عناصر الخطبة
1/مكانة الصلاة في الإسلام 2/التحذير من التهاون في صلاة الجماعة 3/وجوب أمر الزوجة والأولاد بالصلاةاقتباس
وكان -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يرسل الجيوش للقتال، ويأمرهم أن يتبينوا من حال الأعداء، فإذا سمعوهم يؤذنون تركوهم، وإن وجدوهم قد تركوا الصلاة قاتلوهم، ولذلك قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "آخر ما تفقدون من دينكم الصلاة...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحمد لله الذي قامت بعدله السماوات والأرض، الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله العليم بما تنطوي عليه الأفئدة وتُكِنُّه الصدور، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فحكم وأحكم، وكان خير من عدل وأرشد إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، ومن اتبع آثارهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين، أما بعد:
أيها المسلمون: إن الصلاة صلة بين العبد وبين ربه، وهي ركن من أركان الإسلام، وعليها تنبني ديانة المرء، فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن أضاعها فهو لما سواها أضيع، وبها يعرف المطيع من العاصي، ويفرق بين الكافر والمسلم؛ لذلك قال -صلوات الله وسلامه عليه-: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر"(أحمد وابن ماجه وصححه الألباني).
وكان -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يرسل الجيوش للقتال، ويأمرهم أن يتبينوا من حال الأعداء، فإذا سمعوهم يؤذنون تركوهم، وإن وجدوهم قد تركوا الصلاة قاتلوهم؛ ولذلك قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "آخر ما تفقدون من دينكم الصلاة"(مصنف ابن أبي شيبة)، وأي شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء.
إذا تقرر هذا، فاعلموا -رحمكم الله- أن الصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، وقد كان -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يتفقد الناس في الصلاة، فإذا سلم قال: "أين فلان؟ وأين فلان؟"، وقد قال ذات يوم: "لا يزال أناس يتأخرون حتى يؤخرهم الله"(رواه مسلم).
وقد تفقدهم ذات يوم فقام مغضبًا وقال: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد همَمْتُ أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة؛ فأحرق عليهم بيوتهم بالنار"(متفق عليه)، ولولا الأطفال والنساء لفعل ذلك -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، فالله -تعالى- هو الذي شرع الصلاة وشرع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ فـي النار.
واعلموا -رحمكم الله- أن الصلاة الكاملة صلاة الفريضة، هي ما كانت في جماعة، ومن لم يصلِّ على الجماعة فقد ارتكب معصيةً وأمرًا محرمًا، ويجب تغريبه وتعزيره وردعُه وهجرُه والتشنيع به؛ حتى يعاود الجماعة.
وقد قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهنّ؛ فإن الله شرع لنبيِّكم -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلِّف في بيته لتركتم سنةَ نبيِّكم، ولو تركتم سنة نبيِّكم لضللتم، وما من رجل يتطهَّر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد؛ إلا كتب الله له بكلِّ خُطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجةً، ويحطُّ عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصفّ"(أخرجه مسلم).
فاتقوا الله -عبادَ الله-، واعلموا أنكم خير أمة أخرجت للناس؛ لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتقيمون الصلاة؛ (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)[البقرة: 45].
نعم -أيها الإخوة- الصلاة كبيرة إلا على الخاشعين، وهي امتحان يمتحن الله به عباده؛ ليعلم من يطيعه ممن يطيع الشيطان، وهي صلة بين العبد وبين ربِّه، فبشرى للمصلين المخبتين، وويل للمصلِّين (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ)[الماعون: 5 - 7].
نسأل الله لنا ولكم العونَ والقوة والرحمة والغفران، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أبان الحجة وأوضح السبل وأرسل الرسل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه، أرسله إلى كافة الخلق بشيرًا ونذيرًا، فنصح الأمةَ وأرشدها، وبلغ الرسالةَ وعلَّمها، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الله فرض الصلاة وجعلها في خمسة أوقات في اليوم والليلة، ووزَّعها وبيَّن أوقاتها؛ ولذلك فمن غيَّرها عن أوقاتها يعدُّ متعديًا ظالمًا لنفسه باخسًا للصلاة، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر"(موطأ مالك)، فيجب أن تُصلى الصلوات في أوقاتها مع الجماعة، ومن تخلف عن ذلك فسينال جزاءه في الدنيا والآخرة.
ويجب على أئمة المساجد وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرهم ممن يهمهم أمر الإسلام والمسلمين، أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأن ينصحوا جميع من يتخلفون عن الصلوات، أو يتعاطون المنكرات، ويشددوا عليهم في النصح والتذكير والترغيب والترهيب؛ وبهذا تبرأ ذمتُهم، ويكونون قد أدوا ما عليهم من واجب.
واعلموا أن الدين النصيحة، وأنه يجب على كل فرد منا أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، على حدَّ قول الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"(رواه مسلم)، وهذا الأمرُ على الوجوب؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكر من واجباتِ الإيمان، ودعائمِ الإسلام، بالكتابِ والسنة وإجماع الأمة.
ووجوبُ ذلك بالشرعِ لا بالعقل، خلافًا للمعتزلة القائلين بأنَّه واجبٌ عقلًا، وإذا قلنا: إنَّ الأمر بالمعروفِ، والنهيَ عن المنكر واجبٌ، فذلك على الكفاية، مَن قام به أجزَأَه عن غيره؛ لقوله -تعالى-: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[آل عمران: 104].
ولوجوبه شرطان: أحدهما: العلمُ بكون ذلك الفعلِ مُنكَرًا أو معروفًا.
والثاني: القدرةُ على التغيير.
أما التغيير بالقلب فهو أن يكره ذلك الفعلَ بقلبه، ويعزمَ على أن لو قدَرَ على التغيير لغيَّره، وهو واجب على الدوام، وآخرُ خَصلَةٍ منَ الخصالِ المتعيِّنةِ على المؤمن في تغييرِ المُنكَر، وهي المعبَّرُ عنها في الحديث بأنَّها أضعفُ الإيمان، أي: خصالِ الإيمان، ولم يبق بعدها للمؤمنِ مرتبةٌ أخرى في تغيير المنكر.
واعلموا أنه يجب على الإنسان أن يأمر بالصلاة كل من يقدر على أمره، فيأمر زوجته بالصلاة، ويحضُّها بالرغبة أو بالرهبة، فإن أصرت على ترك الصلاة طلَّقها في أصح قول العلماء، ويأمر أبناءه وأسرته ومن يقدر عليه، وإن لم يفعل ذلك كان مقصِّرا، قال -تعالى-: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)[طه: 132].
وينبغي أن يُشنَّع بمن ترك الصلاة، وينفَّر عنه إذا أصرَّ على ذلك، ولا يُعدُّ ذلك نميمة؛ لأنه تحذير للناس من تركها.
فيا أيها المسلمون: إن من لم يحافظ على أركان الإسلام -وأهمها الصلاة- فإنه على خطر عظيم؛ (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا)[الإسراء: 72].
واعلموا أن يدَ الله على الجماعة، وأن من شذَّ شذَّ في النار، وأن أحسن الحديث كتاب الله، وأن خير الهدي هدي محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، واسألوا الله أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يوحِّد كلمتهم على الهدى والسداد، وأن ينصرهم على أعدائهم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم وحد كلمتهم وقيادتهم، اللهم ابعث لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهلُ معصيتك، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم اشف مرضانا ومرضاهم، وفرج كربهم، ويسر لهم أمورهم يا رب العالمين، اللهم ولِّ علينا خيارنا، وكفّ عنَّا شرارنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)[النحل: 90 - 91]، فاذكروا الله التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على فضله ومنّه وكرمه وجوده وإحسانه يذكركم ويزيدكم، ولذكر الله أكبر، والله خبير بما تخفون وما تعلمون.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم