رفق النبي صلى الله عليه وسلم

د. منصور الصقعوب

2026-01-02 - 1447/07/13 2026-01-25 - 1447/08/06
عناصر الخطبة
1/رفعة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم 2/خلق الرفق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم 3/مجالات الرفق في حياة المسلم 4/الرفق مع المخالفين والأعداء.

اقتباس

وفي سيرة نبينا -عليه السلام- تجلَّى الرفق في حياته، فقد كان ليناً، لم يكن فَظّاً غليظاً، يُعامِلُ بِرفقٍ لا هوانَ مَعَه، ويلينُ ليناً لا تفريطَ فيه، فانقادت له الأفئدةٌ، ولم تَكُنْ لتنقادَ لغيرِه بالحربِ ولا بالنزال (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

أَمَّا بَعْدُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

عباد الله: حين نريد أن نتحدَّث عن كريم السجايا، وروائع الخلال وحُسْن الخصال فلن تعرف البشرية أحداً كمثل نبينا -صلى الله عليه وسلم- في خُلقه وهديه، وسَمْته ودلّه، ولا عجب فقد جَمَعَ الله له المكارمَ والفضائلَ كُلَّها، وبوَّأه من الأخلاقِ أعلاها، ولا عجب فقد أخبرت عائشة أنه تمثل أخلاق القرآن فقالت: "كَانَ خُلُقُه الْقُرْآنَ"، حتى زكَّاه ربنا في خُلقه فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم: 4].

 

وأَنَّى يا كرامُ لمُتحدِّث أن يُحيط بأخلاقه! لكنه حسبه في الخطبة أن يُعرِّج على واحد من شِيَمه.

 

وقفة اليوم مع خلقٍ من أخلاقِه -صلى الله عليه وسلم-، إنه خُلُقٌ يُحِبُهُ الله ويُعْطِي عليه ما لا يُعْطِي على ما سواه، قال -صلى الله عليه وسلم- عن هذا الخلق: "إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ، وَما لا يُعْطِي عَلى مَا سِوَاهُ".

 

الرِّفْق: خُلُقٌ من أخلاقِه -صلى الله عليه وسلم-، قال عنه مُرغِّباً: "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرمِ الخيْرَ كُلَّهُ".

 

الرِّفْقُ خُلُقٌ يَزينُ الفتى إذا تَخَلَّقَ به، وفي مقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الرِّفقَ لا يَكُونُ في شيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ".

 

وفي سيرة نبينا -عليه السلام- تجلَّى الرفق في حياته، فقد كان ليناً، لم يكن فَظّاً غليظاً، يُعامِلُ بِرفقٍ لا هوانَ مَعَه، ويلينُ ليناً لا تفريطَ فيه، فانقادت له الأفئدةٌ، ولم تَكُنْ لتنقادَ لغيرِه بالحربِ ولا بالنزال (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)[آل عمران: 159]. 

 

دَخَل أعرابيٌ إلى مسجده، والناسُ جلوسٌ، فتوجه إلى ناحية من نواحي المسجد، فبال فيها، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْه لِيَقَعُوا فِيهِ، فَقَالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "دَعُوهُ، وَأَرِيقُوا عَلى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِن مَاءٍ، فَإِنَّما بُعِثْتُم مُيَسِّرِينَ ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ"؛ رَفَقَ بالأعرابي لجهله، فأحسنَ تعليمَ الجاهلِ، وأحسنَ توجيهَ الدعاةِ من بعده.

 

هل رأيتم كرفقه وهو يقول: "إني لأدخل في الصلاة وأريد أن أُطَوِّل فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتَجَوَّزُ في صلاتي كراهيةَ أن أشُقَّ على أُمّه".

 

هل سمعتم برفقٍ كرفقه، حين يغضَبُ ويشتَدَّ غَضَبُه، حين يرى مَن يَسْلُكُ بالمسلمين غير طريقِ الرِّفْقِ، ويعامِلُهم بما يَشُقُّ عليهم في أمور دينهم، أو دنياهم؛ قالَ رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ: إني لأَتأَخَّرُ عنِ الصلاةِ مما يُطِيلُ بنا فُلانٌ فيها؛ فغَضِبَ رسولُ اللهِ ما رأَيْتُهُ غَضِبَ في مَوْضِعٍ كانَ أَشَدَّ غَضَباً منهُ يومئذٍ، ثمَّ قالَ: "يا أيها الناسُ، إنَّ مِنكُمْ مُنَفِّرِينَ، فمَنْ أَمَّ الناسَ فلْيَتَجَوَّزْ، فإنَّ خَلْفَهُ الضعيفَ والكَبيرَ وذا الحاجَةِ".

 

ما أعظم رفقه! وهو الذي بقي عنده غلامه أنس عشر سنوات، فلم يعاتبه فيها مرة، وهو مظنةُ الخطأ لصغره.

 

وما زال -صلى الله عليه وسلم- يَتَخَلَّقُ بالرفق ويأمر به، ويدعو إليه ويحث عليه، حتى توجه إلى الله بدعوةٍ متضرعة، قال فيها: "اللهم مَن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به".

 

عباد الله: والرفق في ديننا تَمثَّله النبي -صلى الله عليه وسلم- فعلاً ورغَّب فيه قولاً، ومجالاتُ الرفق في الحياة كثيرة، حريّ بنا أن نتحلى بها، لنقتدي به -صلى الله عليه وسلم- في أخلاقه.

 

الرِّفقُ في العبادة فلا تشقّ على نفسك فتنقطع، ولا توغل في الدين فتبغّض الدين للخلق.

 

والرفق مع الزوجة والأسْرةِ والأولاد مِن أوسعِ أسبابِ السعادةِ الأُسْريةِ وصلاحها، حين يسعى الوَلِيُّ لإصلاحهم والقيام بهم حكمةٍ ولينٍ وَطِيبِ تَصَرُّفٍ وحُسْنِ رَوِيَّة، دون أن يرضى بالمنكرِ فيهم، أو أن يُقِرَّهُ بينهم. 

 

والرِّفقُ بالرِّفقةِ والأصحاب، ضمانٌ لدوامِ العُشرةِ، وبقاءِ الأُلفَةِ، وصفاءِ القلوب، رِفقٌ في الحديثِ ورِفقٌ في العتابِ، ورِفقٌ في الذهابِ ورفق في الإياب، ومِن أعظمِ أسبابِ تنافُرِ القلوبِ كلمةٌ أو رسالةٌ لم يَتَحَرَّ الرِّفقَ قائلُها.

 

والرِّفقُ في الدعوةِ إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شَرِيُعةٌ قائمةٌ وديانَةٌ مُثْبَتَة، هي سبيل المرسلينَ وبها أُمِرُوا؛ (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[النحل: 125].

 

الرفق بالخدم والضعفة والأُجراء هديٌ تحلَّى به نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وَمَنْ ألانَ للضعيفَ جانباً، ألان الله له الشدائدَ والصعابَ، قال أنسٌ: "إِنْ كَانَتِ الأَمَةُ مِن إِمَاءِ المَدِينَةِ -أي الجاريةُ المملوكةُ- لَتَأْخُذُ بِيَدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيثُ شَاءَتْ"(رواه البخاري)، وما كان للأَمَةِ أن تجرؤ على هذا لولا ما رأتْهُ مِنْ رِفقِه -صلى الله عليه وسلم-  بالمستضعفين. 

 

كل هذا مع بقاء قدره بالقلوب، وهيبته في النفوس، فلا الرفق يُنزِل القدر، ولا الكِبر يرفعها، وفي الحديث؛ "وما تواضع أحد لله إلا رفعه".

 

رفق بسمت وحزم في سهولة، فصلوات ربي وسلامه عليه حين قال: "ألا أُخبرُكُمْ بمنْ يَحْرُمُ على النارِ أو بمن تَحْرُمُ عليهِ النارُ؟  على كُلِّ قَريبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ"(رواه الترمذيُّ).

 

اللهم اهدنا لصالح الأخلاق والأقوال والأعمال.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

 

أما بعد: ورفق النبي -صلى الله عليه وسلم- تجاوز المسلمين حتى وصل للمخالفين من الكفار؛ لأنه الرحمة المهداة، الذي قال عنه مولاه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[الأنبياء: 107].

 

مرض غلامه اليهودي فزاره في مرضه فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ»، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ».

 

وجاءت إليه أسماء بنت أبي بكر مستئذنةً في إكرام أمها غير المسلمة وقالت: "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ، وهي رَاغِبَةٌ، أفَأَصِلُ أُمِّي؟ قالَ: "نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ".

 

بل كان رفيقاً في حقن دمائهم إذا كانت معصومة، حتى قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها تُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ عامًا".

 

لأن الكافر إذا دخل بلد المسلمين مستأمناً أو معاهداً فيجب حفظ العهد الذي أعطيه، ولا يجوز هتكه.

 

وأما مع الكفار المحاربين فكان إذا بعث الجيوش أوصاهم، وقال: "اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً".

 

لقد عاشَ -صلى الله عليه وسلم- في مكةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً بينَ المُشركينَ، وعاشَ في المدينةِ عشرَ سنينَ معَ اليهودِ والمشركينَ والمنافقينَ، وبينَهم كانَ يمشي، ومعهم كانَ يتعاملُ، ومن تأملَ مُجتمعَ المدينةِ النَّبويَّةِ، عَلِمَ أعظمَ وأعدلَ مُجتمعٍ حوى مُعايشةً بينَ المسلمينَ وبينَ غيرِهم على مرِّ العُصورِ، فحُقَّ على كلِّ مسلمٍ أن يتعلمَ من قُدوتِه وإمامِه التَّعاملَ مع غير المسلمينَ، حتى لا نقعَ في الأخطاءِ القادحةِ، والآثامِ الفادحةِ، وحتى لا يخلطَ الإنسانُ بينَ عقيدةِ الولاءِ والبراء، وبينَ الاعتداء على الأبرياءِ.

 

وقد جَاءَ في الحديثِ: "إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ"، وهَذهِ عَقيدةُ الولاءِ والبراءِ، التي يَنبغي أن تَكونَ في قَلوبِ الأتقياءِ، يقولُ ابنُ بازٍ -رحمَه اللهُ-: "الوَلاءُ والبَراءُ معناهُ محبَةُ المؤمنينَ وموالاتُهم، وبغضُ الكافرينَ ومعاداتُهم، والبَراءةُ منهم ومن دينِهم، هذا هو الولاءُ والبراءُ ... وليسَ معنى بغضِهم وعداوتِهم أن تظلمَهم أو تتعدَّى عليهم إذا لم يكونوا محاربينَ، وإنما معناهُ أن تبغضَهم في قلبِكَ وتعاديهم بقلبِكَ، ولا يكونوا أصحاباً لك، لكن لا تؤذهم ولا تضرَّهم ولا تظلمهم، وتنصحُهم وتوجهُهم إلى الخيرِ"، فقرقٌ بينَ عقيدةِ البَراءِ وبين المعاملةِ الحسنةِ لغرضِ الدَّعوةِ إلى اللهِ.

 

وإذا كانت الدعوة لغير المسلم شريفةُ الثواب، فمن أعظم الرفق بالكافر المخالط أن تناله دعوتُنا، بالدعوة المباشرة، وبحسن الخلق كذلك، فَكَم مِن مُعاملةٍ حَسنةٍ أَدخَلَتْ في دِينِ اللهِ أفواجاً! وكم من معاملةٍ سيئة، أو أذى يطال المستأمِنين تسبّبت في شرخ عظيم! وعاد الفعل على صورة الإسلام، وهَا هو رَسولُ الرَّحمةِ -صلى الله عليه وسلم- يَبعثَ عَليّاً -صلى الله عليه وسلم- إلى سَاحاتِ القِتالِ، ولَكنْ يَقولُ لَهُ: "انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبرْهُمْ بمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ".

 

وصلوا وسلموا....

 

 

المرفقات

رفق النبي صلى الله عليه وسلم.doc

رفق النبي صلى الله عليه وسلم.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات