عناصر الخطبة
1/نسائم رمضان روح وريحان 2/وصية ناصح مشفق لاغتنام خير الشهور 3/خطوات عملية لنيل خيرات رمضان 4/بعض فضائل رمضان 5/المعنى الحقيقي للصياماقتباس
رَمَضَانُ مَدْرَسَةُ الطَّاعَةِ، وَمَيْدَانُ الِاسْتِقَامَةِ، وَمِحْرَابُ التَّزْكِيَةِ، مَدْرَسَتُكَ لِضَبْطِ تَصَرُّفَاتِكَ، وَخَلْقِ تَوَازُنِكَ، فُرْصَتُكَ لِتَرْبِيَةِ نَفْسِكَ عَلَى بُلُوغِ الْكَمَالِ وَالْإِحْسَانِ، وَتَحْقِيقِ مُرَاقَبَةِ الْكَبِيرِ الْمَنَّانِ، فُرْصَتُكَ لِتَكُونَ قُدْوَةً صَالِحَةً لِأَهْلِكَ وَمُجْتَمَعِكَ، فَاقْتَرِبْ مِنْهُمْ لِتَمْنَحَهُمْ فُرْصَةَ الِاقْتِدَاءِ بِكَ...
الخطبة الأولى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ، وَفَتَحَ لَنَا أَبْوَابَ الرَّحَمَاتِ، وَجَعَلَ لَنَا فِي أَيَّامِهِ نَفَحَاتٍ، مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا سَعِدَ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا نَكِدَ.
أَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى جَزِيلِ عَطَائِهِ وَكَبِيرِ نَعْمَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: تَحَلَّوْا بِالتَّقْوَى؛ فَهِيَ زَادُ الْقُلُوبِ، وَنُورُ الدُّرُوبِ، وَاحْذَرُوا الْمَعَاصِيَ فَهِيَ مَجْلَبَةٌ لِلْكُرُوبِ وَدَاعِيَةٌ لِلْخُطُوبِ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: هَا هُوَ ضَيْفُكُمْ قَدْ هَبَّتْ نَسَائِمُهُ وَفَاحَ عَبِيرُهُ، خَيْرُ نَازِلٍ، وَأَفْضَلُ وَافِدٍ، وَأَكْرَمُ زَائِرٍ، الْقُلُوبُ لَهُ مُشْتَاقَةٌ وَالْأَرْوَاحُ لَهُ تَوَّاقَةٌ؛ فَانْتَظِرُوا قُدُومَهُ وَتَرَقَّبُوا وُصُولَهُ؛ فَالِانْتِظَارُ لَهُ طَاعَةٌ، وَحُسْنُ اسْتِقْبَالِهِ مُرُوءَةٌ.
عِبَادَ اللَّهِ: ضَيْفُكُمْ خَفِيفُ الظِّلِّ لَيْسَ بِالثَّقِيلِ، ضَيْفُكُمْ عَظِيمُ السَّجَايَا، كَرِيمُ الصِّفَاتِ، وَاسِعُ الْهِبَاتِ، هُوَ ضَيْفٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ كَالضُّيُوفِ، لَا يَأْتِيكُمْ لِحَاجَةٍ يَسُدُّهَا، أَوْ يَزُورُكُمْ لِمَسْأَلَةٍ يُرِيدُهَا؛ بَلْ ضَيْفٌ يُعْطِي وَلَا يَأْخُذُ، وَيَهَبُ وَلَا يَمُنُّ، وَيُسْعِدُ وَلَا يُنَكِّدُ؛ فَإِيَّاكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا مِنْهُ كَابُوسًا يَقْطَعُ لَذَّاتِكُمْ، أَوْ ثِقَلًا يُنَغِّصُ حَيَاتَكُمْ، وَيُغَيِّرُ عَادَاتِكُمْ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَبْرَحُوا أَمَاكِنَكُمْ مِنْهُ بِقَصْدِ الْعَمَلِ، أَوْ تَتْرُكُوا ثُغُورَكُمْ بِهَدَفِ السِّيَاحَةِ وَالسَّفَرِ؛ بَلْ هَيِّئُوا أَنْفُسَكُمْ وَشُدُّوا عَزَائِمَكُمْ، وَفَرِّغُوا أَوْقَاتَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَبِّكُمْ، وَاغْتَنِمُوا فَضَائِلَ شَهْرِكُمْ.
مَعَاشِرَ الْمُشْتَاقِينَ: شَهْرُكُمُ الْكَرِيمُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، لَيَالِيهِ فَضَائِلُ وَهِبَاتٌ، وَأَيَّامُهُ نَفَائِسُ وَأُعْطِيَاتٌ، وَأَوْقَاتُهُ رَحَمَاتٌ وَمَكْرُمَاتٌ؛ هُوَ شَهْرُ مَعْرُوفٍ وَإِحْسَانٍ؛ فَكَمْ ضَمَّدَ مِنْ جِرَاحٍ! وَكَمْ وَاسَى مِنْ مُبْتَلًى! وَكَمْ جَبَرَ مِنْ مُصَابٍ!
كَمْ قَلْبٍ مَكْسُورٍ لَأَمَهُ! وَخَاطِرٍ مَكْلُومٍ طَبَّبَهُ! كَمْ دَمْعَةِ حُزْنٍ مَسَحَهَا! وَلَحْظَةِ أَسَفٍ رَمَّمَهَا! وَكَمْ شِدَّةٍ رَفَعَهَا! وَكُرْبَةٍ فَرَّجَهَا! كَمْ فَقِيرٍ أَغْنَى! وَعَسِيرٍ يَسَّرَ! وَعَقَبَةٍ كَئُودٍ تَجَاوَزَ!
ضَيْفُكُمْ؛ كَمْ مَظْلُومٍ نَصَرَهُ! وَقَيْدِ أَسِيرٍ كَسَرَهُ! وَزِنْزَانَةِ مَقْهُورٍ فَتَحَهَا! وَأَيْدٍ مَغْلُولَةٍ فَكَّهَا!
رَمَضَانُ؛ كَمْ أَيْقَظَ مِنْ غَافِلٍ! وَقَوَّمَ مِنْ مُعْوَجٍّ! وَقَبِلَ مِنْ تَائِبٍ! وَهَدَى مِنْ ضَالٍّ! كَمْ عَثْرَةٍ أَقَالَهَا! وَزَلَّةٍ سَتَرَهَا! وَذُنُوبٍ غَفَرَهَا!
عِبَادَ اللَّهِ: رَمَضَانُ هُوَ الْوَاحَةُ الْخَضْرَاءُ الَّتِي يَفِيءُ إِلَيْهَا الْمُشْتَاقُونَ، وَالْحَدِيقَةُ الْغَنَّاءُ الَّتِي يَمِيلُ إِلَى ظِلَالِهَا التَّالُونَ، وَيَسْتَنْشِقُ مِنْ عَبِيرِهَا الْمُتَهَجِّدُونَ، إِنَّهُ الْبُسْتَانُ الَّذِي يُجْنَى مِنْهُ أَطَايِبُ الْفَوَاكِهِ، وَيُقْطَفُ مِنْهُ أَجْوَدُ الثَّمَرِ، وَالْمَنْهَلُ الْعَذْبُ الَّذِي يَرْوِي الْأَرْوَاحَ مِنَ الْمَعِينِ الزُّلَالِ.
ضَيْفُنَا، مَيْدَانُ سِبَاقٍ وَمِضْمَارُ لِحَاقٍ، أَلَا لَهُ فَشَمِّرُوا، وَمِنْ مَوَائِدِهِ فَاغْتَنِمُوا، وَفِي قُرُبَاتِهِ تَنَافَسُوا، وَعَلَى فَضَائِلِهِ تَسَابَقُوا؛ (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)[الْمُطَفِّفِينَ: 26]، وَإِيَّاكُمْ وَتَضْيِيعَهُ؛ فَالْمُفَرِّطُ فِيهِ خَاسِرٌ، وَالْغَافِلُ مَعَهُ مَغْبُونٌ، فَتَرِبَتْ يَدَاهُ وَخَابَتْ، وَثَكِلَتْهُ أُمُّهُ وَنَاحَتْ.
عِبَادَ اللَّهِ: دُونَكُمْ رَمَضَانَ، اعْمُرُوا قُلُوبَكُمْ فِيهِ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَوْقِيرِ نَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، سَلِّمُوا لِرَبِّكُمُ الْأَمْرَ، وَفَوِّضُوهُ التَّدْبِيرَ، وَاحْذَرُوا أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْهِمَا هَوَى نَفْسٍ أَوْ رَأْيَ عَبْدٍ.
تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَعُودُوا إِلَى رُشْدِكُمْ، وَانْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ، قَبْلَ سَفَرٍ بِلَا رَجْعَةٍ، وَرَحِيلٍ بِلَا عَوْدَةٍ؛ (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا)[الْمُؤْمِنُونَ: 99-100]، تَمَسَّكُوا بِشَرِيعَةِ رَبِّكُمْ، وَأَقِيمُوا الْعَدْلَ بَيْنَكُمْ، تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَالْزَمُوا الصَّبْرَ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ.
طَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ مِنْ أَدْرَانِهَا، وَأَفْكَارَكُمْ مِنْ لَوْثَتِهَا، حَتَّى تَتَهَيَّئُوا لِنَفَحَاتِ الرَّحْمَنِ وَهِبَاتِهِ، وَتَكُونُوا أَهْلًا فِي شَهْرِهِ لِمَكْرُمَاتِهِ وَأُعْطِيَاتِهِ؛ "فَاللَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ"(صَحِيحُ مُسْلِمٍ).
عِبَادَ اللَّهِ: دُونَكُمْ رَمَضَانَ لِمَنْ فِي صَلَاتِهِ تَهَاوَنَ، وَعَنْ جَمَاعَتِهَا تَغَافَلَ، إِلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، فَلَا أَرْكَانَهَا أَقَامُوا، وَلَا لِهَيْئَتِهَا أَحْسَنُوا، فَاحْذَرُوا تَشْتَكِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ "ضَيَّعَكَ اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي"(مُعْجَمُ الطَّبَرَانِيِّ).
عِبَادَ اللَّهِ: دُونَكُمُ الْقُرْآنَ فَهَذَا شَهْرُهُ، اقْرَؤُوا آيَاتِهِ، وَتَدَبَّرُوا مَعَانِيَهُ، وَطَبِّقُوا أَحْكَامَهُ، وَالْتَزِمُوا تَوْجِيهَاتِهِ، عِيشُوهُ رُوحًا وَفِكْرًا وَسُلُوكًا؛ لِتَكْسِبُوا رُوحَانِيَّةً تَتَجَدَّدُ مَعَ لَحَظَاتِ الشَّهْرِ الْكَرِيمِ؛ (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[الْبَقَرَةِ: 185].
لَا تَشْغَلْكُمْ تِجَارَاتُكُمْ، وَلَا تَمْنَعْكُمْ مَوَائِدُكُمْ، وَلَا تُلْهِيَنَّكُمْ أَسْوَاقُكُمْ، وَلَا تَصُدَّنَّكُمْ بَرَامِجُ الشَّاشَاتِ عَنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَالْقِيَامِ، فَهَذَا زَمَنُهَا الْمُبَارَكُ؛ قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ خَاشِعِينَ، وَعِيشُوا رُوحَانِيَّةَ شَهْرِكُمْ مَعَ أَئِمَّتِكُمْ فِي الْمَحَارِيبِ مُتَهَجِّدِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: ابْذُلُوا الْمَعْرُوفَ فَهَذَا حَالُهُ، وَتَلَبَّسُوا الْجُودَ فَهَذَا مَكَانُهُ؛ فَنَبِيُّكُمْ "كَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ"(صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ)، أَرْخُوا أَيْدِيَكُمْ بِالْعَطَاءِ، وَعَوِّدُوهَا السَّخَاءَ، فَالصَّدَقَةُ لَكُمْ نَجَاةٌ، وَلِلْمُعْسِرِينَ جَبْرٌ، وَفِي أَمْوَالِكُمْ خَلَفٌ، وَمِنَ اللَّهِ الْعِوَضُ؛ (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)[طَهَ: 131].
هَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ؟ وَهَلْ سَمِعْتُمْ أَنَّ صَدَقَاتِ الْخَفَاءِ تَدْفَعُ الضَّرَّاءَ، وَتَرْفَعُ الدَّاءَ، وَأَنَّ صَنَائِعَ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَتَقِي أَهْوَالَ الْحُتُوفِ؟ فَتَفَقَّدُوا بِالْعَطَايَا جِيرَانَكُمْ وَأَصْدِقَاءَكُمْ، وَصِلُوا بِالْإِحْسَانِ أَرْحَامَكُمْ وَأَقَارِبَكُمْ، وَانْظُرُوا إِلَى الْمَنْكُوبِينَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، أَشْعِرُوهُمْ بِأَنَّهُمْ مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنْهُمْ، أَبْرِزُوا لَهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَالْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةٌ. وَإِيَّاكُمْ وَالْغُفُولَ عَنْ شَرِيحَةٍ فِي مُجْتَمَعِنَا غَالِيَةٍ: كِبَارِ السِّنِّ، وَالْمَرْضَى، بِزِيَارَةٍ لَطِيفَةٍ وَمُوَاسَاةٍ صَادِقَةٍ؛ فَقَدْ كَانَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ "يَزُورُ الْمَرْضَى وَيُوَاسِيهِمْ وَيَجْلِسُ عِنْدَهُمْ وَيُخَفِّفُ عَنْهُمْ".
تَذَكَّرُوا أَنَّ مُبْتَلَى الْيَوْمِ بِالنِّقَمِ كَانَ بِالْأَمْسِ فِي النِّعَمِ، فَالْأَيَّامُ دُوَلٌ، وَالْأَحْوَالُ تَتَقَلَّبُ، وَالسَّعِيدُ مَنِ اعْتَبَرَ وَاتَّعَظَ؛ فَادْفَعُوا تَقَلُّبَ الْأَحْوَالِ بِشُكْرِ اللِّسَانِ وَبَذْلِ الْمَالِ، وَإِيَّاكُمْ وَأَثَرَةَ النَّفْسِ فَإِنَّهَا مُهْلِكَةٌ، وَاحْذَرُوا الْأَنَانِيَّةَ فَإِنَّهَا مُوبِقَةٌ؛ (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الْحَشْرِ: 9].
اعْلَمُوا أَنَّ قَانُونَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ أَنَّ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ، -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَمَنْ قَطَعَهَا، قَطَعَهُ اللَّهُ، وَأَنَّ اللَّهَ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
عَبْدَ اللَّهِ: رَمَضَانُ فُرْصَتُكَ لِكَبْحِ شَهَوَاتِكَ عَنِ الْحَرَامِ، وَجَوَارِحِكَ عَنِ الْآثَامِ، فُرْصَتُكَ لِتَرْوِيضِ نَفْسِكَ عَلَى الصَّبْرِ وَالْحِلْمِ، وَكَبْحِهَا عَنِ الْغَضَبِ وَالْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ؛ فَـ"الصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ"(صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ).
رَمَضَانُ مَدْرَسَةُ الطَّاعَةِ، وَمَيْدَانُ الِاسْتِقَامَةِ، وَمِحْرَابُ التَّزْكِيَةِ، مَدْرَسَتُكَ لِضَبْطِ تَصَرُّفَاتِكَ، وَخَلْقِ تَوَازُنِكَ، فُرْصَتُكَ لِتَرْبِيَةِ نَفْسِكَ عَلَى بُلُوغِ الْكَمَالِ وَالْإِحْسَانِ، وَتَحْقِيقِ مُرَاقَبَةِ الْكَبِيرِ الْمَنَّانِ، فُرْصَتُكَ لِتَكُونَ قُدْوَةً صَالِحَةً لِأَهْلِكَ وَمُجْتَمَعِكَ، فَاقْتَرِبْ مِنْهُمْ لِتَمْنَحَهُمْ فُرْصَةَ الِاقْتِدَاءِ بِكَ، وَتُعِينَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَتَزْرَعَ فِيهِمُ الْخَيْرَ وَتَغْرِسَ الْفَضِيلَةَ؛ فَـ"كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ..."(صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ).
قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ، وَلِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ...
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى؛ وَبَعْدُ:
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لِرَمَضَانَ عِنْدَ اللَّهِ فَضِيلَةٌ، وَلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِيزَةٌ؛ فَفِيهِ يُزَيِّنُ اللَّهُ جَنَّتَهُ وَيَقُولُ: "يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ الْمَئُونَةَ وَالْأَذَى ثُمَّ يَصِيرُوا إِلَيْكِ"(سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ).
وَهُوَ "شَهْرٌ تُصَفَّدُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، وَتُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ"(سُنَنُ النَّسَائِيِّ).
وَ"فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَمَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبٍ"(سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ).
"لِلَّهِ فِيهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَيُغْفَرُ لِلصَّائِمِينَ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْهُ"(سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ).
"وَتَسْتَغْفِرُ الْمَلَائِكَةُ لِلصَّائِمِينَ حَتَّى يُفْطِرُوا"(مُسْنَدُ أَحْمَدَ).
"وَلِلصَّائِمِ دَعْوَةٌ لَا تُرَدُّ"(سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ).
"وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ"(صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ).
"وَمَنْ صَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ - وَمَنْ قَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"(صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ).
وَمَعَ هَذِهِ الْفَضَائِلِ وَغَيْرِهَا -مَعَاشِرَ الْمُشْتَاقِينَ- كَيْفَ لِعَاقِلٍ أَنْ يَسْتَقْبِلَ رَمَضَانَ بِتَحْضِيرِ أَصْنَافِ الطَّعَامِ وَمُخْتَلِفِ الشَّرَابِ، وَفِي الْمُقَابِلِ لَا مُسْتَقْبِلَ لِمَوَائِدِ الْقُرْآنِ، وَلَا نِيَّةَ لِلُزُومِ بُيُوتِ الرَّحْمَنِ. أَلَيْسَ مِنَ الْمَعِيبِ -أَيُّهَا الْفَاضِلُ- أَنْ تُهَيِّئَ الْمَجَالِسَ وَتُعِدَّ الْمُخَيَّمَاتِ وَتُجَهِّزَ الشَّاشَاتِ، وَتَنْسَى الْمَصَاحِفَ أَنْ تُعَدَّ، وَالسَّجَاجِيدَ أَنْ تُمَدَّ، وَذِكْرَ اللَّهِ أَنْ يُعَدَّ! مَنْ لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانَ بِقَلْبٍ مُسْتَعِدٍّ، خَرَجَ مِنْهُ بِحَسْرَةٍ لَا تُحَدُّ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يَجِبُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ مَعْنَى الصَّوْمِ وَمَفْهُومَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِامْتِنَاعِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ، بَلْ هُوَ كَبْحُ النُّفُوسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا، وَضَبْطُ الْأَهْوَاءِ عَنْ رَغَبَاتِهَا؛ فَـ"مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"(صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ).
عِبَادَ اللَّهِ: رَمَضَانُ لَيْسَ شَهْرَ الْبُطُونِ، بَلْ شَهْرَ الْقُلُوبِ، وَلَيْسَ مَوْسِمَ الْمَوَائِدِ، بَلْ مَوْسِمَ التَّعَبُّدِ، رَمَضَانُ مَوْعِدُ تَصْفِيَةِ السَّرَائِرِ، وَتَزْكِيَةِ الضَّمَائِرِ، وَإِعَادَةِ صِيَاغَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى مَنْهَجِ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ.
خِتَامًا -أَيُّهَا الْمُشْتَاقُونَ لِرَمَضَانَ- كُونُوا لِضَيْفِكُمْ خَيْرَ مُضِيفٍ، تَغْنَمُوا بَرَكَتَهُ، وَتَظْفَرُوا بِعَطَائِهِ، وَتَخْرُجُوا مِنْهُ وَقَدْ كُتِبَتْ لَكُمْ حَيَاةٌ جَدِيدَةٌ.
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الشَّهْرَ لَنَا مَوْسِمًا لِلْخَيْرِ، وَطَرِيقًا لِلنَّجَاةِ، وَزَادًا لِلْآخِرَةِ، وَوَفِّقْنَا فِيهِ لِطَاعَتِكَ، وَوَفِّقْنَا لِأَنْ نُرْضِيَكَ، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الَّذِينَ تُزَكَّى نُفُوسُهُمْ، وَتُطَهَّرُ قُلُوبُهُمْ، وَيَعْلُو عَمَلُهُمْ، وَيُقْبَلُ دُعَاؤُهُمْ.
اللَّهُمَّ يَا وَاسِعَ الْمَغْفِرَةِ، يَا غَنِيُّ عَنِ الْعَالَمِينَ، اجْعَلْنَا فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ مِنَ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَكَ، وَاجْعَلْ صِيَامَنَا فِيهِ صِيَامَ الصَّادِقِينَ، وَقِيَامَنَا قِيَامَ الْقَانِتِينَ، وَذِكْرَنَا ذِكْرَ الذَّاكِرِينَ، وَقُلُوبَنَا خَاشِعَةً بَيْنَ يَدَيْكَ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ نُفُوسَنَا مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، وَنَقِّ قُلُوبَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، وَامْلَأْهَا نُورًا وَإِيمَانًا، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الَّذِينَ يَفْقَهُونَ كِتَابَكَ، وَيَعْمَلُونَ بِهِ، وَيُبَلِّغُونَ رِسَالَتَكَ بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ وَالْقُدْوَةِ الصَّالِحَةِ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم