عناصر الخطبة
1/من علامات المؤمن الحق 2/خوف الصالحين من رب العالمين 3/تأملات في أحوال الخائفين 4/فضل المساهمة في بناء المساجد وعمارتها.اقتباس
وإذا كان هذا هو حال بعض أهل الكتاب؛ فما هو حال الصالحين من أمّة محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ فعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: "صَلَّى بِنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- صَلَاةَ الْفَجْرِ فَافْتَتَحَ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَرَأَهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَ (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)؛ بَكَى حَتَّى انْقَطَعَ فَرَكَعَ...
الخُطْبَة الأُولَى:
الحمد لله...
أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -تعالى- وَأَطِيعُوهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183].
الحمد لله أن دورةَ الفلكِ استدارت، وأن أبصرنا وعشنا مع رمضانَ من جديد. فما أجملَ استقبالَه بصفاءِ النفوس والمحافظة عَلَى الفَرَائِضِ، وإتباعها بِالنَّوَافِلِ، وملازمة المَسَاجِدَ، وإدمان القراءة في المَصَاحِف، وإطعام الطَّعَامَ، وَسقيا العَطْشَان، وَبذل الإِحْسَان والبِرِّ، وَاحْتَسِاب الأَجْر (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[البقرة: 110].
أيها الإخوة: المؤمن الحق هو من تُلازمه مع الطاعة الخشيةُ من الله -سبحانه وتعالى- والخشوع له -سبحانه-.. ورمضان فرصة عظيمة لتجديد تلك العبادة في النفس، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ»(صحيح الترغيب 1269).
وقال -تعالى-: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)[الحديد: 16]، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"(صحيح الترغيب: 1229).
وقال -تعالى-: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)[الإسراء: 106 - 109].
وذكر الله -تعالى- عن بعض أهل الكتاب قولَه: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ)[المائدة: 82- 84].
وإذا كان هذا هو حال بعض أهل الكتاب؛ فما هو حال الصالحين من أمّة محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ فعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: "صَلَّى بِنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ- صَلَاةَ الْفَجْرِ فَافْتَتَحَ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَرَأَهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَ (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)[يوسف: 84] بَكَى حَتَّى انْقَطَعَ فَرَكَعَ"(فضائل القرآن لأبي عبيد 137).
وعَنْ أَبِي الضُّحَى، حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقْرَأُ: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)[الأحزاب: 33]؛ فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ خِمَارَهَا ".
وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر -ابن أخي عائشة- قال: كنتُ إذا غدوتُ أبدأ ببيت عائشة أُسلِّمُ عليها؛ فغدوتُ يومًا فإذا هي قائمة تسبِّحُ وتقرأ: (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ)[الطور: 27]، وتدعو وتبكي وترددها، فقمتُ حتى مللتُ من القيام، فذهبتُ إلى السوق لحاجتي، ثم رجعتُ فإذا هي قائمةٌ كما هي تصلي وتبكي.
وعن مسروق قال: قال رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله، يركع ويسجد ويبكي (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)[الجاثية:21].
وعن الْبَرَاءِ بْن سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَقُولُ: مَا قَرَأَ ابْنُ عُمَرَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ قَطُّ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إِلَّا بَكَى (إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ)[البقرة: 284]، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَإِحْصَاءٌ شَدِيدٌ".
وعن نافع قال: كان ابنُ عمر -رضي الله عنه- إذا قرأ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)[الحديد: 16]؛ بكى حتى يغلبه البكاء.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُقَيْلِ بْنِ شُمَيْرٍ الرِّيَاحِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَرِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَاءً بَارِدًا فَبَكَى فَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ؛ فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ -عز وجل-: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)[سبأ: 54]، قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّ أَهْلَ النَّارِ لَا يَشْتَهُونَ شَيْئًا إِلَّا الْمَاءَ الْبَارِدَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ -عز وجل-: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ)[الأعراف: 50].
وعَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، قَالَ: "لَمَّا تُوُفِّيَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ دَخَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى أُخْتِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرِينَا عَنْهُ. فَقَالَتْ: قَامَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ حم، فَلَمَّا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرَ كَاظِمِينَ)[غافر: 18]؛ فَمَا جَاوَزَهَا حَتَّى أَصْبَحَ".
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...
الخطبة الثانية:
عِبَادَ الله: من أجّل العبادات: العِنَايَةُ بِبُيُوتِ اَللَّهِ؛ وَالْمُسَاهَمَةِ فِي عِمَارَتِهَا، وَكَذَلِكَ العِنَايَةُ بكِتَابِ اَللَّهِ، وَالْمُسَاهَمَةُ فِي طِبَاعَتِهِ؛ (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)[التوبة: 18].
والعمارة حسية ومعنوية؛ وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وقال عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»(رَوَاهُ البُخَارِيُّ).
وَلَقَدْ جَعَلَتْ وِزَارَةُ الشُّؤُونِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فرصة لِأَهْلِ الْخَيْرِ للمساهمة في بِنَاءِ المَسَاجِدِ، وَالعِنَايَةِ بِهَا؛ كُلٌ عَلَى حَسَبِهِ عَبْرَ مَنَصَّةِ «إِحْسَانٍ» فَجَعَلَتْ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، ِ مَجَالًا لِلْمُسَاهَمَةِ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَطِبَاعَةِ كِتَابِ اللَّهِ.
تقبل الله منا ومنكم وبارك لنا وإياكم شهرنا، وأعاننا فيه على الصيام والقيام إنّه سميع مجيب.
التعليقات