عناصر الخطبة
1/تأملات في أخلاقيات الحروب بين الهدي النبوي وفي الواقع المعاصر.اقتباس
ومن أعظم أخلاقيات الحرب في الإسلام الرحمة والرفق، حتى في أحلك الظروف؛ الرحمة التي شملت الصديق والعدو، والمؤمن والمخالف؛ فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الغدر، وعن التمثيل بالقتلى، وعن...
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي خلق الإنسان وكرّمه، وجعل العدل ميزان الحياة، والرحمة أساس العمران، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في محكم تنزيله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[الأنبياء: 107]، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وقائد الغرّ المحجلين، وصاحب الخلق العظيم، الذي ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واستنّ بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا -عباد الله- أوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-؛ فهي زاد القلوب، ونجاة النفوس، وعصمة الأمم؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].
أيها المسلمون: حديثنا اليوم حديث الساعة، وموضوع خطبتنا يمسّ جراح الأمة، ويخاطب ضمير الإنسانية، ويكشف عن وجه من وجوه عظمة هذا الدين الذي شُوِّه ظلمًا، واتُّهم زورًا، وهو موضوع أخلاقيات الحرب في الهدي النبوي، وربطها بواقعنا المعاصر.
أيها الإخوة: منذ أن وُجد الإنسان وُجد الصراع، ومنذ أن عرف البشر الاختلاف عرفوا الحرب، لكن الفارق الكبير بين حضارة وحضارة، وبين أمة وأمة، ليس في وقوع الحرب، وإنما في أخلاق الحرب، وضوابطها، ومقاصدها؛ فالحروب في التاريخ الإنساني كثيرًا ما كانت سببًا للدمار، والاستعباد، وسفك الدماء بغير حق، وانتهاك الكرامة الإنسانية. أما في الإسلام؛ فإن الحرب ليست غاية في حد ذاتها؛ كما قال -تعالى-: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ)[البقرة: 216]؛ فالقتال تكرهه النفوس وتهابه، ولكن لا مفر منه حين تُغلق أبواب السلم، وتُنتهك الحرمات، ويُعتدى على الدين، أو النفس، أو الأرض، أو الكرامة؛ ولم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محبًّا للحرب، ولا طالب دم، بل كان يسعى ما استطاع إلى تجنبها، ويقدّم الصلح، ويحتمل الأذى، ويصبر على العدوان.
أيها المسلمون: إن من أعظم ما يميز أخلاقيات الحرب في الإسلام؛ أنها قائمة على النية الصالحة؛ فلا قتال في الإسلام من أجل الهيمنة، ولا لأجل الطمع، ولا بدافع الانتقام، ولا لتحقيق مصالح دنيوية ضيقة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"(متفق عليه)؛ فالقتال الذي لا يُراد به وجه الله، ولا تحقيق العدل، ولا رفع الظلم، ليس من الجهاد في شيء.
ومن أخلاقيات الحرب في الهدي النبوي عدم تمني لقاء العدو، فالإسلام لا يربّي أبناءه على حب القتال ولا على العنجهية، بل يربّيهم على حب العافية والسلام؛ يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا"(متفق عليه).
أيها الإخوة الكرام: ومن أعظم أخلاقيات الحرب في الإسلام الرحمة والرفق، حتى في أحلك الظروف؛ الرحمة التي شملت الصديق والعدو، والمؤمن والمخالف؛ فقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الغدر، وعن التمثيل بالقتلى، وعن قتل النساء والأطفال، وكبار السن، والرهبان، وكل من لا يشارك في القتال؛ وهذه المبادئ التي يتغنى بها العالم اليوم في الاتفاقيات الدولية، سبق إليها الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا؛ لكنها -ويا للأسف- بقيت في كثير من الأحيان حبرًا على ورق عند غير المسلمين.
أيها المسلمون: انظروا إلى واقعنا المعاصر؛ كم من حرب تُشنّ اليوم باسم الحرية، أو باسم الأمن، أو باسم المصالح الدولية، ثم تكون ضحيتها الأولى الأطفال، والنساء، والمدنيون الأبرياء؛ كم من مدن تُقصف، وكم من شعوب تُشرّد، وكم من دماء تُراق بلا حساب، ثم يُتهم الإسلام زورًا وبهتانًا بأنه دين عنف وإرهاب؛ والحق أن ما نراه اليوم من جرائم حرب، ومجازر، وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، لا يمتّ إلى أخلاقيات الإسلام بصلة، بل هو نتيجة غياب القيم، وانهيار الضمير الإنساني، وسيطرة منطق القوة بدل قوة الحق.
ومن أخلاقيات الحرب في الهدي النبوي الوفاء بالعهود والمواثيق؛ فالوفاء قيمة أصيلة في الإسلام لا تسقط حتى في زمن الحرب؛ وقد ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثلة في الالتزام بالعهود، حتى مع أعدائه؛ ففي غزوة بدر امتنع عن إشراك بعض الصحابة في القتال وفاءً بعهد قطعوه للمشركين؛ وخاطبه الله بقوله: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)[الأنفال: 58].
وفي واقعنا اليوم نرى كيف تُنقض العهود، وتُداس الاتفاقيات، وتُستخدم القوانين الدولية بانتقائية فاضحة، تخدم القوي وتظلم الضعيف، وهنا تظهر حاجة البشرية إلى أخلاق الإسلام، لا كشعارات، بل كمنهج حياة.
عباد الله: ومن أخلاقيات الحرب في الإسلام حفظ كرامة الأسير؛ فالأسير في الإسلام له حقوق، حق الطعام، وحق المأوى، وحق المعاملة الإنسانية، وحرمة التعذيب، وحرية المعتقد؛ وقد عامل النبي -صلى الله عليه وسلم- أسرى بدر معاملة إنسانية راقية، فأين هذا مما نراه اليوم من سجون سرية، وتعذيب، وإهانة، وتجريد من الكرامة الإنسانية.
أيها المسلمون: ومن أخلاقيات الحرب في الإسلام تحريم الغلول، وتحريم استغلال الحرب للثراء أو النهب، قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[آل عمران: 161].
فالحرب في الإسلام ليست وسيلة للنهب، ولا لتكديس الثروات، ولا لتدمير مقدرات الشعوب. ومن أخلاقيات الحرب كذلك السعي الدائم إلى السلام متى ما كان ممكنًا، قال -تعالى-: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)[الأنفال: 61].
أيها الإخوة: إن أعظم مشهد يجسد أخلاقيات الحرب في الإسلام هو فتح مكة، يوم دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- منتصرًا، قادِرًا، ومعه القوة والحق، ومعه تاريخ طويل من الأذى، ومع ذلك قال كلمته الخالدة: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ"(رواه البيهقي).
أيها المسلمون: إن مسؤوليتنا اليوم كبيرة، مسؤولية فهم ديننا فهمًا صحيحًا، وتقديمه للعالم كما هو لا كما يُشوَّه، ومسؤولية تربية أبنائنا على أخلاق القوة لا قوة البطش، وعلى الشجاعة المقترنة بالرحمة.
عباد الله: إن أخلاقيات الحرب في الهدي النبوي ليست مجرد صفحات في كتب السيرة، ولا موضوعات للبحث الأكاديمي، بل هي منهج حياة، ورسالة عالمية، وشهادة على أن هذا الدين جاء ليحفظ الإنسان، حتى في أحلك الظروف.
فلنعد إلى هذه القيم، ولنحييها في أنفسنا، وفي أسرنا، وفي مجتمعاتنا؛ أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
عباد الله: إن أخلاقيات الحرب في الهدي النبوي ليست أحكاماً نظرية تُتلى في الكتب، ولا شعارات تُرفع في المؤتمرات، وإنما هي منهج عملي متكامل، لو التزمت به البشرية اليوم لانتهت كثير من المآسي، وتوقفت أنهار الدم، وحُفظت كرامة الإنسان مهما كان دينه أو لونه أو عرقه.
إن عالمنا المعاصر يشهد ازدواجية صارخة في المعايير؛ تُرفع شعارات حقوق الإنسان، بينما تُداس هذه الحقوق تحت جنازير الدبابات، وتُستخدم القوانين الدولية لتبرير الظلم لا لمنعه، ويُصنَّف القاتل قوياً، والمظلوم إرهابياً، ويُبرَّر العدوان إذا صدر من الأقوياء.
وفي خضم هذا الواقع المظلم، يبرز الهدي النبوي نوراً يهدي الحائرين، ويقدّم نموذجاً فريداً في إدارة الصراع دون أن يفقد الإنسان إنسانيته، ودون أن تسقط القيم تحت ضغط القوة. لقد علّمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن القوة الحقيقية ليست في إراقة الدماء؛ بل في ضبط النفس، والالتزام بالعدل، والقدرة على العفو عند المقدرة.
كما أن علينا واجباً عظيماً تجاه العالم: أن نُظهر الوجه الحقيقي للإسلام بسلوكنا قبل أقوالنا؛ فكم من معركة خسرها المسلمون أخلاقياً، رغم امتلاكهم حق الدفاع، بسبب تجاوزات فردية أو جماعية شوّهت الصورة وأضاعت المقاصد.
اللهم إنا نسألك أن تردّنا إلى دينك ردّاً جميلاً، وأن تصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن ترفع الظلم عن المظلومين في كل مكان، وأن تكفّ أيدي المعتدين، وأن تحقن الدماء، وأن تنشر العدل والسلام في الأرض.
اللهم انصر إخواننا المستضعفين، واشفِ جراحهم، واربط على قلوبهم، واجعل لنا ولهم من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً.
اللهم أصلح أحوال أمتنا، وارفع عنها البلاء، وانصر المظلومين في كل مكان، وألّف بين قلوب المسلمين، واهدِ البشرية إلى نور الحق والعدل.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود، فقد أمركم الله بالصلاة عليه؛ فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم