عناصر الخطبة
1/فوائد وعظات من قصة الخليل إبراهيم عليه السلام 2/دروس من دعوات الخليل إبراهيم عليه السلاماقتباس
إنها مِنَ القصصِ التي تفيضُ بمعاني الإيمانِ باللهِ، وصدقِ العبوديَّةِ لهُ، وكمالِ التسليمِ لأمرِه؛ ففي الموقفِ الأولِ مِنَ القصةِ؛ يَسْتَوْقِفُكَ ذلكم الامتثالُ العجيبُ لأمرِ اللهِ من خليلِه إبراهيمَ -عليه السلام- بإيمانٍ راسِخٍ ويقينٍ ثابتٍ، لا تهُزُّهُ خَلَجَاتُ النفسِ وخَطَرَاتُهَا، ويُدْهِشُكَ كذلك التسليمُ لحكمِ اللهِ من هاجرَ -عليها السلام-...
الخطبة الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ؛ نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا. مَنْ يهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71].
أمَّا بعدُ: فأُوصِي نفسي وإيَّاكم بتقوَى اللهِ؛ التي هي أجلُّ ما عُمِرَتْ به السَّرَائِرُ، وأجملُ ما تزيَّنَتْ به الظَّوَاهِرُ، إنها أقربُ الوسائِلِ لنَيْلِ الفضائلِ، وأعظمُ الأسبابِ؛ (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ في الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)[الْبَقَرَةِ: 197].
إخوةَ الإيمانِ: إنَّ فيما أَودَعَ اللهُ -جلَّ شأنُه- في كتابِه العظيمِ من قصصِ الأنبياءِ والمرسلينَ من صادقِ الأخبارِ؛ مَرْتَعًا خَصْبًا ومَنْبَعًا عَذْبًا يفيضُ بمواقفِ العِظَةِ والاعتبارِ؛ (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[يُوسُفَ: 111].
وإن مِن تلكم القصصِ القرآنيةِ والأخبارِ الربانيةِ؛ ما أشارَ إليه -سبحانَه- في شأنِ خليلِه إبراهيمَ -عليه وعلى نبيِّنا الصلاةُ والتسليمُ- مع هاجرَ وابنِها إسماعيلَ -عليهما السلام- بقولِه -جلَّ شأنُه-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ)[الْبَقَرَةِ: 126]، وبقولِه -سبحانه-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)[إِبْرَاهِيمَ: 35]؛ حين تركَهما بأمرِ اللهِ له في ذلك الوادِي الْمُوحِشِ الْقَفْرِ.
وفي تفصيلِ تلك الحادثةِ العجيبةِ التي أشارَ إليها القرآنُ؛ أخرجَ البخاريُّ وغيرُه عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حِينَ رَحَلَ بِهَاجَرَ وَابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ رَضِيعًا إِلَى مَكَّةَ بِأَمْرِ اللَّهِ لَهُ، وَضَعَهُمَا تَحْتَ دَوْحَةٍ عِنْدَ مَوْضِعِ الْبَيْتِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ مَاءٌ وَلَا أَحَدٌ، وَتَرَكَ لَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى مُنْطَلِقًا. فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ قَائِلَةً: "يَا إِبْرَاهِيمُ؛ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟"، قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. فَقَالَتْ لَهُ: "آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟"، قَالَ: "نَعَمْ". قَالَتْ: "إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا". ثُمَّ رَجَعَتْ. فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ ثَنِيَّةِ كَدَاءَ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ؛ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ التِي حَكَى اللَّهُ -سُبْحَانَهُ-: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)[إِبْرَاهِيمَ: 37].
ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بَعْدَ زَمَانٍ وَقَدْ شَبَّ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ، فَحِينَ جَاءَ وَجَدَ إِسْمَاعِيلَ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ. ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ. قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هُنَا بَيْتًا -وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا-. فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ؛ فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، وَهُمَا يَقُولَانِ كَمَا حَكَى اللَّهُ في تَنْزِيلِهِ: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[الْبَقَرَةِ: 127]، عليهما وعلى نبيِّنا الصلاةُ والسلامُ.
إنها مِنَ القصصِ التي تفيضُ بمعاني الإيمانِ باللهِ، وصدقِ العبوديَّةِ لهُ، وكمالِ التسليمِ لأمرِه؛ ففي الموقفِ الأولِ مِنَ القصةِ؛ يَسْتَوْقِفُكَ ذلكم الامتثالُ العجيبُ لأمرِ اللهِ من خليلِه إبراهيمَ -عليه السلام- بإيمانٍ راسِخٍ ويقينٍ ثابتٍ، لا تهُزُّهُ خَلَجَاتُ النفسِ وخَطَرَاتُهَا، ويُدْهِشُكَ كذلك التسليمُ لحكمِ اللهِ من هاجرَ -عليها السلام- بقلبٍ تملأُه الطمأنينةُ، وتغمُرُه الثقةُ باللهِ.
وكان ذلك تهيئةً من اللهِ -سبحانه- لبناءِ بيتِه المُعظَّمِ في ذلك الوادِي الْقَفْرِ، على يَدَيْ خليلِه إبراهيمَ وابنِه إسماعيلَ -عليهما السلام-؛ فقد جعلَ اللهُ بيتَه بعد ذلك مثابةً للناسِ وأمنًا، ومشعرًا من أَجَلِّ مشاعرِ التوحيدِ، ومعلمًا من أَجْلَى معالمِ إخلاصِ العبادةِ للهِ، وجعلَ أفئِدةً من الناسِ تهوي إليهم، ورزقَهم من الثمراتِ لعلَّهم يشكُرون؛ إجابةً منه -جلَّ شأنُه- لدعواتِ خليلِه -عليه السلام-.
وتُطْوَى الأيامُ والقُرونُ، وأذانُ خليلِ اللهِ -عليه السلام- يَصْدَحُ في كلّ بَادٍ وحَاضِرٍ: (وَأَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ)[الْحَجِّ: 27]، فها هي جموعُ الحُجَّاجِ وطلائعُ القاصِدين هذه الأيامَ تَفِدُ إليه مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ؛ لِيَشْهَدُوا منافعَ لهم، وليقضُوا مناسِكَهم، وليَطَّوَّفُوا بالبيتِ العتيقِ، يَفِدُونَ إلى هذه البقاعِ المُقدَّسةِ تُظلِّلُهم سحائِبُ السَّكِينةِ والإيمانِ، وتحُفُّهم نَسَائِمُ الدَّعَةِ والرخاءِ والأمانِ؛ (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)[الْبَقَرَةِ: 125].
بارَك اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعَنا بسُنَّةِ نبيِّه الكريمِ، عليه أتمُّ صلاةٍ وتسليمٍ. أقولُ هذا القولَ الذي سمِعْتُمْ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم؛ إنه هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ الذي لم يَزَلْ يُولِي إنعامًا وإحسانًا، وَيُرْدِفُ من لطائفِ آلائِه فضلًا وامتِنانًا، أَمَدَّكُمْ بصنوفِ النِّعَمِ كرمًا وَمَنًّا، وآتَاكم من جودِه أكثرَ مما يُتَمَنَّى، ومنحَكم من عطائِه ما يُوفِي على ما أردتموهُ؛ (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ)[إِبْرَاهِيمَ: 33-34].
وصلَّى اللهُ على سيِّدنا ونبيِّنا محمدٍ؛ خاتمِ رسُلِه وأنبيائِه، ومُبلِّغِ رسالاتِه وأنبائِه. وعلى آلهِ وصحبِه وأتباعِه وأوليائِه. وسلَّم عليهم أجمعين صلاةً وسلامًا باقيَين إلى يومِ الدينِ.
أما بعدُ؛ أمةَ الإسلامِ: فإنَّ من دروسِ تلك القصةِ وعِبَرِهَا؛ ما حكاه اللهُ عن خليلِه -عليه السلام- من تلك الدعواتِ الجليلاتِ التي خَتَمَ بِهَا تَيْنِك الموقفين. يَسْتَوْقِفُنا فيها تلك الروحُ الإيمانيةُ التي تفيضُ بالانكِسارِ للهِ وكمالِ الافتِقارِ إليهِ، وصدقِ عبوديَّتِه.
يتجلَّى ذلك في سؤالِ ربِّه العصمةَ من الشركِ وَخَدْشِ مرآةِ التوحيدِ؛ سؤالَ الضَّنِينِ بدينِه المُتبرِّئِ من حَوْلِهِ وقوَّتِه في قولِه: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[إِبْرَاهِيمَ: 35-36].
ويتجلَّى ذلك في سؤالِ اللهِ قَبُولَ العملِ حين رَفَعَ قواعدَ البيتِ؛ سؤالَ مَنْ لا يَعْتَدُّ بعملِه، ولا يَلْحَظُ إلَّا مِنَّةَ خالقِه فيه، ضارعًا إليهِ بطلبِ الاستِسلامِ إليه والتوبةِ عليهِ، في قولِه: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[الْبَقَرَةِ: 127-128].
كما تتجلَّى شفقتُه بذريَّتِه ومحبَّتُه لها وللمؤمنين، وصدقُ نصيحتِه لهم ولمن بعدهم؛ تحقيقًا لعبوديَّةِ اللهِ وتقديمًا لمُرادِه، في قولِه: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)[إِبْرَاهِيمَ: 37]، وفي قولِه: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)[إِبْرَاهِيمَ: 40-41]، وفي قولِه: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[الْبَقَرَةِ: 129].
إنها دعواتٌ تَلُوحُ منها أنوارُ الصدقِ مع اللهِ والانكسارِ له والإخباتِ إليهِ، ويَنْفَحُ منها عَبِيرُ القلبِ السليمِ في محبةِ الخيرِ للخلقِ والنصيحةِ لهم.
فاسْتَحْضِرُوا -معشرَ المؤمنينَ والمؤمناتِ- تلك المعانيَ العظيمةَ في هذه الأيامِ المباركاتِ التي شَرُفَ زمانُها، وأَثْمَرَتْ أغصانُها، وعَظُمَ قدرُها واسْتَتَمَّ بدرُها، فإن هذا الشهرَ الكريمَ اجتمَعَت فيه فضيلتانِ؛ فهو ثاني أشهرِ الحجِّ، وأولُ الأشهرِ الحُرُمِ المتواليةِ. فكيف إذا انضمَّ لذلك شرفُ المكانِ؟! كما اجتباكم اللهُ في هذه البقاعِ المُقدَّسةِ؛ فجمعَ لكم شرفَ المكانِ والزمانِ. تَتَفَيَّؤُونَ ظلالَ السَّكِينةِ والإيمانِ، وترتعون في رياضٍ مِنَ الرخاءِ والأمانِ. إنها مِنَ المِنَنِ العُظمى والنعمِ الجُلَّى، التي تستوجِبُ حمدَ اللهِ والثناءَ عليهِ، والدعاءَ لِوُلَاةِ أمرِ هذه البلادِ المُبارَكةِ بالتوفيقِ والتسديدِ والجزاءِ الأَتَمِّ في الدارَينِ.
فاللهمَّ اجزِهم كِفَاءَ ما يُقدِّمونه في سبيلِ خدمةِ الحرمين الشريفين والمسجِدَيْنِ المُقدَّسَيْنِ وقاصِديهِمَا الجزاءَ الأوفى في الدنيا والأُخرى.
ثم أَكْثِرُوا مِنَ الصلاةِ والسلامِ على خيرِ الخلقِ وسيِّدِ الأنامِ؛ قال -صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه-: "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ".
اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على سيِّدِ الأولينَ والآخرينَ ورحمتِكَ للعالمينَ، سيِّدِنا ونبيِّنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبِه أجمعينَ، وعن التابعينَ ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وعنَّا معهم بِمَنِّكَ وكرمِك وفضلِك يا أرحمَ الراحمين.
اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الكفرَ والكافرين. واجعل هذا البلدَ آمِنًا مُطمئنًّا مُبارَكًا يا ربَّ العالمين، وعُمَّ بذلك سائرَ بلادِ المسلمين.
اللهمَّ أصلِحْ أحوالَ المسلمينَ في كلِّ مكانٍ وزمانٍ يا ربَّ العالمين. اللهمَّ إنَّا نسألُك أن ترفعَ البأساءَ والضراءَ عن المُستضعَفين، وأن تنصُرَهم على عدوِّك وعدوِّهم يا ربَّ العالمينَ، يا قويُّ يا متينُ.
اللهمَّ احفَظ هذه البلادَ المُبارَكةَ؛ مَحْضِنَ الحرمين، ومَثْوَى سيِّدِ المرسلين، ومَهْوَى أفئِدَةِ المسلمين. اللهمَّ احفَظها بحفظِك وصُدَّ عنها كيدَ الكائِدين، ورُدَّ عنها مكرَ الماكِرينَ يا ربَّ العالمينَ. اللهمَّ احفَظ عُلماءَها وولاةَ أمرِها وحُرُمَاتِهَا ومُقدَّسَاتِهَا ومُقَدَّرَاتِهَا، وعقيدتَهَا ودينَهَا وأمنَهَا وإيمانَهَا يا ربَّ العالمين. اللهمَّ احفَظ حدودَهَا واحْرُسْ جنودَهَا يا ربَّ العالمين. اللهمَّ إنَّا نسألُك بأسمائِك الحُسنى وصفاتِك العُلَى أن تحفَظها بحِفْظِكَ يا ربَّ العالمينَ، وأن تحفَظ بلادَ المسلمين يا أكرمَ الأكرمينَ.
اللهمَّ احفَظ وليَّ أمرِنا خادمَ الحرمين الشريفين ووليَّ عهدِه بعنايتِكَ، واجعلهما في حِرْزِكَ ورعايتِكَ يا ربَّ العالمينَ. اللهمَّ وفِّقهما لما فيه الخيرُ والنفعُ والسَّدادُ، ولما فيه صالحُ العبادِ والبلادِ.
اللهمَّ إنَّا نسألُك من خيرِ ما تعلَمُ، ونعوذُ بك من شرِّ ما تعلَمُ، ونستغفِرُك لما تعلَمُ؛ إنك أنت عَلَّامُ الغيوبِ.
(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201].
عبادَ اللهِ: استديموا فضلَ ربِّكم بشكرِه، واحفَظوا نعمتَه باتباعِ أمرِه، والْهَجُوا بدعائِه وذكرِه؛ (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].
التعليقات