عبد الله بن عباس حبر الأمة

د. محمود بن أحمد الدوسري

2026-04-03 - 1447/10/15 2026-04-07 - 1447/10/19
التصنيفات: شخصيات مؤثرة
عناصر الخطبة
1/منزلة ابن عباس وفضائله 2/ملازمته للنبي الكريم وأحواله معه 3/طلبه للعلم ومنزلته بين الصحابة4/علمه ومواقفه وخاتمة حياته.

اقتباس

تُوُفِّيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ ابْنُ عَبَّاسٍ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالِ الْمُحَقِّقِينَ، وَصَحِبَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَازَمَهُ مُلَازَمَةَ الظِّلِّ لِلشَّيْءِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا...

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ، فَبَيْنَ أَيْدِينَا قُطُوفٌ مِنْ سِيرَةِ فَقِيهِ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَتَى الْكُهُولِ، صَاحِبِ اللِّسَانِ السَّؤُولِ، وَالْقَلْبِ الْعَقُولِ، الطَّاهِرِ الزَّكِيِّ، وَالْفَقِيهِ الْعَبْقَرِيِّ، هُوَ صَاحِبُ سِحْرِ الْبَيَانِ، وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ، اجْتَمَعَ لَهُ مَجْدُ الصُّحْبَةِ، وَمَجْدُ الْقَرَابَةِ، وَمَجْدُ الْعِلْمِ؛ فَهُوَ حَبْرُ الْأُمَّةِ؛ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، وَمِنْ أَعْظَمِ مَنَاقِبِهِ:

دُعَاءُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لَهُ بِالْعِلْمِ، وَالْحِكْمَةِ، وَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: ضَمَّنِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ"(رواه البخاري)، وَفِي رِوَايَةٍ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ"(رواه البخاري)، وَفِي رِوَايَةٍ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ، وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ"(رواه ابن ماجه)، وَفِي رِوَايَةٍ: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ"(رواه أحمد).

 

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: "مَسَحَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- رَأْسِي، وَدَعَا لِي بِالْحِكْمَةِ"(رواه أحمد)، وَقَالَ -أَيْضًا-: "دَعَا اللَّهَ لِي رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَزِيدَنِي اللَّهُ عِلْمًا وَفَهْمًا"(رواه أحمد).

 

كَثْرَةُ مُلَازَمَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَسْلَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- فِي الْعَاشِرَةِ مِنْ عُمْرِهِ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ ابْنُ عَبَّاسٍ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالِ الْمُحَقِّقِينَ، وَصَحِبَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَازَمَهُ مُلَازَمَةَ الظِّلِّ لِلشَّيْءِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا.

 

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: كَانَ يُعِدُّ لَهُ مَاءَ وَوُضُوءَهُ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: "دَخَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا"(رواه البخاري).

 

كَانَ يُصَلِّي مَعَهُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: "أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَجَرَّنِي، فَجَعَلَنِي حِذَاءَهُ" صَحِيحٌ – (رواه أحمد)، وَفِي رِوَايَةٍ: "قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ"(رواه البخاري).

 

كَانَ خَلْفَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: "كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ؛ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ..."(رواه الترمذي).

 

قَرِيبًا مِنْهُ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: شَرِبَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ شِمَالِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "الشَّرْبَةُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِدًا"، قَالَ: "مَا أُوثِرُ عَلَى سُؤْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَحَدًا"(رواه الترمذي وأحمد).

 

حِرْصُهُ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، وَاحْتِرَامُهُ لِلْعُلَمَاءِ: قُبِضَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ ابْنُ عَبَّاسٍ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ؛ فَلَمْ يَكْتَفِ بِمَا حَصَّلَ مِنْ عِلْمٍ؛ بَلْ رَاحَ يُسَابِقُ الزَّمَنَ لِيُحَصِّلَ مَا فَاتَهُ؛ فَكَانَ ذَا هِمَّةٍ عَالِيَةٍ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: "إِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِيهِ، وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ، ‌فَتَسْفِي ‌الرِّيحُ ‌عَلَى ‌وَجْهِي التُّرَابَ، فَيَخْرُجُ، فَيَرَانِي، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكَ؟ أَلَا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟ فَأَقُولُ: لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ".

 

قَالَ الشَّعْبِيُّ: "رَكِبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ؛ فَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ فَقَالَ: ‌هَكَذَا ‌أُمِرْنَا ‌أَنْ ‌نَفْعَلَ ‌بِعُلَمَائِنَا".

 

تَقْدِيمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَهُ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-؛ "كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ؛ فَقَالَ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا، وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ"(رواه البخاري).

 

قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ -رضي الله عنه-: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا ‌أَحْضَرَ ‌فَهْمًا، وَلَا أَلَبَّ لُبًّا، وَلَا أَكْثَرَ عِلْمًا، وَلَا أَوْسَعَ حِلْمًا مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَقَدْ رَأَيْتُ عُمَرَ يَدْعُوهُ لِلْمُعْضِلَاتِ، فَيَقُولُ: قَدْ جَاءَتْ مُعْضِلَةٌ، ثُمَّ لَا يُجَاوِزُ قَوْلَهُ، وَإِنَّ حَوْلَهُ لَأَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ".

 

قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -رضي الله عنه-: "لَقَدْ أُعْطِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ ‌فَهْمًا ‌وَلَقْنًا ‌وَعِلْمًا، مَا كُنْتُ أَرَى عُمَرَ يُقَدِّمُ عَلَيْهِ أَحَدًا".

 

فَهْمُهُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: قَالَ عِكْرِمَةُ -رحمه الله-: أُتِيَ عَلِيٌّ -رضي الله عنه- بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-؛ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ"، وَلَقْتَلْتُهُمْ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"(رواه البخاري)، وَفِي رِوَايَةٍ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا -رضي الله عنه- فَقَالَ: "صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ"(رواه الترمذي)، وَعِنْدَ الْبيهقي: فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: "وَيْحُ ابْنِ أُمِّ الْفَضْلِ؛ إِنَّهُ ‌لَغَوَّاصٌ ‌عَلَى ‌الْهَنَاتِ".

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ..

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِنْ مَنَاقِبِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: ثَنَاءُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَيْهِ.

 

مُنَاقَشَتُهُ لِلْخَوَارِجِ بِالْحِكْمَةِ، وَرُجُوعُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ إِلَى الْحَقِّ.

 

حِرْصُهُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، وَنَشْرِهَا بَيْنَ النَّاسِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: "أَنَّهُ طَافَ مَعَ مُعَاوِيَةَ بِالْبَيْتِ؛ فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْتَلِمُهُمَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)[الأحزاب:21]؛ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقْتَ"(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

 

ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِحَبِيبَتَيْهِ فِي آخِرِ عُمْرِهِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ -رحمه الله-: "وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَدْ عَمِيَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ... وَهُوَ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:

إِنْ يَأْخُذِ اللَّهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا *** فِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ

قَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ *** وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأْثُورُ".

 

قَالَ مُجَاهِدٌ -رحمه الله-: "كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا فَسَّرَ الشَّيْءَ رَأَيْتَ عَلَيْهِ نُورًا".

 

مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتِهِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً. قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ -رضي الله عنه-: "مَاتَ الْيَوْمَ مَنْ كَانَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي الْعِلْمِ"؛ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَجَزَاهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

 

المرفقات

عبد الله بن عباس حبر الأمة.doc

عبد الله بن عباس حبر الأمة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات