عناصر الخطبة
1/مدرسة رمضان لتدريب النفوس وتهذيب الأخلاق 2/أثر الصيام على سلوكيات الجوارح 3/الحث على المسارعة والتحلي بخلق الصبر.اقتباس
إِنَّ الصِّيَامَ تَدْرِيبٌ لِلنَّفْسِ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَنِ الشَّرِّ وَمَا يَضُرُّ، وَتَرْوِيضٌ لَهَا عَلَى الطَّاعَةِ؛ وَهَذِهِ هِيَ حَقِيقَةُ الصِّيَامِ وَالْحِكْمَةُ مِنْهُ، وَلَيْسَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- بِمُرِيدٍ لِعِبَادِهِ الْحِرْمَانَ؛ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ.. مَنْ صَامَ عَمَّا سِوَى اللهِ فَعِيدُهُ يَوْمَ...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[المائدة:35].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ، عِبَادَاتٌ وَطَاعَاتٌ وَقُرُبَاتٌ، يَسْتَمِرُّ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا دُونَ انْقِطَاعٍ، وَقَدْ يَكُونُ لَمْ يَتَعَوَّدْ بَعْضَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ يَفْعَلُهَا لِوَجْهِ اللهِ وَابْتِغَاءَ مَا عِنْدَهُ، وَيَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا غَيْرَ مُسْتَسْلِمٍ لِهَوًى أَوْ شَهْوَةٍ؛ فِي كُلِّ يَوْمٍ، يُمْسِكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَسَائِرِ الْمُفَطِّرَاتِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَيُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَيَجْتَهِدُ فِي الْإِتْيَانِ بِالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا، وَيُصَبِّرُ نَفْسَهُ لِيَقُومَ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، وَيَتَلَبَّثُ فِي الْمَسْجِدِ لِيَخْتِمَ الْقُرْآنَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَكْثَرَ، وَتَرَاهُ يَمُدُّ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ وَيُكَرِّرُ الْإِنْفَاقَ وَيُفَطِّرُ الصَّائِمِينَ وَيُعِينُ الْمُحْتَاجِينَ، وَتَخِفُّ نَفْسُهُ إِلَى أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ وَطَاعَاتٍ مُقَرِّبَةٍ، تَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ وَمُصَابَرَةٍ وَمُجَاهَدَةٍ.
وَإِنَّ كُلَّ هَذَا لَيُثْبِتُ لِلْعَاقِلِ الْوَاعِي أَنَّهُ قَادِرٌ بِتَوْفِيقِ اللهِ لَهُ عَلَى اكْتِسَابِ صِفَاتٍ حَمِيدَةٍ دُونَ عَنَاءٍ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ عَادَاتٍ سَيِّئَةٍ دُونَ كُلْفَةٍ، وَلِيُوقِنَ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا مَرَدُّهُ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللهِ إِلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ وَالْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ، ثُمَّ الْبَدْءُ فِيمَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِعَزِيمَةٍ لَا تَرَدُّدَ مَعَهَا.
إِنَّ قُدْرَةَ الْمَرْءِ عَلَى تَغْيِيرِ طَبْعِهِ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَتَحَوُّلِهِ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ غَيْرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ، لَتُكَذِّبُ مَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَّا؛ وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ ظَنٌّ وَوَهْمٌ يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فِي النُّفُوسِ، لِيَحْرِمَ النَّاسَ مِنْ طَاعَاتٍ يَكْتَسِبُونَ بِهَا حَسَنَاتٍ مُضَاعَفَةً، وَتَرْفَعُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ دَرَجَاتٍ عَالِيَةً.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الصِّيَامَ تَدْرِيبٌ لِلنَّفْسِ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَنِ الشَّرِّ وَمَا يَضُرُّ، وَتَرْوِيضٌ لَهَا عَلَى الطَّاعَةِ؛ وَهَذِهِ هِيَ حَقِيقَةُ الصِّيَامِ وَالْحِكْمَةُ مِنْهُ، وَلَيْسَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- بِمُرِيدٍ لِعِبَادِهِ الْحِرْمَانَ؛ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ؛ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ"(رواه البخاري ومسلم).
وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ"(متفق عليه)، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"(رواه البخاري).
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَلِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ الْجَوَارِحِ وَالْقُوَى، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى التَّقْوَى؛ كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183]".
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مَنْ صَامَ عَمَّا سِوَى اللهِ فَعِيدُهُ يَوْمَ لِقَائِهِ؛ كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ)[العنكبوت: 5].
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا، وَأَعِنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا.
الخطبة الثانية:
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالَى- حَقَّ تُقَاتِهِ، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّةِ الصِّيَامِ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ، بَلْ إِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ هُوَ مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ كَسْرِ الشَّهَوَاتِ، وَتَطْوِيعِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، لِتَكُونَ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً؛ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَيَّعَ الصَّائِمُ عَلَى نَفْسِهِ كَثِيرًا مِنْ غَايَاتِ الصِّيَامِ.
فَاللهَ اللهَ -مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ- صُومُوا الْيَوْمَ عَنْ شَهَوَاتِ الْهَوَى، لِتُدْرِكُوا عِيدَ الْفِطْرِ يَوْمَ اللِّقَاءِ، لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَلُ بِاسْتِبْطَاءِ الْأَجَلِ؛ فَإِنَّ مُعْظَمَ نَهَارِ الصِّيَامِ قَدْ ذَهَبَ، وَعِيدَ اللِّقَاءِ قَدِ اقْتَرَبَ؛ فَاصْبِرُوا وَاحْتَسِبُوا؛ فَقَدِ اجْتَمَعَتْ لَكُمْ فِي صِيَامِكُمْ أَنْوَاعُ الصَّبْرِ الثَّلَاثَةُ: صَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَصَبْرٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَصَبْرٌ عَلَى أَقْدَارِهِ الْمُؤْلِمَةِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، بَلْ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَهُ إِلَّا اللهُ الْقَائِلُ -سُبْحَانَهُ-: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[الزمر: 10].
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم