عناصر الخطبة
1/أهدى الكتب سبيلاً 2/مسار ومطلب كل مسلم 3/تأملات في سورة المؤمنون 4/صفات المؤمنين المفلحين 5/أهمية حفظ الأمانة والوفاء بالعهد 6/جزاء المفلحيناقتباس
يا مَن تبحثون عن الفلاح، إن أمامكم عقبةَ الثبات على العفاف، والبعد عن دركات الشهوات الآثمة، ربما استطعت الوصول للحرام، ربما تهيأت لك الفرصة، ولكن تذكر قبل ذلك نظر الله لك، ونِعَمه الوافرة عليك، وكن على وجل أن تُسْلَب نِعمَك بزلّة في الشهوة المحرمة، وحينها اهرب...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله....
مهما تنوعت العلوم يظل كتاب الله أهدى الكتب سبيلاً، وأقوم قيلاً، وكيف لا وهو كلام رب الأرباب، الفصل ليس بالهزل، والنبأ العظيم والهدى المستقيم والنور المبين.
لا تَمَلّ القلوب مِن تكراره ولا تشبع النفوس من عظاته، ولو عِشْنا معه وقرَّبنا منه لرأينا الحياة بصورة أخرى.
دقائق نقضيها مع سورة من سور القرآن، وسوره بل آياته بل كلماته فيها الهدى لمن تأمل.
حديث اليوم عن سورة توضح المسار لأعظم مطلب يريده كل مسلم، طريقُ الفلاح، وما أعظم توفيق الله لعبد ناله وحققه، حتى لقد سُمِّيت هذه السورة بالفلاح وسُمِّيت "المؤمنون"، ذكر الله فيها صفات المفلحين، وجلّاها بأعظم البيان للمؤمنين، وليس بين العبد وبين الفلاح إلا ارتسامَ الطريق والاتصافَ بهذه الصفات.
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)[المؤمنون: 1]؛ فالفلاح قد حصل وتمّ لمن تمسك من بهذه الأعمال.
أول صفات المفلحين: الصلاة الخاشعة؛ (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ)[المؤمنون: 2]؛ إذا صلوا استشعروا أن الصلاة صلةٌ بينهم وبين ربهم، فخافوا منه وعظّموه، وتوجّهوا له وراقبوه، إذا كبّروا تركوا بقلوبهم كل شيء ولم يتلفتوا إلا لربهم، ومَن أقبل على الله أقبل الله عليه، فكان نتاج تلك الصلاة أن صارت صلاتهم مُغَيِّرَة لحالهم، رافعة لدرجاتهم، وتحقق فيهم قول ربهم؛ (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)[العنكبوت: 45].
وتأمل قوله: (صَلاتِهِمْ) ولم يقل في الصلاة، ليستشعر المؤمن أن الصلاة له، أثراً، ورجعاً، فيسعى لإتقانها والخشوع فيها.
ولأجل تحقيق الخشوع الذي هو لبّ الصلاة أُمِرنا بأمور تُفرِّغنا من كل الشواغل الحسية والمعنوية.
فجاء نهي المصلي عن الإتيان إلى الصلاة مسرعًا أو تاركًا لطعام يشتهيه، أو حاقنًا أو حاقبًا-يعني حابسًا للبول أو الغائط-؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"؛ كل هذا لتتهيأ القلوب للخشوع.
ولا تَسَلْ عن لذة تلك الصلاة الخاشعة، فهي الراحة والسعادة، ولذا كان المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أرحنا بالصلاة يا بلال"، فهنيئاً لمن وصل لهذه الحال، وحقَّق هذه الصفة.
وثاني صفاتهم: أنهم عن اللغو مُعْرِضون، واللغو: ما لا فائدة فيه، ويدخل فيه كل محرم من القول والفعال، وإذا كانوا معرضين عن اللغو فإعراضهم عن المحرم من باب أولى.
وتأمل كيف ذكَر اللغو بعد الخشوع في الصلاة؛ لأن كثرة اللغو مدعاة لعدم الخشوع في الصلاة.
وأهلُ الفلاح ينأون بأنفسهم عن مجالس اللغو من الكلام المحرم، والقول البذيء، ويُعرِضون عن مجالس اللغو من غناء وزور وباطل وغيبة وغير ذلك، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وتباعدوا إن لم ينكروا، وفي مقابل هذا فهم مشغولون بالله عن غيره، مهتمون بما يعنيهم، تاركون لما لا يعنيهم، مقبلون على شأنهم، فألسنتهم محفوظة عن السوء والفحشاء، وجوارحهم مصونة عن الشرِّ والاعتداء، كل هذا لأنهم استشعروا الغايةَ التي خُلقوا لأجلها، والنهايةَ التي تنتظرهم، فانشغلوا بها وتركوا اللغو وأقبلوا على ما ينفع.
وثالث الصفات للمفلحين أنهم للزكاة فاعلون، والزكاة هنا تشمل أولاً زكاة المال، فهم قائمون بها، محافظون على إخراجها، ولا غرو فهي تزكيةٌ للنفس وللمال.
ومع هذا فهم يزكون أنفسهم ويطهرونها، والنفس الإنسانية مليئة بالنقائص والعيوب، وقد كُلِّف الإنسان بإصلاحها وتقويم عوجها. وضُمِن الفلاح لمن نجح في ذلك؛ (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)[الشمس: 10- 11].
فالمفلحون يُطهِّرون نفوسهم من الاعتقادات الفاسدة، والأفكار المنحرفة، والأخلاق السيئة، ويجعلونها صافيةً خالصة من شوائب الرذائل.
فإذا أردت الفلاح يا مؤمن فزَكِّ نفسك وزكِّ مالك، وإياك أن تطيع النفس في السير وراءها إلى أهوائها المحظورة، فمن أصلح نفسه صلحت دنياه وآخرته.
عباد الله: ورابع صفات المفلحين ما قال رب العالمين: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ)[المؤمنون: 5- 7].
الشهوة جِبِلَّة ركَّبها الله في نفس العبد، وهي ابتلاء، به يتحقّق للجنس البشري البقاء، ولكنها في نفس الوقت ربما أوبقت العبد في المعصية، ولذا كان من أجلى صفات المفلحين المتقين أنهم يحفظون فروجهم عن الحرام، ويجعلون قضاءها فيما أباح لهم من أزواجهم، فإن لم يكن لهم أزواج فالصبرُ والصوم حتى يجعل الله فرجاً، كل هذا الابتلاء -يا كرام-، ليعلم الله مَن يمتثل ومن يعتدي، والجميع تحت نظر الله، وفي علمه.
إن طريق الحلال واضح بَيِّن، وطرق الحرام في باب الشهوة كثيرة، يجمعها قول ربنا (فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ)؛ وقد علم ربنا انفتاح أبواب الشهوات، وتيسر السبل المحرمة، ولكنه حرّم كل طريق محرم، ليعلم الله من يخافه بالغيب، ممن ينتهك حرماته، ولعلمه بما يصلح العباد وما يفسدهم.
لذا يا أيها الكرام: يا مَن تبحثون عن الفلاح، إن أمامكم عقبةَ الثبات على العفاف، والبعد عن دركات الشهوات الآثمة، ربما استطعت الوصول للحرام، ربما تهيأت لك الفرصة، ولكن تذكر قبل ذلك نظر الله لك، ونِعَمه الوافرة عليك، وكن على وجل أن تُسْلَب نِعمَك بزلّة في الشهوة المحرمة، وحينها اهرب كما هرب يوسف، وقل كما قال: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)[يوسف: 23]، وسله أن يحفظك، ومِن الحرام يعصمك، اللهم اعصمنا.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده....
وخامس صفات المفلحين: حفظ الأمانات، وفيها قال الله (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)[المؤمنون: 8]؛ ولعمري إنها لخصلة ما أعظمها! حفظ الأمانات، والوفاء بالعهود، والمفلحون هم الموفون.
قد تستطيع أن تنقض العهود، أو تخون الأمانات، ولكن المؤمن يبحث عن ثواب ربه، فيحفظ العهد ليرضي الرب، والنفوس الكريمة الوفية تُعرَف من أمرين: حفظ الأمانة والوفاء بالعهد.
والأماناتُ ليست مقصورةً على صورة واحدة هي حفظ المال، بل الأمانات بابٌ واسع، وصورٌ عديدة، كل واحدٍ منا اليوم مُؤتَمن على عدة أمانات، عليه حفظها، وأداوها.
عبادة الله -تعالى- أمانة، والوظيفة أمانة، والحقوق الزوجية أمانة، وتربية الأولاد أمانة، ورَدُّ الودائع أمانة، والبيع والشراء أمانة، والأسرار التي يُطلَب كتمانها أمانة، والعلم أمانة، والكلمة أمانة، ولو أدى كل فرد منا الأمانة لحفظ الجميع، ولو حفظ جميعُنا عهدَه لتغير حالنا، وما أُتينا والله إلا من قبل إنسان اؤتمن فخان، وتعظم الخيانة حين تكون في مصلحة عامة من مصالح المسلمين، لذا أيها الموظف، وأيها الموظف وأيها المسؤول أنتم مؤتمنون؛ فالله الله أن يُؤتَى المجتمع مِن قبلكم، فتبوؤوا بسخط الله، ومقت الناس.
وآخر الصفات للمفلحين؛ (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)[المؤمنون: 9]؛ ولعِظَم أمر الصلاة كانت أول صفات المفلحين متعلقة بها وآخرها كذلك.
والمفلحون محافظون على صلاتهم، في وقتها، فلا يؤخرونها عن الوقت الذي حدده الله، وفي طهارتها، فلا يخلّون بطهارة أو شرط؛ لأنهم يراقبون الله بها، وفي صفتها، فلا يخرمون منها لا قولاً ولا فعلاً؛ لأنها الصلة بين العبد وبين ربه، متى ما كانت الصلة مصونة، والعهدُ باقٍ، فالعبد إلى خير.
أتدري يا مؤمن ما جزاء من حقق هذه الخصال؛ (أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[المؤمنون: 10- 11]؛ ما أعظمه من ميراث! وما أشرفه من وعد!
ألا فبشرى لمن حقَّق الخصال، واتصف بالصفات، فنعمت الكرامة، ونعمت الجائزة.
فيا من كان بعيداً عن الصلاة الخاشعة ادنُ منها، وحافِظ عليها، وعلى خشوعها، تَنَلِ الفردوس.
ويا من شغل نفسه بما لا يعنيه، وسلّط لسانه فيما لا ينفعه، احفظ لسانك واحفظ قولك وفعلك تنل الفردوس.
ويا مَن لم يُزكِّ نفسه، وقصَّر في زكاة ماله زكِّ نفسك ومالك تنل الفردوس.
ويا من صرف شهوته فيما حرم الله عليه تُب إلى الله وارجع إليه، واكتفِ بالحلال ففيه غُنية للمؤمنين تنل الفردوس.
ويا من قصر في أداء الأمانات، وخان العهود والوعود والمواثيق، فِ بالعهود والوعود، وأدِّ الأمانة للعابد والمعبود تنل الفردوس.
فإذا فعلت ذلك نلت الفلاح والنجاح، وحزت السعادة في دنياك وأخراك.
اللهم اجعلنا من أهل هذه الصفات وتوفنا على ذلك.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم