عشر ذي الحجة بين التعظيم والاغتنام

فيصل بن جميل غزاوي

2026-05-15 - 1447/11/28 2026-05-16 - 1447/11/29
التصنيفات: عشر ذي الحجة
عناصر الخطبة
1/تخصيص الله تعالى لبعض مخلوقاته بمزايا وفضائل 2/اجتماع شرف الزمان والمكان بالبلد الحرام 3/الحث على اغتنام العشر الأول من ذي الحجة 4/التحذير من التفريط في أيام العشر

اقتباس

إنَّ هذه العشرَ المبارَكاتِ مِن أطيبِ الأزمنةِ التي ينبغي أن تُستغلَّ دقائقُها وساعاتُها، وأخصبِ المواسمِ التي يَحسُنُ أن يُتعرَّضَ لنفحاتِها، وأعذبِ المواردِ التي يتأكَّدُ أن تُهتَبَل هِبَاتُها...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أمَّا بعدُ، فيا أيُّها المسلمون: إنَّ مِن حكمةِ اللهِ -تعالى-، ودلائلِ ربوبيتِهِ ووحدانيَّتِهِ، وصفاتِ كمالِهِ: تخصيصَ بعضِ مخلوقاتِهِ بمزايا وفضائلَ؛ قال -جلَّ جلالُه-: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ)[القَصَصِ:68].

 

ومِن مظاهرِ اصطفاءِ اللهِ: اصطفاءُ الأزمنةِ والأمكنةِ؛ ففي الزمانِ نجدُ أنَّ اللهَ اختارَ أشهرَ الحجِّ، والأشهرَ الحرمَ على غيرِها مِن الشهورِ، واصطفى رمضانَ على سائرِ شهورِ العامِ، واصطفى يومَ الجمعةِ على سائرِ أيامِ الأسبوعِ، واصطفى يومَ النحرِ على سائرِ الأيامِ، واصطفى ليلةَ القدرِ على بقيَّةِ الليالي. وفي الأمكنةِ نجدُ مِن أمثلةِ ذلك: أنَّ اللهَ -تعالى- اصطفى مِن البلادِ خيرَها وأشرفَها، وهي البلدُ الحرامُ.

 

وها نحنُ -عبادَ اللهِ- نشهدُ في هذه الأيامِ اجتماعَ شرفِ الزمانِ مع شرفِ المكانِ، واقترانَ الشهرِ الحرامِ بالبلدِ الحرامِ. فيا لها مِن محاسنَ تُبهِجُ الوجدانَ، وتحيي مشاعرَ الإيمانِ! (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[المَائِدَةِ:97].

 

ومعنى كونِهِ قيامًا لهم: أنَّه مدارٌ لقيامِ أمرِ دِينِهم ودنياهم؛ إذ هو سببٌ لانتعاشِهم في أمورِ معاشِهم ومعادِهم. يلوذُ به الخائفُ، ويأمنُ فيه الضعيفُ، ويربحُ فيه التجارُ، ويتوجَّهُ إليه الحجاجُ والعُمَّارُ. قال ابنُ القيمِ -رحمَه اللهُ-: "إِنَّمَا قِيَامُهُمْ بِقِيَامِ آثَارِ نَبِيِّهِمْ وَشَرَائِعِهِ بَيْنَهُمْ، وَقِيَامُ أُمُورِهِمْ، وَحُصُولُ مَصَالِحِهِمْ، وَانْدِفَاعُ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ وَالشَّرِّ عَنْهُمْ بِحَسَبِ ظُهُورِهَا بَيْنَهُمْ وَقِيَامِهَا، وَهَلَاكُهُمْ وَعَنَتُهُمْ، وَحُلُولُ الْبَلَاءِ وَالشَّرِّ بِهِمْ عِنْدَ تَعَطُّلِهَا، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَالتَّحَاكُمِ إِلَى غَيْرِهَا، وَاتِّخَاذِ سِوَاهَا".

 

أيُّها الإخوةُ: وممَّا يُذكرُ في شأنِ مكانةِ الأشهرِ الحرمِ: أنَّ العربَ في الجاهليَّةِ كانوا يعظِّمونَها، فلا يطلبونَ فيها دمًا، ولا يقاتلونَ فيها عدوًّا، ولا ينتهكونَ فيها حرمةً، ولا يمكنُ أن يعتديَ أحدٌ على أحدٍ، حتَّى لو وجدَ قاتلَ أبيهِ لم يقتلْه.

 

عبادَ اللهِ: إنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- هيَّأ لعبادِهِ مواسمَ عظيمةً، وأيَّامًا فاضلةً؛ لتكونَ مَغنَمًا للطائعينَ، ومَيدانًا لتنافسِ المتنافسين. قال ابنُ رجبٍ -رحمَه اللهُ-: "وَمَا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاسِمِ الْفَاضِلَةِ مَوْسِمٌ إِلَّا وَلِلَّهِ -تَعَالَى- فِيهِ وَظِيفَةٌ مِنْ وَظَائِفِ طَاعَاتِهِ، يُتَقَرَّبُ بها إِلَيْهِ، وَلِلَّهِ فِيهِ لَطِيفَةٌ مِنْ لَطَائِفِ نَفَحَاتِهِ، يُصِيبُ بها مَنْ يَعُودُ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ عَلَيْهِ، فَالسَّعِيدُ مَنِ اغْتَنَمَ مَوَاسِمَ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ، وَتَقَرَّبَ فِيهَا إِلَى مَوْلَاهُ بِمَا فِيهَا مِنْ وَظَائِفِ الطَّاعَاتِ؛ فَعَسَى أَنْ تُصِيبَهُ نَفْحَةٌ مِنْ تِلْكَ النَّفَحَاتِ، فَيَسْعَدَ بها سَعَادَةً يَأْمَنُ بها مِنَ النَّارِ وَمَا فِيهَا".

 

عليه؛ فلنستشعرْ -عبادَ اللهِ- أنَّنا على مشارفِ عشرِ ذي الحجَّةِ، التي أقسمَ اللهُ بها في كتابِهِ، فقال: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)[الفَجْرِ:1-2]. وعشرُكم هذه هي خاتمةُ الأشهرِ المعلوماتِ، أشهرِ الحجِّ، التي قال اللهُ فيها: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)[البَقَرَةِ:197]، وهي: شوَّالٌ، وذو القعدةِ، وعشرٌ مِن ذي الحجَّةِ. وعشرُكم هذه -في قولِ جمهورِ العلماءِ- هي الأيامُ المعلوماتُ التي شرعَ اللهُ ذكرَه فيها على ما رزقَ مِن بهيمةِ الأنعامِ، فقال -سبحانه-: (وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)[الحَجِّ:27-28].

 

وعشرُكم هذه -كما ذكرَ أكثرُ المفسِّرين- هي العشرُ التي أتمَّها اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لموسى -عليه السلام-. قال اللهُ -تعالى-: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)[الأَعْرَافِ:142]. وعشرُكم هذه فيها يومُ عرفةَ ويومُ النحرِ. وعشرُكم هذه مِن أرفعِ الأيامِ قدرًا، وأجلِّها ذكرًا، وماذا عسانا أن نقولَ في حقِّها؟! وأيُّ وصفٍ يبيِّنُ حقيقةَ أمرِها؟!

 

لكن يكفينا في البيانِ ما ذكرَه عنها سيِّدُ الأنامِ، إذ يقولُ -عليه الصلاةُ والسلامُ-: "أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ". ويقولُ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ". فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ". فالعملُ الصالحُ في هذه الأيَّامِ العشرِ أزكى عند اللهِ -تعالى-، وأجزلُ ثوابًا.

 

ولا يزهدُ فيها إلَّا محرومٌ مغبونٌ؛ فهي تمرُّ به فلا يقدِّرُ لها قدرًا؛ لجهلِهِ بحقِّها. لكنَّ المؤمنَ الموفَّقَ قد عرفَ قدرَها، وعظَّم أمرَها. فهي موسمٌ ربَّانيٌّ ينتظرُه بشوقٍ ولهفةٍ في كلِّ عامٍ هجريٍّ. فإذا مَنَّ اللهُ عليه فأدركَها؛ أقبلَ عليها إقبالَ اللهفانِ، وكان له فيها شأنٌ؛ فهذا ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ -رضي اللهُ عنهما-، كانا يخرجانِ إلى السوقِ في أيَّامِ العشرِ، فيكبِّرانِ ويكبِّرُ الناسُ بتكبيرِهما. وكان سعيدُ بنُ جبيرٍ -رحمَه اللهُ- إذا دخلتْ أيَّامُ العشرِ اجتهدَ اجتهادًا شديدًا، حتَّى ما يكادُ يُقدَرُ عليه. وكان سعيدُ بنُ أبي عروبةَ -رحمَه اللهُ- يتركُ التحديثَ في العشرِ، ويقولُ: "هَذِهِ أَيَّامُ شُغْلٍ، وَلِلنَّاسِ حَاجَاتٌ". إنَّها معدودةٌ، لكنَّها خيرُ أيَّامِ الدُّنيا عبرَ الأزلِ، يكرمُ المولى بها أحبابَه، فأروا اللهَ بها حسنَ العملِ.

 

إنَّ هذه العشرَ المبارَكاتِ مِن أطيبِ الأزمنةِ التي ينبغي أن تُستغلَّ دقائقُها وساعاتُها، وأخصبِ المواسمِ التي يحسنُ أن يُتعرَّضَ لنفحاتِها، وأعذبِ المواردِ التي يتأكَّدُ أن تُهتَبَل هباتُها. قال ابنُ حجرٍ -رحمَه اللهُ-: "وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ في امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ: الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ في غَيْرِهَا". وقال ابنُ رجبٍ -رحمَه اللهُ-: "جَعَلَ اللهُ مَوْسِمَ الْعَشْرِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ السَّائِرِينَ وَالْقَاعِدِينَ، فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْحَجِّ في عَامٍ قَدَرَ في الْعَشْرِ عَلَى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ في بَيْتِهِ، يَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ".

 

فَلنجتهِدْ -رعاكم الله- في استثمارِ هذه الأيَّامِ بالنوافلِ والطاعاتِ، ولنتقرَّبْ إلى اللهِ فيها بما نقدرُ عليه مِن الصالحاتِ. وليكنْ شعارُنا فيها، ودافعُنا إلى البرِّ والإحسانِ، قولَ الكريمِ المنَّانِ: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)[الحَجِّ:77]؛ كصلةِ الأرحامِ، ومواساةِ الأيتامِ، والحضِّ على الإطعامِ. ولنُكثِرْ فيهنَّ مِن التهليلِ والتحميدِ والتسبيحِ والتكبيرِ، وسائرِ الذكرِ والدعاءِ، وقراءةِ القرآنِ، والصيامِ والقيامِ، وما يكونُ فيه خيرٌ لنا ونفعٌ لغيرِنا؛ مِن الصلةِ والصدقةِ، والنصحِ والإرشادِ، والتوجيهِ والتعليمِ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ.

 

أعوذُ باللهِ مِن الشيطانِ الرجيمِ: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[البَقَرَةِ:148].

 

قد قلتُ ما سمعتُم، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ الذي جعلَ البيتَ مثابةً للناسِ وأمنًا، وأفاضَ على عبادِهِ مِن جودِهِ فضلًا ومنًّا. وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه؛ أفضلُ مَن طافَ بالبيتِ وسعى، وأتقى مَن لبَّى ربَّه ودعا. صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ، ومَن سارَ على نهجِهم واقتفى.

 

أمَّا بعدُ، فيا عبادَ اللهِ: ممَّا يُلحَظُ أنَّ أيَّامَ العشرِ الفضيلةِ تقعُ في آخرِ العامِ، فكأنَّها تعويضٌ للمفرِّطين والمقصِّرين؛ كي يستدركَ العبدُ ما فاتَه، ويستعدَّ لما أمامَه، مستحضرًا عظمةَ مولاهُ، راجيًا عفوَه ورضاهُ. فالأعمارُ تُطوى سراعًا، والأوقاتُ تمرُّ تباعًا، ومع كلِّ يومٍ يمضي فإنَّ العمرَ ينقصُ، والأجلَ يقتربُ، والجسمَ يضعفُ، والصحَّةَ تتراجعُ، والعوائقَ تكثرُ، وفرصَ الاغتنامِ تقلُّ. وعن خالدِ بنِ معدانَ -رحمَه اللهُ- قال: "إِذَا فُتِحَ لِأَحَدِكُمْ بَابُ خَيْرٍ فَلْيُسْرِعْ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ عَنْهُ".

 

فلنحرصْ على ما ينفعُنا، ولنُقبِلْ على اللهِ بتوبةٍ نصوحٍ؛ فقد أوجبَها اللهُ علينا جميعًا. قال اللهُ جلَّ في علاه: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[النُّورِ:31]. وقال -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ؛ فَإِنِّي أَتُوبُ في الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِئَةَ مَرَّةٍ". ونحنُ إلى التوبةِ أحوجُ.

 

وخيرُ الأيَّامِ على العبدِ يومُ توبتِهِ، كما قال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لكعبِ بنِ مالكٍ -رضي اللهُ عنه- حينما تابَ اللهُ عليه: "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ". وما أجملَ التائبَ يتوبُ في أحبِّ الأيَّامِ إلى اللهِ! ومَن صدقَ في توبتِهِ علا في الدرجاتِ، وبدَّلَ اللهُ سيِّئاتِهِ حسناتٍ.

 

وما شرُفتِ النفسُ إلَّا بالتُّقَى، ومجانبةِ الهوى. قال إبراهيمُ بنُ أدهمَ -رحمَه اللهُ-: "أَشَدُّ الْجِهَادِ جِهَادُ الْهَوَى، مَنْ مَنَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا فَقَدِ اسْتَرَاحَ مِنَ الدُّنْيَا وَبَلَايَاهَا، وَكَانَ مَحْفُوظًا وَمُعَافًى مِنْ أَذَاهَا". أشدُّ الجهادِ جهادُ الهوى، وما كَرُمَ المرءُ إلَّا بالتُّقَى، وأخلاقُ ذي الفضلِ معروفةٌ ببذلِ الجميلِ وكفِّ الأذى.

 

والمغبونُ حقًّا مَن فرَّطَ في مثلِ هذه الأيَّامِ الفاضلةِ ولم يغتنمْها، وأضاعَ هذه الخيراتِ فلم يستبقْها. والمحرومُ صدقًا مَن يهدرُ أشرفَ أوقاتِهِ في اللهوِ والباطلِ والغفلةِ، ويحصدُ في غدِهِ الندامةَ والحسرةَ؛ (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ في غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)[مَرْيَمَ:39].

 

ألا وصلُّوا وسلِّموا -عبادَ اللهِ- على نبيِّكم، واستكثروا مِن الصلاةِ والسلامِ عليه؛ مستجيبين لأمرِ ربِّكم: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأَحْزَابِ:56].

 

اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.

 

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الكفرَ والكافرينَ.

 

اللهمَّ احفظْ هذه البلادَ، المملكةَ العربيَّةَ السعوديَّةَ، واجعلْها دارَ عزٍّ وأمانٍ ورخاءٍ واطمئنانٍ، حائزةً كلَّ خيرٍ، سالمةً مِن كلِّ شرٍّ، وسائرَ بلادِ المسلمين. اللهمَّ مَن أرادَ أمنَ هذه البلادِ واستقرارَها بسوءٍ، فرُدَّ كيدَه في نحرِهِ، واجعلْ تدبيرَه تدميرًا عليه، يا سميعَ الدعاءِ.

 

اللهمَّ احفظْ أُمَّةَ الإسلامِ مِن كلِّ سوءٍ وبلاءٍ وشدَّةٍ ولأواءَ، وادفعْ عنها شرَّ الأشرارِ، وكيدَ الفجَّارِ، وشرَّ طوارقِ الليلِ والنهارِ، وجنِّبْها الحروبَ والفتنَ والشدائدَ والمحنَ، ما ظهرَ منها وما بطنَ.

 

اللهمَّ انصرِ المستضعَفين والمجاهدين في سبيلِكَ، والمرابطين على الثغورِ، وحماةَ الحدودِ. اللهمَّ آمِنَّا في الأوطانِ والدورِ، وأصلحِ الأئمَّةَ وولاةَ الأمورِ، واجعلْ ولايتَنا فيمَن خافَكَ واتقاكَ واتَّبعَ رضاكَ، يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ وفِّقْ وليَّ أمرِنا، خادمَ الحرمين الشريفين، لما تحبُّ وترضى مِن الأقوالِ والأفعالِ، يا حيُّ يا قيومُ. اللهمَّ وفِّقْه ووليَّ عهدِهِ لهداكَ وتقواكَ. اللهمَّ إنَّا نسألُكَ النصرَ والعزَّةَ والتمكينَ.

 

اللهمَّ كُنْ لإخوانِنا في فلسطينَ، وفي كلِّ مكانٍ، يا ربَّ العالمين. اللهمَّ فرِّجْ همَّهم، ونفِّسْ كربَهم، وأصلحْ ذاتَ بينِهم، وتولَّ أمرَهم، وسُدَّ جوعتَهم، وآمِنْ روعتَهم، واجمعْ شملَهم، وشتاتَ أمرِهم، وامكرْ لهم ولا تَمكُرْ عليهم.

 

اللهمَّ أيقظْنا مِن الغفلاتِ، ووفِّقْنا لفعلِ الخيراتِ، وتداركِ ما فاتَ، وتركِ المنكراتِ، وبلِّغْنا العشرَ المبارَكاتِ؛ لاغتنامِ ما فيها مِن القرباتِ.

 

اللهمَّ صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ المختارِ، وآلِهِ الأطهارِ، وصحبِهِ الأخيارِ.

 

 

المرفقات

عشر ذي الحجة بين التعظيم والاغتنام.doc

عشر ذي الحجة بين التعظيم والاغتنام.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات