عناصر الخطبة
1/تحريم الشرع الحنيف للظلم والتحذير منه 2/بعض صور الظلم وعواقبه 3/وجوب المبادرة بالتوبة من الظلم والتحلل من المظلوم ورد المظالم 4/موقف من حياة الأسوة صلى الله عليه وسلم.اقتباس
ومن ظلم النفس: التفريط في الفرائض والطاعات، والتهاون بحدود الله، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)[الطلاق:1]؛ أي: التي حددها الله لعباده وشرعها لهم، وأمرهم بلزومها، والوقوف...
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرمًا، وأظل العادلين بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ العادلين وسيدُ الأولين والآخرين، -صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه- والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرا، أما بعد:
أيها الإخوة: اتقوا الله حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، ثم اعلموا أن الظلمَ من أعظم الذنوب وأشدها تحريمًا، وعُرِّفَ الظلم؛ بأنه أخذُ ما ليسَ للمرء أخذُه، أو أخذ شيءٍ منه، من مال أو عرض أو دم.
وحذر منه النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: أَشَدَ تَحْذِيرٍ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنِ رَبِهِ -تَبَارَكَ وَتعالى- أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا"(رواه مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ).
وَوصفه النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-بوصف شنيع؛ فَقَالَ: "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(رواه البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-)، أي: ظُلُمَاتٍ عَلَى صَاحِبِهِ لَا يَهْتَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبِيلًا حِيْنَ يَسْعَى نُورُ الْمُؤْمِنِينَ بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ.. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الظُّلُمَاتِ هُنَا الشَّدَائِدُ، وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْلَهُ -تعالى-: (قُلْ مَنْ يُنْجِيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ والبحر)؛ أَيْ شَدَائِدِهِمَا.
وقال ابن الجوزي -رَحِمَهُ اللهُ-: "الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ حق الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة والمعصية فيه أشد من غيرها، لأنه لا يقع غالبًا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار، وإنما ينشأ من ظلمة القلب لأنه لو استنار القلب بنور الهدى لاعتبر".
وقال الشيخ السعدي -رَحِمَهُ اللهُ-: "وأعظم الظلم، وأشده الإشراك بالله؛ كما قال -تعالى-: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان:13]؛ فهو أعظم الذنوب على الإطلاق، ولم يُعْصْ الله بمعصية أكبر ولا أعظم من الشِّرْك؛ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ"(رواه البخاري ومسلم).
وذلك أن العدل وَضْع الشيء في موضعه، والقيام بالحقوق الواجبة، والظلمُ عكسه فأعظم الحقوق وأوجبها؛ حق الله على عباده وذلك بأن يعرفوه ويعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، ثم القيام بأصول الإيمان، وشرائع الإسلام من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وحج البيت الحرام، والجهاد في سبيل الله قولًا وفعلًا، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.
ومن الظلم: الإخلال بشيء من ذلك؛ كما أن من العدل؛ القيام بحقوق النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- من الإيمان به ومحبته، وتقديمها على محبة النفس والخلق كلهم، وطاعته وتوقيره وتبجيله، وتقديم أمره وقوله على أمر غيره وقوله.
ومن الظلم العظيم: أن يُخِلَ العبدُ بشيء من حقوق النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأرحم بهم وأرأف بهم من كل أحد من الخلق، وهو الذي لم يصل إلى أحدٍ خيرٌ إلا على يديه.
أيها الإخوة: ومن الظلم كذلك: ظلمُ العبدِ لنفسه بارتكاب المعاصي؛ فالعاصي ظالمٌ لنفسه؛ حيث عرَّضها للحَدِّ أو التعزير في الدنيا، وإنْ ستَرَ الله عليه ولم يعاقَبْ في الدنيا، عرَّض نفسه لعذاب الآخرة؛ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[يونس:44].
ومن ظلم النفس: التفريط في الفرائض والطاعات، والتهاون بحدود الله، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)[الطلاق:1]؛ "أي: التي حددها الله لعباده وشرعها لهم، وأمرهم بلزومها، والوقوف معها ومن لم يقف معها، وتجاوزها، أو قصر عنها؛ (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)؛ أي: بخسها حظها، وأضاع نصيبه من اتباع حدود الله التي هي الصلاح في الدنيا والآخرة"(السعدي).
وقال -سبحانه-: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)[فاطر:32]؛ فالمقصود بالظالم لنفسه من فعل المعاصي دون الكفر.
ومن صور الظلم المحرَّم التي تهاون بها بعض الناس إما جهلًا بالحكم، أو تفريطًا وعدم مبالة: تقصير الموظف في مهامه وواجباته الوظيفية، واستغلاله لمنصبه بمصالحه الخاصة، وتعطيله لمصالح الناس.
وفي هذا ظلمٌ للنفس بأكل المال الحرام، وظلمٌ لغيره بتعطيل مصالحهم وحرمانهم من حقوقهم؛ فحري بالمسلم أن يؤدي الأمانة ويقوم بعمله خير قيام، وإن قصر في حقه، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: "أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ"(رواه أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وصححه الألباني).
للهم وفقنا للخير وجنبنا الشر وأسبابه.
الخطبة الثانية:
أيها الإخوة: ليسارع كل واحد منا للتوبة من الظلم، وردِّ المظالم، إلى أهلِها والتحلُّل من حقوقهم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ يَأتِيَ يَوْمٌ لَا يَكُونَ هُنَاكَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ"(رواه البخاري).
وبين النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- عظمة حقوق الخلق بعضهم من بعض، وأنَّ أداءها سيكون من جميع الخلق حتى ما كان بين البهائم فَقَالَ: "لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ"(رواه مسلم)؛ فمال بعضنا عن هذه التذكرة معرض وأيم الله إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون.
ولنا في رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- أسوة حسنة؛ فقد كان يُعَدِلُ صُفُوفَ أَصْحَابِهِ فِيِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَفِي يَدِهِ قِدْحٌ (السهم حين يبرى) يَعْدِلُ بِهِ الْقَوْمَ؛ فَمَرَّ بِسَوَادِ بْنِ غَزِيَّةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَهُوَ مُسْتَنْتِلٌ مِنَ الصَّفِّ (خارج) فَطَعَنَ رَسُولُ اللهِ فِي بَطْنِهِ بِالْقِدْحِ، وَقَالَ: اسْتَوِ يَا سَوَادُ؛ فَقال: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْجَعْتَنِي، وَقَدْ بَعَثَكَ اللهُ بِالْعَدْلِ، فَأَقِدْنِي، فَقال لَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-: "اسْتَقِدْ" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ طَعَنْتَنِي وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ؛ فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- عَنْ بَطْنِهِ وَقال: اسْتَقِدْ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَ بَطْنَهُ وقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ فَقال: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَادُ؟ فَقال: يَا رَسُولَ اللهِ، حَضَرَ مَا تَرَى؛ فَلَمْ آمَنِ الْقَتْلَ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْعَهْدِ بِكَ أَنْ يَمَسَّ جِلْدِي جِلْدَكَ؛ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- بِخَيْرٍ"(أخرجه ابن إسحاق وقال الألباني وهذا إسناد حسن).
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ وَكَانَ فِيهِ مِزَاحٌ بَيّنٌ يُضْحِكُهُمْ؛ فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ وفي (رواية بأصبعه) فَقَالَ: أَصْبِرْنِي أي (أقدني من نفسك) فَقَالَ: "اصْطَبِرْ"(استقد) قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ، "فَرَفَعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- عَنْ قَمِيصِهِ، فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ"(هو ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلفي)، قَالَ إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ"(صححه الألباني).
أسأل الله -تعالى- أن يجنبنا الظلم ويجعلنا راشدين.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.
التعليقات