ضرر التنازع والاختلاف

سليمان بن خالد الحربي

2026-05-01 - 1447/11/14 2026-05-07 - 1447/11/20
عناصر الخطبة
1/خطورة التنازع وأثره على وحدة المجتمع 2/الضوابط الشرعية في التعامل مع الخلاف 3/نماذج من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في منع التنازع 4/أهمية الصبر في استقرار الأمة ونهوضها.

اقتباس

وإن من أعظم أسباب الفتن اليوم: تحويل الخلاف إلى خصومة، والرأي إلى عداوة، والاجتهاد إلى إسقاط وتشويه، وقد قرر أهل العلم أن تأليف القلوب مقدمٌ على كثير من المستحبات، قال شيخ...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إنَّ الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شُرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صَلَّى اللهُ عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أمّا بعد:

 

فاتقوا اللهَ -عبادَ الله-، فإنه مَن يتق الله ويصبر فإن الله لا يُضيع أجر المحسنين.

 

معاشر الإخوة: باقعةٌ صاعقةٌ، متى حَلَّتْ بمجتمعٍ أفسدته وأضعفته، كلٌّ يعرفها ويذمّها، ولكن كثيرًا ما يقع فيها وهو لا يشعر؛ إنها التنازع والتفرّق والاختلاف بين المسلمين.

 

إن المتنازعين حين يجرّ كلٌّ منهم الحقَّ إلى نفسه جَرًّا، ويمنع غيره منه بالقوة والتأليب والتحزب، فإن المجتمع يتصدّع، وتذهب القوة، ويحل الفشل، قال الله -تعالى-: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[الأنفال: 46].

 

وهذه الآية جامعةٌ مانعة؛ فيها نهيٌ عن التنازع، وبيانٌ لنتيجته من الفشل وذهاب القوة، ثم أمرٌ بالصبر الذي هو عماد الثبات ووحدة الصف.

 

واعلموا -عباد الله- أن الاختلاف المذموم ليس اختلاف الاجتهاد في الرأي، وإنما هو التنازع الذي يورث العداوة، ويفسد القلوب، ويقطع روابط الأخوّة.

 

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحذر من هذا المعنى، ويغضب لما يفضي إليه، كما في الصحيح أنه قال: "كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا"(رواه البخاري).

 

فلم يكن الإنكار على تعدد الفهم، وإنما على ما يورث التنازع والتفرق.

 

وفي موقفٍ آخر لما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكتب كتابًا لا تضل الأمة بعده، وقع الخلاف وارتفع الصوت، فقال: "قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ" (رواه البخاري).

 

فتأملوا كيف جعل التنازع سببًا لرفع الخير ومنع الهداية، وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: (اسكت، فإن الخلاف شرّ).

 

أيها الإخوة: إن التنازع لا يبدأ كبيرًا، لكنه يتضخم شيئًا فشيئًا حتى يُهلك المجتمعات، وقد قال الله -تعالى-: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)[الأنفال: 44].

 

فربط الله بين التنازع والضعف والهزيمة.

 

ولمّا وقع التنازع يوم أُحدٍ بعد أن رأى المسلمون النصر، تبدلت الحال، قال تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ)[آل عمران: 152]؛ فالتنازع كان سببًا في ضياع النصر.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)[المؤمنون: 53].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

 

فاتقوا الله -عباد الله-، واعلموا أن المجتمعات لا تُبنى إلا على الوحدة، وأن التنازع لا يورث إلا الضعف والانكسار.

 

وإن من أعظم أسباب الفتن اليوم: تحويل الخلاف إلى خصومة، والرأي إلى عداوة، والاجتهاد إلى إسقاط وتشويه، وقد قرر أهل العلم أن تأليف القلوب مقدمٌ على كثير من المستحبات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “ويستحب ترك بعض المستحبات المختلف فيها إذا كان في تركها تأليف للقلوب”.

 

فكيف إذا كان الخلاف في مسائل اجتهادية لا يترتب عليها حكمٌ قطعي؟

 

إن الصبر عند الخلاف شجاعة، وضبط النفس قوة، وليس القوة في الغلبة والجدال، وإنما في كبح النفس وحفظ الجماعة.

 

واعلموا أن التنازع إذا دخل بيتًا فرّقه، وإذا دخل مجتمعًا أضعفه، وإذا دخل أمة مزّقها؛ قال الله -تعالى-: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)[الأنفال: 46].

 

وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

المرفقات

ضرر التنازع والاختلاف.doc

ضرر التنازع والاختلاف.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات