الصبر والثبات سبيل الفرج ونصرة المقدسات

الشيخ خالد أبو جمعة

2026-01-30 - 1447/08/11 2026-02-01 - 1447/08/13
عناصر الخطبة
1/الدنيا دار محن وابتلاءات 2/خصوصية المسلم تجاه الابتلاءات 3/بعض الحكم في الابتلاءات 4/انتظار الفرج من الله عبادة 5/الوصية بالصبر والثبات في أرض الرباط 6/خصوصية المسجد الأقصى وواجب المسلمين نحوه

اقتباس

مع صعوبة الحياة وتعقيداتها، وكثرة الأخطار المُحدِقة بالناس؛ كَثُر القلقُ والخوفُ والغمُّ والهم، والمُؤمنُ له ربٌّ كريمٌ يركَنُ إليه، ودِينٌ يهتَدِي به، وشريعةٌ يأخُذُ بها؛ فيعلمُ أنَّ في المِحَن مِنَحًا، وأن بعد العُسر يُسْرًا، وأن الشدائِدَ لا تدُوم، وأنَّ اللهَ -تعالى- يمنحُ العبدَ قوَّةً تُوَطِّنُه عليها، وتُكيِّفُه معها...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ؛ خَلَقَ النفوسَ وأحياها، وعصَمَها بالإسلامِ وزكَّاها، ووعدَ المُعتَدينَ عليها بالنَّارِ ولَظَاهَا. وأَشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له؛ لا دِينَ يُنجِي العبادَ إلا دِينُه، ولا شرعَ يُصلِحُهم إلا شرعُه، ولا حُكمَ أعدَلُ مِنْ حُكمِه.

 

وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا ومولانا محمدًا عبدُه ورسولُه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-؛ دلَّنا على ما ينفعُنا، وحذَّرَنا مما يضُرُّنا. صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم.

 

اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على أشرفِ النبيِّينَ، شفيعِ المُذنِبينَ، حبيبِ ربِّ العالمينَ؛ النبيِّ العربيِّ المُسدَّدِ، والرسولِ الهاشميِّ المُؤيَّدِ؛ أبي القاسِم المُصطفى، سيِّدنا محمدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وعلى آلِه الأطهارِ، وأصحابِه الأبرارِ، وأتباعِه إلى يومِ الدينِ.

 

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ حقَّ تُقاتِه، وكونوا أنصارًا له، وأولياءَ لأوليائِه، وأعداءً لأعدائِه؛ وحَمَلةً لدينِه، ودُعاةً إلى سبيلِه؛ (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)[النَّحْلِ: 128]، ويقولُ الحقُّ: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)[مُحَمَّدٍ: 17]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102].

 

أيُّها المسلمون: جعلَ اللهُ -تعالى- الدنيا دارَ أكدارٍ وابتِلاءاتٍ وأوصابٍ؛ فلا يكادُ الإنسانُ يفرَحُ إلَّا ويحزَنُ، ولا يكادُ يأمنُ إلَّا ويخافُ، ولا يزُولُ همُّه إلا عادَ بِهَمٍّ جديدٍ.

 

ومع صعوبة الحياة وتعقيداتها، وكثرة الأخطار المُحدِقة بالناس؛ كَثُر القلقُ والخوفُ والغمُّ والهم، والمُؤمنُ له ربٌّ كريمٌ يركَنُ إليه، ودِينٌ يهتَدِي به، وشريعةٌ يأخُذُ بها؛ فيعلمُ أنَّ في المِحَن مِنَحًا، وأن بعد العُسر يُسْرًا، وأن الشدائِدَ لا تدُوم، وأنَّ اللهَ -تعالى- يمنحُ العبدَ قوَّةً تُوَطِّنُه عليها، وتُكيِّفُه معها، فيألَفُها ويتعايشُ معها، ناهِيكم عن احتِسابِ المُؤمنِ فيها، وما ينتظِرُه من الأَجْرِ عليها إذا لم يَجزَعْ فيها؛ فيزيدُ أجرُه بالصبرِ والحمدِ والرضا؛ (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)[آلِ عِمْرَانَ: 120].

 

أيُّها الصابِرون: إنَّ الشدائِدَ تصنعُ الرجالَ، وتُظهِرُ الأبطالَ، والمُؤمنُ الصادقُ لا يستكينُ للحادِثاتِ، ولا يضعَفُ أمامَ المُلمَّاتِ؛ بل يصبرُ ويتحمَّلُ في عزمِ وحزمِ الأقوياءِ. قُدوتُه في ذلك: إمامُ الصابِرينَ، وسيدُ المُتوكِّلينَ؛ سيدُنا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد حلَّ به وبأصحابِه من الشدائِد والابتلاءاتِ ما تقشَعِرُّ له الأبدانُ؛ فما وهَنُوا وما ضعُفُوا وما استكانُوا، بل قابَلُوا كلَّ خَطْبٍ وهولٍ بصبرٍ وثباتٍ؛ (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)[آلِ عِمْرَانَ: 173].

 

فاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- جعلَ الابتلاءَ لعبادِه حتى يميزَ الخبيثَ مِنَ الطيِّبِ، ومَنْ يتَّقِي ويصبِر ممَّن يتبرَّم من قضائِه ويعترِض؛ فالصبرُ على البلاء -أيُّها المؤمنون- عبادةٌ خفيَّةٌ لا يراها الناسُ، ولكنَّ اللهَ -جلَّ في علاه- يراها، وكلما اشتدَّ البلاءُ عليكم، ووجدتُم في قلوبِكم قُدرةً وقوَّةً على تحمُّله والصبرِ عليه؛ أتى الفرجُ مِنَ اللهِ -سبحانه وتعالى-.

 

فإذا أحبَّ اللهُ قومًا ابتلاهم ليُطهِّرهم، ويرفعَ من درجاتهم، ويُؤنِسَهم بالقُرب منه. قال -عليه الصلاة والسلام-: "إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم"؛ فهذه المعاني العظيمةُ الجليلةُ تُوَلِّدُ ثقةً مُطلقةً بالله، فتمتلِئُ القلوبُ رِضًا وصبرًا جميلًا، فلا يَحزُنُنا تقلُّبُ الذين كفَرُوا في البلاد؛ فإنهم مَهمَا علَوا وطغَوا وتجبَّرُوا، لن يَصِلُوا إلى مطامِعهم وأهدافِهم؛ فاللهُ هو القويُّ الذي لا يُغلَب؛ (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[يُوسُفَ: 21].

 

فلا تنظُروا لأقدارِ اللهِ الجارِيَةِ عليكم على أنَّها منعٌ وحرمانٌ؛ بَلْ هي لُطفٌ مِنَ الكريمِ الحنَّانِ المنَّانِ، وحكمةٌ وعطاءٌ وأمانٌ، فلا يقضي اللهُ قضاءً إلا وهو خيرٌ لكم؛ قد يؤلمكم ويحزنكم، ويُخفي في طياتِه الخيرَ الكثيرَ؛ (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)[النِّسَاءِ: 19].

 

فالفرَجُ -أيُّها المسلمون- يأتي في أحلَكِ لحظةٍ، والتي تسبِقُ اليأسَ بقليلٍ؛ فيأتي الفرَجُ والفرَحُ أكبرَ مما نتوقَّع، وأجملَ ممَّا كنا ندعُو ونصبُو؛ يُذهِلُنا بحجمِه وكثرتِه، ويُنسِينا الآلامَ والأوجاعَ والآهاتِ. فمَنْ رحَل؛ رحَل إلى ربٍّ كريمٍ، صابرًا مرابطًا يتنعم في جنات النعيم.

 

أيُّها المُرابِطون: إنَّ انتِظارَ المُؤمنِ فرَجَ اللهِ هو أملٌ في اللهِ كبيرٌ؛ فالأملُ معقودٌ على الله -عز وجل- وَحدَه، وأنَّ الكونَ -بما حواه- في قبضةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- محكومٌ بيدِه؛ وأنَّ مِنْ وراءِ حدودِ الواقعِ المنظُورِ مشيئةً ربانيةً مُطلقةً، لا يُعجِزُها شيءٌ، ولا يَصمُدُ أمامَ فرَجِها أيُّ قوةٍ، وإِنِ اجتمَعَ وتعاونَ عليها أهلُ الأرضِ قاطِبةً، فسيأتِي الفرَج؛ وهذا الفرَجُ ليس له حدٌّ أو سببٌ أو صورةٌ تكمُنُ في الحُسبانِ البشريِّ والحصرِ الذهنيِّ. فهو -سبحانه- سيُبطِلُ كيدَ المُجرمين المُعتدين، ويمرِّغُ أنوفَ الطُّغاةِ الظالمينَ، ويُذِلُّ رُؤوسَ المُنافِقين المُتواطِئين، فهو -سبحانه- في عُلاه- مزَّقَ شَمْلَ الجبابِرَة، ودمَّرَ سَدَّ مأرِبَ بِفَأْرَة، وأهلَكَ النُّمرودَ ببعوضَة، وبالطيرِ الأبابيلِ مزَّقَ جَسَدَ أَبْرَهَةَ.

 

أيُّها المسلمون: بالصبرِ والثَّباتِ تتحقَّقُ الغاياتُ، ونستشعِرُ بها معيَّةَ اللهِ؛ فتبُثُّ فينا الأملَ والاستِبشارَ، وتُقوِّي العزائِمَ في حالاتِ الضَّنْكِ والشِدَّةِ.

 

وقد كانت هذه الحقائِقُ واقعًا جليًّا في حِصارِ المُسلمينَ في شِعْبِ أبي طالبٍ؛ فثبَتُوا وصبَرُوا وسلَّموا بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه؛ إذ كابَدُوا المشقَّةَ والمُعاناةَ والمِحَنَ فيه؛ مِنْ مُقاطعةٍ اقتصاديَّةٍ واجتماعيَّةٍ شامِلَةٍ، وحربٍ نفسيَّةٍ ظالِمةٍ، وأذًى، وتضييقٍ، وجوعٍ وفاقَةٍ، ولكِنْ بالإيمانِ الصادقِ، واليقينِ القويِّ باللهِ وحدَه، والتوكلِّ عليه، واحتِسابِ الأجرِ والثوابِ مِنْ عندِه؛ جعلَهم يصبِرون، ويتحمَّلون، ويثبُتون وينتصِرون، فلم تَمْضِ سوى أعوامٍ قليلةٍ، حتى فتَحَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مكةَ فتحًا مُبينًا، وحرَّرَها من الأصنامِ والأوثانِ والطُّغيانِ، وما مضَى من الزمنِ إلا يسيرٌ، حتى فتَحَ اللهُ على أبي بكرٍ وعُمرَ فارسَ والرُّومَ.

 

أيُّها المسلمون: وكما يذوبُ ويتلاشى الهمُّ والغمُّ بالقُربِ مِنَ اللهِ، وصِدْقِ اللجوءِ إليه، ويتبدَّدُ بالاشتغالِ بعبادتِه والفرارِ إليه؛ فإنَّ ثمَّةَ أمورًا تُجدِّد قديمَ الأحزانِ، وتبعَثُ ميتَ الأشجانِ، وتَضِيقُ بها الصدورُ، وتتعقَّدُ بها الأمورُ، ويعيشُ الإنسانُ بسببِها بينَ همٍّ وغمٍّ، وانقِباضِ نفسٍ، وضَعْفِ عزمٍ؛ من ظنَّ بأنَّ علُوَّ أهلِ الباطلِ سيدُوم، ولن يَزُول؛ مع فَقْدِ نورِ الأمل، وموتِ روحِ التفاؤُل، والاشتغالِ بندبِ الحظِّ والشكوى، وسبِّ الحالِ باللسانِ -ولو على سبيل المثال-.

 

ألَا فلنَتَّقِ اللهَ -سبحانه وتعالى-؛ والحذرَ الحذرَ من أن يتملكَنا الحزنُ على فَوَاتِ شيءٍ من الدنيا؛ فإن الحَزنَ الأكبر، والهمَّ الأعظمَ، والغمَّ الأطَمَّ هو ما ينتظرُ الكفارَ والمنافقينَ والظالمينَ عندَ موتِهم ومِنْ بعدِ موتِهم؛ فيلقَونَ مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ما يُفزِعُهم، ويُذهِبُ ألبابَهم، ويُقطِّعُ قلوبَهم، ويُدخِلُهم نارًا، قال -تعالى-: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)[الْبَقَرَةِ: 126].

 

وأمَّا المُؤمنون الصادقون فحسبُهم مِنَ الحُزن ما قد يقعُ لهم من الدنيا؛ فيصبرون عليه، ويحتسبون؛ ثم يُبشَّرون بزوالِه في الدنيا عنهم، وعندَ الموتِ، فيَسلَمون منه إلى الأبدِ، ويبقى لهم الأجرُ والثوابُ، قال -تعالى-: (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[الْبَقَرَةِ: 38].

 

أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم؛ فيا فوزَ المُستغفِرين، استغفِرُوا اللهَ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِ المُرسَلينَ، سيِّدنا محمدٍ، وعلى آلهِ وأصحابِهِ أجمعينَ.

 

وبعدُ: لقد جعلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مكةَ والمدينةَ وبيتَ المقدسِ أفضلَ البِقاع؛ ففضَّلَ مكةَ والمدينةَ بحرَمَيْها، وفضَّلَ الشامَ ببيتِ المقدسِ، وبيتَ المقدسِ بالقُدسِ، والقُدسَ بمسجِدِها؛ مَسْرَى نبيِّها -صلى الله عليه وسلم-؛ عُرِجَ به إلى السماء من أرضِها، وصلَّى بالنبيِّين في مسجِدها.

 

أيُّها المُرابِطون: القُدسُ ريحانةٌ من الرياحينِ، ودُرَّةٌ نادِرةٌ، ولُؤلُؤةٌ غالِيةٌ، والأقصى زينتُها؛ فمَنْ دخلَ المسجِدَ الأقصى بقلبِه لا بقالِبِه، وبروحِه لا بِرَوَاحِهِ؛ يتلذَّذُ بالأنسِ باللهِ، والتسريَةِ بالقُربِ مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

 

إنَّ المسجِدَ الأقصى المُبارَكَ هو الشقيقُ الروحانيُّ، والمُتَمِّمُ القُدُسيُّ للمسجِدِ الحرام، فقد ربطَ الحقُّ -سبحانه وتعالى- بينَهما برباطٍ وثيقٍ في أزلِيَّةِ التقديرِ؛ فجَعَلَ مِنَ الكعبةِ المُشرَّفةِ منطلَقًا للأنوارِ، ومِنْ بيتِ المقدسِ مُستقرًّا للأسرارِ.

 

وتلك الأُخُوَّةُ المتينةُ بينَ المسجِدَين تغرِسُ في وجدانِ الأمةِ الإسلاميَّةِ عظَمةً تَمْلَأُ الآفاقَ؛ إذ يكتمِلُ جلالُ مكَّةَ في القلوبِ باستِحضارِ مهابةِ المسجِد الأقصى المُبارَكِ؛ بكونِه القِبلةَ الأُولى التي توجَّهَتْ إليها قلوبُ الأنبياءِ والمُرسَلينَ والمُؤمنينَ، والمِحرابَ الذي شهدَ تلاقِيَ ركبِ النبُوَّةِ في أعظمِ محفَلٍ عرفَه الوجودُ؛ فتعظيمُنا للمسجِد الأقصى جزءٌ أصيلٌ من تعظيمِنا للحرمِ المكيِّ والمسجِدِ النبويِّ، وعِزَّتُنا بمُقدَّساتِنا وحدةٌ واحدةٌ، تَجمَعُ بينَ البيتِ العتيقِ وبَيْتِ الْمَقدسِ في نسيجٍ من القداسةِ والخصوصيَّةِ الدينيةِ؛ وهذا يُورِثُنا الفخرَ والاعتِزازَ بهذا المسجدِ المُقدَّسِ وبأرضِه المُبارَكةِ.

 

ولْيَعْلَمِ العالَمُ أجمعُ أنَّ هذه الأمةَ هي الحارِسةُ لمسجِدها المُبارَك، والوارِثةُ لعهودِ الأنبياءِ، والمُؤتَمَنةُ على تلك الرابِطةِ التي وثَّقَها الوحيُّ الإلهيُّ، وامتدَّت بركاتُها في تلك الطائفةِ المنصورةِ التي اختصَّها الجنابُ النبويُّ الشريفُ بالبشارةِ والمديحِ والثناءِ.

 

ويجبُ على المسلمينَ في هذا الزمانِ أن يُبرِزوا قضيةَ بَيْتِ الْمَقدسِ والمسجدِ الأقصى المُبارَكِ في حياتِهم اليوميةِ؛ لتكونَ حيَّةً في قلوبِهم، وفي كتُبِهم، وفي كتاباتِهم وإعلامِهم، والأهمُّ في مناهِجِهم الدراسيَّةِ، وأنَّ بيتَ المقدسِ وما حولَه إنَّما هو أرضٌ مُقدَّسةٌ شريعةً وعقيدةً.

 

أَنزلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- هذا البيتَ منزلةً عاليةً رفيعةً، وجعلَ حبَّه والتعلُّقَ به في قلبِ كلِّ مُؤمنٍ ومُؤمنةٍ، وربطَه في رسالاتِه السماويةِ، وأورَثَه لرسولِنا -صلى الله عليه وسلم- ولأمَّته مِنْ بعدِه.

 

فيَحرُمُ التفريطُ به؛ فالتفريطُ بالمسجد الأقصى المُبارَك تفريطٌ بالدِّينِ، تفريطٌ بعقيدتِنا وشريعتِنا، فنحن المُرابِطون بالأمسِ واليومِ؛ لنُحافِظَ بوجودِنا فيها على التمسُّك في هذه الأرض، وعلى هويَّتِنا الإسلاميَّةِ؛ فالأقصى أقصانا، والمسجدُ مسجدُنا؛ لا تصِحُّ فيه صلاةُ غيرِنا، ولا يتَّسِعُ إلَّا لنا وحدَنا؛ عبادةً ورباطًا، وتعلُّقًا وحُبًّا؛ بِقَامَاتِنَا الراكِعة، وجِباهِنا الساجِدة، وأيادِينا المُتوضِّئَة على أرضِ هذا المسجدِ المُبارَكِ؛ الذي لا يقبَلُ إلَّا الأنفسَ الزكيَّةَ، والأجسادَ المُتطَهِّرَةَ، والألسُنَ الذاكِرةَ، والعقولَ الحافِظةَ لكتابِ ربِّها وسُنَّةِ نبيِّها -صلى الله عليه وسلم-.

 

والمُشارَكَةُ فيه لأيٍّ كان؛ مرفوضٌ شكلًا ومضمونًا وموضوعًا، مردودٌ أصلًا وفرعًا؛ لأنَّه وهمٌ وأحلامُ نائِمٍ.

 

مِنْ أَجْلِ ذلك سنبقَى مُرابِطينَ صابِرينَ مُحتسِبينَ، إلى أن يَقْضِيَ اللهُ أمرًا كان مفعولًا. وآخرُ دعواهم أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.

 

اللهمَّ ارحمنا بواسِع رحمتِك، وارفعَ عَنَّا البلاء. اللهمَّ اجبرُ كسرَنا، وأَطعِم جائِعَنا، واسقِ ظمآنا، واحْمِل حافِينا، واكسُ عارينا، وداوِ جرحانا، وارحم موتانا. اللهمَّ لُطفَك بشيوخٍ رُكَّعٍ، وأطفالٍ رُضَّعٍ، وزوجاتٍ رُمِّلْنَ، وأبناءٍ يُتِّمُوا.

 

اللهمَّ احفِظ المسجدَ الأقصى والمُرابِطينَ فيه؛ مسرى نبيِّكَ -عليه الصلاة والسلام-، وحصِّنْه بتحصينِكَ المتينِ؛ واجعْلُه في عنايتِكَ ورعايتِكَ، وحِرزِكَ وأمانِكَ وضمانِكَ، يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ. اللهمَّ اغفِر ذنوبَنا، واستُرْ عيوبَنا، وعافِ مُبتلانا، واشفِ مرضانا، وارحَمْ موتانا، وأطلِق سراحَ أسرانا.

 

عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90]، فاذكُروا اللهَ يذكُركم، واشكُروا على نعمِه يزِدكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلم ما تصنعونَ.

 

 

المرفقات

الصبر والثبات سبيل الفرج ونصرة المقدسات.doc

الصبر والثبات سبيل الفرج ونصرة المقدسات.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات