الأيام الفاضلة والعشر المباركة

الشيخ عبدالله البرح

2026-05-15 - 1447/11/28 2026-05-12 - 1447/11/25
عناصر الخطبة
1/منزلة عشر ذي الحجة 2/فضل العشر من ذي الحجة 3/الأعمال المشروعة في أيام العشر 4/هدي السلف الصالح وتعظيمهم للعمل في عشر ذي الحجة.

اقتباس

والمتأمل في سر التفضيل لهذه الأيام يجد أن ذلك يعود لاجتماع أمهات العبادة فيها؛ كما قال ابن حجر -رحمه الله-: "لأن فيها تجتمع الصلاة والصيام والصدقة والحج"، أي أن المسلم يستطيع أن يعيش فيها...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها المسلمون: إن الله -جل جلاله- لم يخلق الزمان عبثًا، ولم يجعل الأيام على درجة واحدة، بل جعل في العمر مواسم للخير، تتضاعف فيها الحسنات، وتُفتح فيها أبواب القربات، ليبقى العبد بين فرصةٍ يتدارك بها ما فاته، وميدانٍ يترقى فيه إلى رضوان ربه، ومن أعظم هذه المواسم التي تمرّ بنا كل عام: عشر ذي الحجة، أيامٌ أقسم الله بها في كتابه فقال: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)[الفجر: 1-2]؛ وقد ثبت عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن المراد بها عشر ذي الحجة، وهذا التفسير مبني على تعظيم الشرع لهذه الأيام، إذ لا يُقسم الله إلا بعظيم.

 

ثم جاء البيان النبوي ليجلي هذا المعنى بوضوح؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ"(رواه البخاري)، وهذا الحديث من أصرح ما يكون في بيان الفضل؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقل "أفضل" فقط، بل قال: "أحب إلى الله"، أي أن القرب فيها أعظم قبولًا وأجزل ثوابًا.

 

والمتأمل في سر التفضيل لهذه الأيام يجد أن ذلك يعود لاجتماع أمهات العبادة فيها؛ كما قال ابن حجر -رحمه الله-: "لأن فيها تجتمع الصلاة والصيام والصدقة والحج"، أي أن المسلم يستطيع أن يعيش فيها عبادة شاملة لا تتكرر في غيرها.

 

ومن فضائلها: أن فيها يوم عرفة، وقد قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ"(رواه مسلم)، وهذا يدل على سعة رحمة الله -تعالى-، وأن هذا اليوم يوم مغفرة وعتق من النار.

 

ومما زادها شرفا وفضلا: أن فيها يوم النحر الذي قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه: "أَعْظَمُ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ"(رواه أبو داود)، وسبب عظمته اجتماع شعيرة الأضحية مع ذكر الله وشكره في هذا اليوم المبارك، وفيه يظهر معنى الانقياد الكامل لله -تعالى-.

 

كما أن من المزايا التي حظيت به أيام العشر المباركة: أنها الأيام المعلومات التي يستحب فيها الإكثار من ذكر رب البريات؛ (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)[الحج: 28]، وقد فسرها ابن عباس -رضي الله عنهما- بأنها عشر ذي الحجة.

 

أيها المسلمون: إن إدراك فضل هذه الأيام لا يكون بالعلم وحده، بل بالعمل، وإلا صار العلم حجة على صاحبه، وقد يسأل البعض عن الأعمال التي يمكن أن يتقرب بها العبد إلى ربه في هذه العشر؟

 

والجواب: نجده في القرآن الكريم والسنة المطهرة، والحال الذي كان عليه سلف الأمة؛ ألا وإن من أعظم الأعمال التي ينبغي الاجتهاد فيها في عشر ذي الحجة:

أداء فريضة الحج، قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[آل عمران: 97]، والحج أعظم مظاهر العبودية.

 

ومنها: تكبير الله والإكثار من ذكره، قال -تعالى-: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)[البقرة:185]، وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يرفعون أصواتهم بالتكبير في أيام العشر حتى تعلو الأسواق.

 

ومنها: التزود من النوافل، يقول الله -جل في عليائه- في الحديث القدسي: "وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه"(رواه البخاري)، والمعنى: أن العبد إذا أكثر من الطاعات المستحبة بعد الفرائض، ارتقى إلى درجة القرب من الله -تعالى- حتى ينال محبة الله الخاصة؛ فإذا نالها تولى الله حفظه وتوفيقه في كل شؤونه؛ فلا يسمع إلا ما يرضي الله، ولا يتحرك إلا في طاعة الله، ويكون محفوظًا بتوفيق الله وتسديده.

 

ومنها: الصيام، وخاصة اليوم التاسع من ذي الحجة، وهو يوم عرفة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ"(رواه مسلم)، وهذا الحديث بين فضلًا عظيمًا لا يتكرر في غيره من الأيام؛ حيث جعل الله -تعالى- صيام يوم واحد سببًا لمغفرة ذنوب سنتين كاملتين؛ سنة ماضية وسنة قادمة، وهذا من كرم الله وجوده، ولهذا كان السلف -رحمهم الله- يعظمون هذا اليوم، ويحرصون على صيامه لمن لم يكن حاجًا، لما فيه من تعظيم الشعيرة واستجلاب المغفرة؛ فهو يوم يجتمع فيه شرف الزمان، وشرف العبادة، وسعة المغفرة.

 

ومنها: التوبة والاستغفار، قال -تعالى-: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا)[النور: 31]؛ فباب التوبة مفتوح دائمًا، وفي السنة قوله -صلى الله عليه وسلم-: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ"(رواه مسلم)، وفي الحديث بيان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يكثر من التوبة والاستغفار؛ فكيف بغيره من العباد؟ ويزداد هذا المعنى تأكيدًا في عشر ذي الحجة؛ لأنها أيام نفحات ومغفرة؛ فيكون الإقبال على التوبة فيها أعظم، والرجوع إلى الله فيها أرجى للقبول والرحمة.

 

ومنها: قراءة القرآن، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ (الم) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ"(رواه الترمذي)؛ وهذا الحديث يبين عِظم أجر قراءة القرآن وأن الحرف الواحد يُضاعف إلى عشر حسنات في سائر الأيام؛ فيكون في هذه العشر أدعى لرفع الدرجات ومحو السيئات.

 

ومنها: الصدقة، قال -تعالى-: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ)[البقرة: 261]؛ والصدقة من أعظم العمل الصالح الذي حث عليه النبي الكريم في هذه العشر؛ فإذا اجتمع فضل الصدقة مع فضل الزمان كان الأجر أعظم وأرجى للقبول، وكانت سببًا لمضاعفة البركة في المال وتزكية النفس.

 

ومنها: الأضحية، قال -تعالى-: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)[الكوثر: 2]، وهي رمز الفداء والتسليم؛ وفي الأضحية يظهر معنى العبودية الخالصة لله -تعالى-، حيث يقدم المسلم قربانه طاعةً وامتثالًا، وتعظيمًا لشعائر الله في هذه الأيام المباركة.

 

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

عباد الله: تلكم -بعضا- من فضائل عشر الحجة وما اختصها الله -تعالى- من المناقب والمزايا؛ فمن أراد أن يزداد معرفة في قيمة أيام عشر ذي الحجة؛ فليتأمل كيف كان حال السلف فيها؛ فقد كان سعيد بن جبير -رحمه الله-؛ إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا في العبادة، وكان يقول: "لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر"، كناية عن قيام الليل.

 

وكان ابن عمر وأبو هريرة -رضي الله عنهما- يخرجان في عشر ذي الحجة إلى السوق فيكبران؛ فيكبر الناس بتكبيرهما حتى تمتلئ الأسواق بالذكر.

 

وكان السلف إذا دخلت العشر تركوا كثيرًا من الدنيا، وأقبلوا على القرآن والصلاة والذكر.

 

وكان سفيان الثوري -رحمه الله-؛ يفرغ نفسه للعبادة والصيام والقيام.

 

وهذا كله امتثال لقوله -تعالى-: (ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحج:32]؛ فالعشر الأول من ذي الحجة من الشعائر الزمانية التي عظمها الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

ختاما -أيها المسلمون- هكذا كان السلف -رحمهم الله- في عشر ذي الحجة، حيث عرفوا لها قدرها وتسابقوا في الطاعات في أيامها؛ فاجتهدوا فيها في شتى أبواب الخيرات، ونافسوا في جميع القربات، ولا تضيعوها فتندموا يوم لا ينفع الندم.

 

وصلوا على نبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم-، فقد أمركم الله بذلك فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

اللهم اجعلنا فيها من المقبولين، ولا تجعلنا فيها من المحرومين، واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

المرفقات

الأيام الفاضلة والعشر المباركة.doc

الأيام الفاضلة والعشر المباركة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات