عمر بن الخطاب رضي الله عنه

غازي بن طامي بن حماد الحكمي

2026-01-23 - 1447/08/04 2026-02-09 - 1447/08/21
عناصر الخطبة
1/تأملات في إسلام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وما تلاه 2/بعض الصور الجميلة في حياة عمر 3/موت عمر وقصة وفاته رضي الله عنه.

اقتباس

والمحدَّث هو الملهَم، وهي منزلة جليلة من منازل الأولياء؛ وقد قيل عنه -رضي الله عنه-؛ ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال عمر إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر؛ وقد وافق القرآن قول...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله -سبحانه وتعالى-، وعد المؤمنين المخلِصين بالعزّة والكرامة، وأوعد الفاسقين المتخاذلين بالحسرة والندامة، (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)[آل عمران: 160].

 

أحمده على أن نصر رسوله على المشركين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يحقّ الحقّ ويبطل الباطل ويقطع دابر الكافرين، وأشهد أن سيّدنا ومولانا محمدًا عبده ورسوله، أرسله ربّه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، اللهم صلّ وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله والأصحاب والأتباع؛ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)[الأنفال: 74]، أما بعد:

 

فيا عباد الله: اتقوا الله -تعالى- قولًا وفعلًا، اتقوه خضوعًا وامتثالًا، بُكرًا وآصالًا، تُحقِّقوا عزًّا وجلالًا، وسؤددًا وكمالًا؛ (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)[الطلاق: 5]؛ وكُن مخبتًا لله بالتقوى التي هي الزادُ للأخرى ودَع كلَّ من ألوى؛ فحسبُك وأنزل حيثما نزل الهدى، وكُن حيثما كان التورع والتقوى.

 

أيها المسلمون: إن لهذه الأمة سلفًا، هم أبرّ الناس قلوبًا، وأحسنهم إيمانًا، وأقلّهم تكلّفًا، سيرة كل عظيم منهم عظة وعبرة، وفي اقتفاء أثر أحدهم هداية، وفي الحياد عن طريقهم غواية؛ ومع واحد من هؤلاء العظماء؛ إنه رجل عاش الجاهلية والإسلام، رجل غليظ شديد على الباطل، ورقيق حليم رحيم بالمؤمنين، وليّ من أولياء الله، خليفة من خلفاء المسلمين، مُرقَّع الثياب ولكن راسخ الإيمان، تولّى أمر المسلمين فطوى فراشه، وقال: إن نمت بالنهار ضاعت رعيتي، وإن نمت بالليل ضاعت نفسي، إنه شهيد المحراب؛ إنه من قُتل وهو يصلي على يد من لم يسجد لله سجدة؛ إنه أبو حفص، إنه الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وأرضاه وجمعني وإياكم في زمرته.

 

أسلم ابن الخطاب، وكان بشارة دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واهتزّت مكة من الفرح وارتجّت نواحيها بالتكبير، وعزّ به المسلمون المستضعفون، قال ابن مسعود كما في صحيح البخاري: لم نزل أعزة منذ أسلم عمر؛ عن أبي ذر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به"(صححه الألباني).

 

وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدَّثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب"(متفق عليه).

 

والمحدَّث هو الملهَم، وهي منزلة جليلة من منازل الأولياء؛ وقد قيل عنه -رضي الله عنه-؛ ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال عمر إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر؛ وقد وافق القرآن قول عمر -رضي الله عنه- في عدة مواقف؛ منها ما قاله للنبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يُحجب نساؤه أمهات المؤمنين؛ فنزل الأمر بالحجاب، وقال للنبي -صلى الله عليه وسلم- حينما طاف بالكعبة في العمرة: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى؛ فنزل قوله -تعالى-:

(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)[البقرة: 125].

 

فهذه بعض الصور الجميلة في حياة عمر؛ فحياته كلها عبر ودروس؛ الصورة الأولى:

وهو مولده في الإسلام، أسلم لما سمع: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)[طه:1-5]؛ فسرت في قلبه، وحرّكت وجدانه، فتحوّل من حال إلى حال.

 

الصورة الثانية: الرسول -صلى الله عليه وسلم- يفسّر ثلاث رؤى رآها في المنام، كلها لأبي حفص -رضي الله عنه-، قال -صلى الله عليه وسلم-: "بينما أنا نائم رأيت الناس يُعرضون عليّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك، وعُرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين"(متفق عليه).

 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "بينما أنا نائم أُتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الريّ يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم"(متفق عليه).

 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته فوليت مدبرًا، فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله"(متفق عليه).

 

وفيه يقول -صلى الله عليه وسلم-: "وأشدّهم في أمر الله عمر"(رواه أحمد).

 

الصورة الثالثة: فعمر رجل العسّ الأول، وهو من يطوف بالليل، ينام الناس في عاصمة الخلافة ولا ينام، يشبع الناس ولا يشبع، يرتاح الناس ولا يرتاح؛ ومن تمام ورعه وعدله قول الله -تعالى-: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)[القصص: 83].

 

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والذكر والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل خطيئة وإثم؛ فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ، أوضَحَ معالمَ الهُدى فلا شكَّ فيها ولا التباس، وجعلَ الابتلاءَ سنَّةً، وفي كتابِه النِّبراس، يُديلُ الدُّوَلَ ويبتلي الأُمم، (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)[آل عمران: 140]، أحمدُه -تعالى- وأشكرُه، وأُثني عليه وأستغفرُه، وأسألُه المزيدَ من فضلِه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه وخليلُه ومُصطفاه من بين الناس، -صلَّى الله عليه وعلى آلِه وصحبِه والتابعين-، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

عبادَ الله: صلَّى عمرُ الفجرَ في أحدِ الأيام، وفي أثناء الصلاة أتاه أبو لؤلؤة المجوسي -الذي ما سجد لله سجدة-؛ فكانت نهايةُ هذا الطَّود الشامخ على يديه.

 

مولى المغيرة لا جادتْك غادية *** من رحمةِ الله ما جادت غواديها

مزَّقتَ منه أديمًا حَشْوُهُ هِمَمٌ *** في ذمَّةِ الله عاليها وماضيها

 

فما راعَ الناسَ إلا صوتُ عبدِ الرحمن بن عوفٍ يُكملُ بهم الصلاةَ خفيفةً، وفزع الناس: أين صوتُ عمر؟ أين صوتُ الخليفة؟ أين صوتُ الحبيب؟ أين العادل؟ أصبح في سكرات الموت يسأل وهو في السكرات: من قتلني؟ قالوا: أبو لؤلؤة المجوسي. قال: الحمدُ للهِ الذي جعل قتلي على يدِ رجلٍ ما سجد لله سجدة.

وحملوه إلى البيت، وأحضروا له وسادةً فنزعها، وقال: ضعوا رأسي على التراب لعلَّ الله أن يرحمني. وأخذ يبكي ويقول: يا من لا يزولُ ملكُه، ارحم من زال ملكُه، ويدخل عليه أحدُ الشباب يعودُه؛ فيرى طولَ إزارِه، فيقول له: ارفع إزارَك؛ فإنَّه أتقى لربك وأنقى لثوبك؛ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى وهو بهذه الحال؛ استأذن عائشةَ -رضي الله عنها- أن يُدفن مع صاحبيه، فقالت: لقد هيَّأتُ هذا المكان لنفسي، لكن واللهِ لأُؤثرنَّ عمرَ به، ادفنوه مع صاحبيه.

 

هذا الخليفةُ الراشد، هذا الإمامُ العادل؛ يقول عليٌّ وعمرُ يُكفَّن قبل أن يُصلَّى عليه: "واللهِ ما أريد أن ألقى اللهَ بعملِ رجلٍ إلا بعملِ رجلٍ مثلك".

 

عبادَ الله: إنَّ هذه السيرةَ ينبغي أن نتذاكرَها بين الفينةِ والفينة، ونغرسَها في نفوسِنا، ونجعلَها مثلاً أعلى يُحتذى ويُقتدى به.

 

ألا وصلُّوا وسلِّموا -أيها المؤمنون- على رسولِ الهُدى؛ فقد أمركم اللهُ بذلك في كتابه فقال:

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا َسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم صلِّ عليه ما تعاقب الليلُ والنهار، وصلَّى عليه المتقون الأبرار، وعلى آله وصحبِه المهاجرين والأنصار، وعلى التابعين وتابعيهم، وعنا معهم برحمتك يا عزيز يا غفَّار.

 

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمد، وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الأربعة الراشدين.

اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين.

 

اللهم اقسم لنا من خشيتِك ما تحولُ به بيننا وبين معصيتِك، ومن طاعتِك ما تُبلِّغُنا به جنتَك، ومن اليقين ما تُهوِّنُ به علينا مصائبَ الدنيا. اللهم متِّعنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقوَّتِنا أبدًا ما أحييتَنا، واجعلْه الوارثَ منا، واجعلْ ثأرَنا على من ظلمنا، وانصرْنا على من عادانا، واجعلْنا أهلاً لأن يُستجابَ دعاؤنا يا ربَّ العالمين.

 

اللهم اجعلْنا صالحين في ظواهرِنا وبواطنِنا حتى نكونَ أهلاً لأن يُستجابَ لنا، اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وعليك بمن عادانا، وبلِّغْنا مما يرضيك آمالَنا، واختمْ بالباقيات الصالحات أعمالَنا.

 

اللهم انصرْ لعبادِك المؤمنين المستضعفين في مشارقِ الأرض ومغاربِها، اللهم أسعدْ قلوبَنا بعزِّ الإسلام وظهورِ المسلمين، ونصرِ الفئةِ المؤمنة يا ربَّ العالمين، اللهم اجمعِ القلوبَ على طاعتِك.

 

اللهم اهدِ ضالَّ المسلمين، وثبِّتْ مطيعَهم، وارزقِ الجميعَ الاستقامةَ على دينِ الله والتمسُّكَ بوحيِه الكريم.

 

اللهم احفظْ بلادَنا وبلادَ المسلمين من كلِّ سوءٍ ومكروه، اللهم رُدَّ كيدَ الأعداءِ في نحورِهم، واجعلِ الدائرةَ عليهم، اللهم احفظْ للمسلمين دينَهم ودنياهم، ووحدتَهم وأمنَهم، اللهم لا تُؤاخذْنا بما فعل السفهاءُ منا.

 

اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيرًا فوفِّقْه لكلِّ خير، ومن أراد بالإسلام والمسلمين شرًّا فأهلكْه بشرِّه، وأرِحِ البلادَ والعبادَ من شرِّه، اللهم ولِّ أمورَنا خيارَنا، ولا تولِّ أمورَنا شرارَنا، اللهم اجعلْ ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، ولا تجعلْ ولايتَنا فيمن فسقَ وعصاك.

 

اللهم ارحمْنا، وارحمْ والدينا، وارحمْ من علَّمنا، والمسلمين أجمعين، برحمتك يا أرحمَ الراحمين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

 

عبادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90].

 

فاذكروا اللهَ العظيمَ الحليمَ يذكركم، واشكروه على نعمِه يزِدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.

 

المرفقات

عمر بن الخطاب رضي الله عنه.doc

عمر بن الخطاب رضي الله عنه.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات