَّلَهَا وَنَنْتَفِعَ بِهَا، فَمِنَهَا: الْيَقِينُ بِاللهِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ: تَمَثَّلَتْ فِي كَلِمَةِ هَاجَرَ حينَ قَالتْ: "آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟"، ثُمَّ "إِذْنَ لا يُضِيِّعُنَا"، مِمَّا يُبْرِزُ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْيَقِينِ بِأَنَّ اللهَ لا يَخْذِلُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فإن إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بَلَغَ مِنَ العُمُرِ طَوِيلًا وَلَمْ يُرْزَقْ بِذُرَّيَةً، فَسَأَلَ اللهَ عَقِبًا صَالِحًا، فَجَاءَتْهُ البِشَارَةُ بِالوَلَد.
وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ زَوْجَتَهُ سَارَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْها- لَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا لَمْ تُنْجِبْ، وَكَانَ الْمَلِكُ قَدْ وَهَبَهَا جَارِيَةً مَمْلُوكَةً، فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: "وَهَبْتُ لَكَ جَارِيِتَي"، فَدَخَلَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ فَحَمَلَتْ مِنْهُ.
فَلَمَّا حَمَلَتْ هَاجَرُ ارْتَفَعَتْ نَفْسُهَا وَتَعَاظَمَتْ عَلَى سَيِّدَتِهَا، فَغَارَتْ مِنْهَا سَارَةُ، فَصَارَ الْحَالُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أبَعْدَ هَاجَرَ مِنْ سَارَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، ثُمَّ إِنَّ هَاجَرَ وَضْعَتْ إِسْمَاعِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَكَانَ عُمْرُ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- ثمان وستين سَنَةً.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: ثُمَّ إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أمَرَ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِالْهِجْرَةِ بِأُمِّ إِسْمَاعِيلَ وَابْنِهَا إِلَى أَرْضِ الْحِجَازِ، فَجَاءَ بِهِما حَتَّى وَضَعَهُمَا فِي ذَلِكَ الوَادِي -بِمَكَّةَ- عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: "يَا إِبْرَاهِيمَ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟"، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: "آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟"، قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَتْ: "إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا"، ثُمَّ رَجَعَتْ.
فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي مِكِانٍ بحَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)[إبراهيم: 37]، وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا، وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا.
فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: "صَهٍ"، تُرِيدُ نَفْسَهَا، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: "قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ"، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ، أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ، حَتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا"، قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: "لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ"، وَكَانَ البَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فَبَقِيَتْ هَاجَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- وَمَعَهَا ابْنُهَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مُدَّةً، حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ قبيلة جُرْهُمَ، مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: "إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ"، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ، فَقَالُوا: "أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟"، فَقَالَتْ: "نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ"، قَالُوا: "نَعَمْ"، فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الغُلَامُ وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: ثُمَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- جَاءَ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: "خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا"، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: "نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ"، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: "فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ"، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: "هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟"، قَالَتْ: "نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ"، قَالَ: "فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟"، قَالَتْ: "نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ"، قَالَ: "ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الحَقِي بِأَهْلِكِ"، فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى.
فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: "خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا"، قَالَ: "كَيْفَ أَنْتُمْ؟"، وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: "نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ"، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: "مَا طَعَامُكُمْ؟"، قَالَتِ: "اللَّحْمُ"، قَالَ: "فَمَا شَرَابُكُمْ؟"، قَالَتِ: "المَاءُ"، قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ"، قَالَ: "فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ"، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: "هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟"، قَالَتْ: "نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ"، قَالَ: "فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ"، قَالَتْ: "نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ"، قَالَ: "ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ".
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ وَالوَلَدُ بِالوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ "يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ"، قَالَ: "فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ"، قَالَ: "وَتُعِينُنِي؟"، قَالَ: "وَأُعِينُكَ"، قَالَ: "فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا"، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا.
قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ، جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[البقرة: 127]، قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[البقرة: 127]، حَتَّى اكْتملَ بَناءُ الكَعْبةَ، وَكَانَتْ قَدْ بُنِيتْ مُنذُ عهدِ آدمَ -عَليه السلامُ-، لَكنِ انهدَمِتْ، فَجَاءَ إِبراهيمُ وَإسماعِيلُ -عَلَيهمَا السَّلامُ- فَجَدَّدَا بِنَاءَهَا، وَللهِ الحمدُ وَالمنَّة.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتغفرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِروهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِه وَصَحْبِهِ أَجْمَعينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عِبَرٌ وَحِكَمٌ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَأَمَّلَهَا وَنَنْتَفِعَ بِهَا، فَمِنَهَا:
الْيَقِينُ بِاللهِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ: تَمَثَّلَتْ فِي كَلِمَةِ هَاجَرَ حينَ قَالتْ: "آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟"، ثُمَّ "إِذْنَ لا يُضِيِّعُنَا"، مِمَّا يُبْرِزُ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْيَقِينِ بِأَنَّ اللهَ لا يَخْذِلُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: الأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ مَعَ التَّوَكُّلِ: سَعَيُ هَاجَرَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ بَحْثًا عَنْ سَبَبٍ (الْمَاء)، رَغْمِ شِدَّةِ الْمَوْقِفِ، مِمَّا يُعَلِّمُنَا أَنَّ التَّوَكُّلَ لا يَعْنِي التَّوَاكُلَ، بَلْ بَذْلُ الْجُهْدِ.
وَمِنْهَا: فَضْلُ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ: تَحَمَّلَتْ هَاجَرُ مَشَقَّةَ الْعَيْشِ فِي الصَّحَرَاءِ الْقَاحِلَةِ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ إِكْرَامَ اللهُ لَهَا بِنَبْعِ زَمْزَمَ.
وَمِنْهَا: فَضْلُ الدُّعَاءِ: اسْتَجَابَ اللهُ لِدُعَاء إِبْرَاهِيمَ: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ)[إبراهيم: 37]؛ فَجَعَلَ مَكَّةَ آمِنَةً، وَجَعَلَ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهَا، وَرَزَقَهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ.
فَاَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنِ اسْتَمَعَ القَوْلَ فَاتَّبَعَ أَحْسَنَه، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْالُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي الدِّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْالُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي دِينِنِا وِدُنْيَانَا وَأَهَالِينَا وَأَمْوَالِنَا، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنْ بَينِ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا، وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شِمَائِلِنَا وَمِنْ فَوْقِنَا، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا، وَأَصْلِحْ لَنا دُنْيَانا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنا، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِنا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ أَتِمَّ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ إِمَامَنَا خَادِمَ الحَرَمَينِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ بِطَانَتَهُمْ وَوُزَرَاءَهُمْ يَا رَبَّ العَالمَينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالْحَمْدِ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم