رمضان على الأبواب

أمير بن محمد المدري

2026-02-06 - 1447/08/18 2026-02-16 - 1447/08/28
التصنيفات: رمضان الصوم
عناصر الخطبة
1/خير الناس وشرهم 2/اغتنام شهر رمضان في الخيرات 3/خطورة التفريط في شهر الصيام 4/أصناف الناس في استقبال هذا الشهر العظيم 5/عمارة أوقات شهر رمضان بالأعمال الصالحة 6/ خير ما يُستقبل به مواسم الطاعات.

اقتباس

ما أسرع تصرُّم الأيام وتعاقب الأزمان، قبل شهور معدودات ودَّعنا رمضان، وها نحن اليوم نستقبله، وهكذا أصبحت الدنيا تدور بسرعة مذهلة، فأصبحت السنة كالشهر، والشهر كالأسبوع، والأسبوع كاليوم، فأين المشمِّرون المسابقون؟! أين الصالحون المتقون؟! بل أين المذنبون والعاصون؟! وأين المقصرون المفرطون؟!...

الخطبةُ الأولَى:

 

الحمد لله الذي جعل شهر رمضان موسمًا للطاعات، وأفاض على الصائمين نعيم الرضوان والنفحات، وأشهد أن لا إله إلا الله شرع الصوم صحةً للأبدان والأرواح، وأشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله، هيَّأ لأمته طريق الهدى والفلاح، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمدٍ وعلى إله وأصحابه ما لمع برقٌ ولاح، وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: فأوصيكم ونفسي أولًا بتقوى الله -تعالى- وطاعته؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183].

 

رمضان على الأبواب: تُطوَى الليالي والأيام، وتنصرم الشهور والأعوام، فمن الناس مَن يكسب خيرًا، ومنهم مَن يحمل وزرًا، ولذلك طول العمر خيرٌ للمؤمنين؛ لأنهم يغتنمون حياتهم فيما يُقرّبهم من العزيز الغفار؛ قال رسول الله: "خير الناس من طال عمره وحسُن عمله"(صحيح، أخرجه أحمد والترمذي 2329).

 

وطول العمر خيبة وضياع وبوار للعاصين الأشرار؛ لأنهم يعيشون على المعاصي وغضب الجبار؛ قال رسول الله: "شر الناس من طال عمره وساء عمله"، أسأل الله -عز وجل- أن يُطيل في أعمارنا، وأن يجعلها في طاعته، وأن يتوفانا جميعًا -سبحانه وتعالى- وهو راضٍ عنا.

 

لا إله إلا الله، ما أسرع تصرُّم الأيام وتعاقب الأزمان، قبل شهور معدودات ودَّعنا رمضان، وها نحن اليوم نستقبله، وهكذا أصبحت الدنيا تدور بسرعة مذهلة، فأصبحت السنة كالشهر، والشهر كالأسبوع، والأسبوع كاليوم، فأين المشمِّرون المسابقون؟! أين الصالحون المتقون؟! بل أين المذنبون والعاصون؟! وأين المقصرون المفرطون؟! هذا زمان التوبة والاستغفار وأوان الرجوع والانكسار.

 

عباد الله: إن لله نفحات مَن تعرَّض لها لم يرجِع خائبًا محرومًا، ومن طلبَها نالها، ومن أعرض عنها خسِر نوالها، ومن هذه النفحات وأعلاها منزلة: هذا الشهر الكريم العظيم الذي أُنزل فيه القرآن، هذا الشهر الذي فيه ليلةٌ واحدة هي خيرٌ من ألف شهر، مَن حُرم خيرها فهو المحروم، قال مهنئًا أصحابه بقدومه قائلًا: «أتاكم رمضان، شهر مبارك فرض الله -عز وجل- عليكم صيامه، تُفتح فيه أبواب السماء، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خيرٌ من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم»(أخرجه النسائي).

 

وعند ابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله قال: «إذا كانت أول ليلة من رمضان، صُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغُلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة».

 

المحروم من فرَّط في هذا الشهر، وجعله شهر غفلة ونوم وضياع، روى الترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله: «رغم أنف رجل ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر، فلم يدخلاه الجنة».

 

عباد الله: إن مَن أدرك رمضان وهو في عافية، لفي نعمة عظيمة عليه شُكرها، وشكر هذه النعمة يكون بفعل الطاعات واجتناب المحرمات؛ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رجلان من بلي من قضاعة أسلما على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاستشهد أحدهما وأُخِّر الآخر سنة، فقال طلحة بن عبيد الله: فرأيت المُؤخَّر منهما أُدخِلَ الجنة قبل الشهيد، فتعجبت لذلك، فأصبحت فذكرت ذلك للنبي، أو ذُكر ذلك للنبي، فقال: «أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف وكذا ركعة صلاة سنة»(أخرجه أحمد).

 

عباد الله: إنَّ الناس في استقبال هذا الشهر العظيم على ثلاثة أصناف:

قسمٌ يفرح بقدومه، ويستبشر بهلاله، يُقبلون عليه إقبال الظمآن على الماء البارد، قد أعدوا له العدة، وهيَّؤوا أنفسهم لاستقباله؛ لأنهم يعلمون أنه أيام معدودات، وأنه سوق عما قريب سينفض؛ قال -تعالى-: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)[البقرة: 184].

 

لماذا لا يفرحون به وهو شهرٌ تُغْفَر فيه الزلات، وتُمحَى فيه السيئات، وتُرفَع فيه الدرجات، هؤلاء يستقبلون رمضان بتصفية قلوبهم من الحقد والبغضاء، سُئل ابن مسعود -رضي الله عنه-: كيف كنتم تستقبلون رمضان؟ فقال: "ما كان أحد يجرؤ على استقبال الهلال، وفي قلبه ذرة حقد على أخيه".

 

ومن الناس ناسٌ لا فرق عندهم بين رمضان وغيره، فهم يستقبلونه بقلبٍ بارد ونفسٍ فاترة لا ترى لهذا الشهر ميزة عن غيره، إلا أنها تمتنع فيه عن الطعام والشراب، فهم يُصبحون فيه ويمسون كما يصبحون ويمسون في غيره، لا تتحرك قلوبهم شوقًا ولا تخفق حبًّا، ولا يشعرون أن عليهم في هذا الشهر أن يجتهدوا فيه أكثر مما سواه.

 

ومن الناس ناسٌ ضاقت نفوسهم بهذا الشهر الكريم، ورأوا فيه حبسًا عن المتع والشهوات، فتبرموا به وتمنوا أن لم يكن قد حلَّ.

 

فتأمل حالك -أيها الأخ المسلم-، وانظر من أيّ الأقوام أنت، لقد كان الرسول يهنئ أصحابه بحلول هذا الشهر الكريم، ويُعلن لهم عن فضائله شحذًا لهممهم وعزائمهم، وتشويقًا لهم لاستغلال أيامه وساعاته، فعن سلمان -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله في آخر يوم من شعبان، فقال: «يا أيها الناس، قد أظلَّكم شهرٌ مبارك، شهر فيه ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر».

 

وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله: «إن لله -تعالى- عتقاء في كل يوم وليلة، يعني في رمضان، وإن لكل مسلم في يوم وليلة دعوة مستجابة»(صححه الألباني في صحيح الجامع 2165).

 

معاشر المؤمنين: إن البركات تتنزَّل في هذا الشهر الكريم، فهل من راغب؟ والرحمات تتنزل في هذا الشهر فهل من تائب؟ هل مِن مشمر للطاعة، باذل لمهر الحور العين، ليالٍ تَمُرّ وتمضي كلمح البصر، ويذهب الجهد والتعب وتبقى حلاوة الطاعة.

 

أخي الحبيب: احرِص أن تخرج من رمضان القادم كيوم ولدتك أمك من الذنوب، فنبيُّك قد عرض عليك ثلاث محطات للتصفية من الذنوب، وهي: يقول -صلى الله عليه وسلم-: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه»(أخرجه الشيخان)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه»(أخرجه الشيخان)، ويقول: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه»(أخرجه الشيخان).

 

فماذا تريد بعد ذلك يا عبد الله؟ هل هناك فُرصة أعظم من هذه الفرصة؟ هل هناك عرض أفضل من هذا العرض؟ إنها الخسارة والله كل الخسارة، والغبن كل الغبن أن يفوِّت المرء هذه الفرصة على نفسه ويحرم نفسه هذا الخير العظيم، وهو لا يدري هل يجد فرصة ثانية مثل هذه الفرصة أو لا يجد؟!

 

أيها الإخوة: ولو نظرنا حولنا، لوجدنا أن بعضًا ممن أدرك رمضان الماضي أصبح من أهل القبور، أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات، وأخذ البنين والبنات، فاختطفهم من بين أيدينا، أسكتهم والله فما نطقوا، وأرداهم فما تكلموا، كأنهم والله ما ضحكوا مع من ضحك، ولا أكلوا مع من أكل، ولا شربوا مع من شرب.

 

كم كنت تعرف ممن صام في سلفِ *** من بين أهلٍ وجيران وإخوان

أفناهم الموت واستبقاك بعدهمُ  *** حيًّا فما أقرب القاصي من الداني

 

وربما البعض منا في هذا العام ممن يُقدِّر الله له أن يصوم رمضان كاملًا، فيُقدِّر الله ألا يكون من أهل الدنيا بعده فيكون آخر رمضان يصومه ويقومه.

 

أخي الحبيب: أتذكر كم كانت ندامتك وحسرتك حين تصرَّمت آخر ليلة من رمضان الفائت؟ أتذكر أنك عاهدت نفسك يوم ذاك أن تستقبل رمضان القادم بنفس عازمة، وهمة قائمة؟ فها أنت ذا أمام رمضان جديد، وها قد كتب الله لك الحياة لتدرك فرصة أخرى تختبر فيها صدقك ورغبتك في الخير، فماذا ستفعل؟ هل ستبادر؟ أم تفرط في أوقات شهرك حتى يغادر؟ ثم تندم ولا ينفع الندم؟

 

عباد الله: هل أدركنا مقدار النعمة العظيمة حين منَّ الله علينا ببلوغ هذا الشهر؟ ماذا لو طُويت أعمارنا قبله؟ أكنا قادرين على الطاعة والعبادة؟ أكنا قادرين على الركوع والسجود؟

 

أخي الحبيب: تعامل مع رمضان القادم على أنه آخر رمضان في حياتك، وشَمَّر عن ساعد الجد.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

 

أما بعد: فيا عبد الله، اعقد العزم الصادق على اغتنام رمضان وعمارة أوقاته بالأعمال الصالحة، فمن صدق الله صدقه وأعانه على الطاعة، ويسَّر له سبل الخير؛ قال الله -عز وجل-: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)[محمد: 21].

 

بادرْ إلى التوبة الصادقة، المستوفية لشروطها، وأكثر من الاستغفار وقل:

يا نفس توبي قبل ألا *** تستطيعي أن تتوبي

واستغفري لذنوبك الرحمن *** غفار الذنوبِ

إن المنايا كالرياح عليك *** دائمة الهبوبِ

 

سُئل الشيخ الشنقيطي: بماذا تنصحنا لاستقبال مواسم الطاعات؟

فقال: خير ما يُستقبل به مواسم الطاعات "كثرة الاستغفار"؛ لأن ذنوب العبد تحرمه التوفيق.

 

تعلَّمْ ما لا بد منه من فقه الصيام وأحكامه وآدابه، والعبادات فيه كالاعتكاف والعمرة وزكاة الفطر وغيرها.

 

التخطيط والترتيب لبرنامج يومي للأعمال الصالحة؛ كقراءة القرآن، والجلوس في المسجد، والجلوس مع الأهل، والصدقة، والقيام، والعمرة، والاعتكاف، فلا يدخل عليك الشهر وأنت في شَتات، فتُحرمَ كثيرًا من الخيرات والبركات.

 

هذا وصلوا -عباد الله- على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

رمضان على الأبواب.doc

رمضان على الأبواب.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات