عناصر الخطبة
1/وجوب شكر نعم الله تعالى 2/شكر نعمة الأمن 3/التحذير من بطر النعمة وسوء استخدامها 4/مساوئ الشائعات 5/من مخاطر سوء استخدام الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل 6/وجوب التثبت والتأكد من الأخبار.اقتباس
هذا الذكاء ربما نسب إلى أهل العلم أو إلى ولاة الأمر أو إلى الكبراء أقوالًا لم يقولوها، ومداخل لم يدخلوها، ومسالك لم يسلكوها، فتثبتوا وتبينوا فإذا كان الفاسق يُتثبَّت من خبره فكيف بالمجهول الذي لا يُعرَف مَن هو في عينه ولا في أثره؟! فالتثبت والتأكد من ذلك هو الواجب.....
الخطبةُ الأولَى:
الحمد لله، الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا مَن يهده الله فلا مُضِلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، عبده المصطفى، ونبيُّه المجتبى، فالعبد لا يُعبَد كما الرسول لا يُكذَّب، فاللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلف من إخوانه من المرسلين، وسار على نهجهم واقتفى أثرهم وأحبهم وذبّ عنهم إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: عباد الله! فاتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من دينكم الإسلام بعروته الوثقى، فإن أجسادنا على النار لا تقوى؛ (يَا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102].
أيها المؤمنون: إننا وإياكم نرفل في هذه النعم بعد أتراحٍ وأحزانٍ مرت على أسلافنا، فاحمدوا الله على ما أولاكم من نعمة الأمن، ونعمة رغد العيش، ونعمة الأمان، وقبل ذلك وفي أثنائه وبعده في نعمة التوحيد والإيمان، هذه النعمة العظمى أن جعلكم الله -جَلَّ وَعَلَا- مسلمين، وصيَّركم له موحدين، وجعلكم من عباده المخلصين، هذه أَجل النعم وأعظمها منةً من ربنا علينا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
ونعمة الأمن -يا عباد الله- نعمةٌ لا نُقدِّر قدرها، ولا نعرف بعدها وشأوها حتى نُحِس بغيرها وبضدها (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ)[العنكبوت: 67]؛ تأمن في نفسك، وفي مالك، وفي عِرْضك، وفي ولدك، وفي سربك، وفي السنن يقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا».
وحذارِ -يا عباد الله- حذارِ من البطر والتي بدت فينا مظاهره، وأقبلت علينا أعلامه، حذارِ من البطر في المأكل والمشرب، وفي هذا الإسراف الذي لا تُحمَد عواقبه، وحذارِ من البطر أيضًا في ملابسكم وفي دوركم، ومن البطر في مراكبكم، ومن البطر في كلامكم وفي عدم ثنائكم على ربكم -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
وإن من البطر -يا عباد الله- والسرف العظيمين: ما يكون من تلمُّس الشهرة والرياء، وتلمُّس طلب المدح، حتى يبذل المال لها في استقدام الشعراء ليمدحوك ويمدحوا مكانك ومجلسك وعرسك ومناسبتك، هذه من أسباب البطر التي لا تليق بما أتانا الله -عَزَّ وَجَلَّ- وأولانا إياه من النعم.
وإن من البطر -يا عباد الله- نسبة الأمطار ونسبة الأرزاق إلى غير الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: إني وابن ادم في شأن عظيم؛ أخلق ويُعبَد غيري، وأرزق ويُشكَر غيري".
وفي صحيح مسلم من حديث أبي مالكٍ الأشعري -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- قال: قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَرْبَعٌ مِن أُمور الجاهِلِيَّةِ في أُمَّتي لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ في الأحْسابِ، والطَّعْنُ في الأنْسابِ، والاسْتِسْقاءُ بالأنواء»؛ أي: نسبة نزول المطر إلى نوء كذا وإلى برج كذا وإلى منزلة كذا، وكذلك النياحة على الموتى.
وفي الصحيحين من حديث زيد الجهني -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه- قال: صلى بنا النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صلاة الغداة في الحديبية على إثر سماءٍ كانت من الليل، فلما انصرف من صلاته أقبل علينا بوجهه، فقال -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: أصبَح مِن عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ؛ فأمَّا مَن قال: مُطِرْنا بفضلِ اللهِ ورحمتِه فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، فأمَّا مَن قال: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب».
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)[النحل:112]؛ أي: بسبب أعمالهم، وبسبب أقوالهم وتصرفاتهم، قابلوا نِعَم الله -عَزَّ وَجَلَّ- بالكفران، والجحود والبطر، فكان عاقبتهم ما سمعتم.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه كان غفارًا.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إعظامًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلف من إخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا أبدًا إلى يوم رضوانه.
أما بعد -عباد الله-: فاتقوا الله -جَلَّ وَعَلَا- بتعظيم أوامره والمبادرة إليها، وتعظيم نواهيه بالتجافي والابتعاد والتناصح عنها، واحذروا البطر، واحذروا الشائعات، فإنه من أسباب زوال الرغد الذي نحن فيه وسعة العيش: كثرة الكلام والحكي، وكثرة الشائعات، حتى لا يتثبَّت المتثبِّت من خبره، ولا يتثبَّت مما يُنقَل له ولا سيما في أمر دينه ودنياه، وأمر سِلمه وأمنه وحربه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)[الحجرات:6].
وإن الشائعات قد راجت سوقها في هذه الأزمان ولا سيما عبر هذه الوسائل المتنوعة من وسائل التواصل، حتى قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الحديث المخرَّج في البخاري عن سمرة -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْه-: «وإن الرجل ليخرج من بيته فيُلقي بالكذبة، فتطير في الآفاق»؛ فإنه يُعذَّب؛ لما مرَّ على الرجلين وأحدهما بيده كَلُّوب ويشرشر فاه الآخر إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه؛ لأنه أشاع الشائعات التي أفسدت دين الناس، وأفسدت دنياهم بقالات السوء.
ومن ذلكم -يا عباد الله- ما يسمَّى بالذكاء الاصطناعي في وسائل التواصل المعاصرة، هذا الذكاء الذي ربما نسب إلى أهل العلم أو إلى ولاة الأمر أو إلى الكبراء أقوالًا لم يقولوها، ومداخل لم يدخلوها، ومسالك لم يسلكوها، فتثبتوا وتبينوا فإذا كان الفاسق يُتثبَّت من خبره فكيف بالمجهول الذي لا يُعرَف مَن هو في عينه ولا في أثره؟! فالتثبت والتأكد من ذلك هو الواجب.
وقد حصل -يا عباد الله- أنه افتُري على أهل العلم وعلى ولاة الأمر في أقوالٍ نُسِبَت إليهم، وصاغها الذكاء الاصطناعي لم يقولوها، ولم يصح انتسابها إليهم، فخذوا العلوم من مصادرها، والفتاوى من أهلها، وحذارِ أن يستدرجكم أعداؤكم إلى أنواع من الجهل والفساد، فإن من ورائها دوائر استخباراتية لهم أغراض مشينة في إفساد دينكم، وإفساد مجتمعاتكم، وإفساد ما بينكم وبين ولاة أمركم.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم