دروس من بدر وبين يدي العشر

د. منصور الصقعوب

2026-03-19 - 1447/09/30
عناصر الخطبة
1/غزوة بدر يوم الفرقان 2/استمرار الصراع بين الحق والباطل 3/ دروس وعِبَر من غزوة بدر 4/منهج في التعامل مع النوازل 5/اغتنام العشر الأواخر.

اقتباس

فغزوة بدر تُعلّمنا أن النصر لا يُنال بالقوة وحدها، بل بطاعة الله والتوكلِ عليه، واللجوء إليه في الشدائد، فإذا اشتدت الأزمات، واضطربت الأحوال، فإن العون يُطلَب من الله، ولا يَفخر المرءُ بقوته، ولا بكثرة جنده وعتاده، بل يستعين بالله ويتوكل عليه، فهو الناصر وحده....

الخطبةُ الأولَى:

 

إن الحمد للهِ؛ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد: قبل أكثر من ألفٍ وأربعمائة سنة، وفي مثل هذا اليوم من رمضان، كانت الأرض على موعدٍ مع يوم من أيام الله العظيمة، يومٍ غيَّر مجرى التاريخ، يومٍ سماه الله في كتابه غزوة بدر، وسماه في القرآن يوم الفرقان؛ يوم التقى فيه الحق والباطل، والنور والظلام.

 

 كان ذلكم اليومُ حين خرجَ النبيُ محمدٌ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- من المدينة المنورة ومعه ثلاثمائةٌ وبضعةَ عشر رجلاً من خيرة أصحابه، ليس معهم من العتاد إلا القليل، ولا من القوة إلا ما في قلوبهم من الإيمان بالله والثقة بوعده.

 

وفي المقابل خرجت قريشٌ من مكة بألف مقاتلٍ مدجّجين بالسلاح والعدة، يريدون الدفاع عن قافلتهم، وفي ضمن ذلك القضاء على هذا الدين في مهده. فخرجوا بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله.

 

والتقى الجمعان عند أرض بدر، وهناك وقف النبي -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- في موقفٍ عظيم، يرفع يديه إلى السماء يناجي ربه ويدعوه طويلاً، حتى سقط رداؤه من شدة التضرع وهو يقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبَد في الأرض"، حتى أشفق عليه أبو بكر، وقال: "يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك فإنه منجزٌ لك ما وعدك".

 

فاستجاب الله الدعاء، وأنزل النصر من عنده، وأمدّ المؤمنين بمددٍ من الملائكة، فكان النصرُ للمؤمنين رغم قلة العدد وضعف العتاد.

 

عباد الله: وليس بنا اليوم سرد خبر الغزاة ولا أحداثها، ولا دروسها، فذاك يتطلب خطباً، ولكن: إن من أعظم الدروس المستفادة من تلك الواقعة، أن المسلمين في الشدائد أحوج ما يكونون لربهم دعاءً وتوبة وإقبالاً، فبذلك ينصرون ويكبت عدوهم.

 

لقد كان جيشُ قريش أكثرَ عدة وعدداً، وأما المسلمون فاعتصموا بالقويّ، ولجأوا إلى مَن لا يُهزم جنده.

 

واليوم، ونحن نرى صراعاً من حولنا، والصواريخ تتخطف بلداناً قريبة منا، ونحن نرى حرباً تدور رحاها بين عدوين من أعداء المسلمين، كلٌّ منهما يريد أن يُوقع بلادنا في حمأتها، ولا ندري عن مآلاتها، وحقيقة مرادها ومقصدها، فإننا لعلى يقين أن القوة لله، وأنه -سبحانه- لا يهزم مَن ناصره ولا يقهر من احتمى به.

 

ولأجل ذلك: فكم نحتاج في هذه الحقبة إلى اللجوء لربنا أن يصرف عنا كيد الكائدين، وأن يحفظنا وبلادنا وبلاد المسلمين، وأن يباعدنا عن الحروب، ويحفظنا من الفتن، فالدعاء سلاح الأنبياء والصالحين، به يُكاد الأعداء، ويستدفع البلاء

 

وكذا يا كرام: فغزوة بدر تُعلّمنا أن النصر لا يُنال بالقوة وحدها، بل بطاعة الله والتوكلِ عليه، واللجوء إليه في الشدائد، فإذا اشتدت الأزمات، واضطربت الأحوال، فإن العون يُطلَب من الله، ولا يَفخر المرءُ بقوته، ولا بكثرة جنده وعتاده، بل يستعين بالله ويتوكل عليه، فهو الناصر وحده.

 

عباد الله: وبدر تُرسِّخُ في النفوس أن النصر يأتي حين يتحلى الناسُ بالطاعة لأئمتهم، وعدم منازعتهم، وهذا ما تجلى في مقولة المقداد -رضي الله عنه- للنبي -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- حيث قال: "يا رَسولَ اللَّهِ، والله لا نَقُولُ لكَ كما قالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إلَى بَرْك الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ، حَتَّى تَبْلُغَهُ".

عندها استبشر النبي -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- بهذه المقالة، وسُرِّي عنه.

 

وهكذا ينبغي للفئة المؤمنة حين تريد النصر، أن تجتمع القلوب، وتنبذ الخلاف، وتمتثل الطاعة لأئمتها وولاة أمرها في غير معصية.

 

عباد الله: واليوم يسعى أعداء المسلمين لتفريق وحدتنا وتشتيت شملنا، ونحن أحوج ما نكون لأن نشكر الله على ما أنعم علينا من نعمة الولاية وتحقيق التوحيد، ونعمةُ الأمن والاستقرار، وتلك نِعمٌ إن لم تُرْعَ فإنها قد تزول، وقد قال ربنا -سبحانه- ممتناً: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)[آل عمران: 103].

 

والأمن من الله، والخلق أسباب، وفي التنزيل: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)[قريش: 3- 4].

 

ومن شكر هذه النعمة: حفظها وعدم الإضرار بها، والبُعْد عن كل ما يزعزع الأمن أو يثير الفتن، من الشائعات، والسعي بالقالة بلا تثبُّت، وتلك أمور ربما أحدثت البلبلة والخوف بين الناس، ورحم الله شريحاً إذ قال: "إذا جاءت الفتن فلا تستخبر ولا تُخبر"؛ أي: لا تسأل عن الأخبار، ولا تكن هي حديثك، والجأ لما ينفعك، فالعبادة وقت الهرج كهجرة إلى النبي -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ-.

 

اللهم احفظنا والمسلمين من كيد الكائدين.

وأدم عليها الأمن والإيمان والسلامة والاستقرار.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده....

 

والعالم مِن حولنا يخوض، فإن ذلك لا يشغلنا عن شهرنا ومضي أيامه، فنحن يا كرام في غرة أيام العام، وكُلُّ ليلةٍ تُقوَّضُ خيام، وتطوى صحائف بما عملنا من خير أو تقصير.

 

وهذه أزمان الكنوز والأرباح، فيا غنيمة من استغل وسابق، فالعمر كله ماضٍ، وسريعٌ كسرعة أيام شهرك.

 

وحين تحلّ العشر الأواخر بأنوارها، فليتغير كل شيء، لأنها الفرصة الكبرى، والموسم الأبرز، والليالي الأشرف، فأرِ الله من نفسك فيها خيراً.

 

إن تَهيَّأ لك اعتكافٌ؛ فتلك سُنة المصطفى -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ-، وتكون في ضيافة الله، وتتفرغ من الشُّغل بغير الله، وهناك، بين جدران المسجد، تتقاصر اللذات عن لذة العبادة في تلك اللحظات.

 

وإن لم يتهيأ فاستغلها بكل خير تمكنه، لا يَفُوتك قيام ليلها، ففيها ليلة القدر، وأقبل على ربك بدعواتٍ أملت بها، وآياتٍ تقرأ بها، وصالحاتٍ تنهل بها، فما تدري، قد تكونُ سعادتك إلى يومِ أن تلقى ربك ستتهيأ لك في هذه الليالي.

 

قد تكون المغفرة ستكتب لك في إحدى هذه الليالي.

قد تكون دعوتُك التي تُلِحُّ بها منذُ زمن تنتظرك إجابتها في هذه الليالي الغُرّ.

 

ويكفيك أنك تعبد الله، وهل ثمة ما هو أشرفُ للعبد المحتاج من أن يعبد الله القوي الغني الكريم.

فإذا شرّفك ربك فأقامك وأعانك ووفقك للطاعة فاحمده -سبحانه-، ولا تُعجَبْ بعملك ولا تُدِلّ به، بل سَله التوفيق والقبول والرحمة والثبات.

 

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life