الفرح: آدابه وبعض أحكامه

بندر بليلة

2026-03-22 - 1447/10/03
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/الإنسان مجبول على الفرح بما يسره 2/الفرح نوعان 3/الوصية بمداومة الصالحات وصوم ست من شوال

اقتباس

من الفرحِ المحمودِ: الفرحُ بإنجازِ العبادةِ وإتمامِ الطاعةِ؛ ومن ذلك عبادةُ الصيامِ في شهرِ القيامِ، فهو -أعني الفرحَ- من النعيم المُعجَّلِ للعبادِ في الدنيا قبلَ يومِ المعادِ؛ وذلك أنَّه يتضمَّن التوفيقَ والتأييدَ والتيسيرَ والتسديدَ...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ؛ الحمدُ للهِ الذي أَسبَغَ علينا نعمَه ظاهرةً وباطنةً. نحمدُه -سبحانَه- ونشكرُه على ما خصَّنا به من مِنَحٍ عامِرة، ومِنَنٍ وافِرَة؛ بلغَت بفضلِه وكرمِه الكثرةَ الكاثِرة.

 

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له؛ غمرَنا بعطاياه الواسعةِ وفيوضِه الساتِرة. وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه؛ أعظمُ نِعَمِ اللهِ الدائمة، وأجلُّ هباتِه الظاهرة. صلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلهِ وصحابتِه في الدنيا والآخرة.

 

أما بعدُ: فأُوصيكم -أيها الناسُ- ونفسي بتقوى الله؛ فاتقوا الله -رحمكم الله-، واشكروه على ما أكرمَكم به وأولاه، وافرَحوا بما خصَّكم به وأجراه؛ فالفرحُ عبادةٌ يتقرَّبُ بها العبدُ إلى ربِّه ومولاه.

 

عبادَ اللهِ: لقد جبَلَ اللهُ -تبارَك وتعالى- الإنسانَ على الفرحِ بالنِّعَمِ تُصيبُه، والخيرِ يَلحقُه. سواءً أكان ذلك من نِعَمِ الدنيا، كما قال -سبحانه-: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا)[الروم: 36]، أَمْ مِنْ نعيمِ الآخرةِ كما قال -سبحانه-: (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)[آل عمران: 170].

 

والفرحُ صفةُ كمالٍ، وهو من صفاتِ الله -جل وعلا- الفعليَّةِ التابعةِ لمشيئَتِه وإرادتِه؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ"(أخرجه مسلم).

 

وإذا كان هذا فرحَ الربِّ -تبارك وتعالى- بتوبةِ عبدِه من المعصية وإقلاعِه عن الخطيئة؛ فكيف بفرحِه -جلَّ وعلا- بأداءِ عبدِه للعبادة وإقبالِه عليه بالطاعة؟!

 

والفرحُ -عبادَ اللهِ- فَرَحَانِ: فرحٌ محمودٌ مطلوب، محبوبٌ مرغوب: وهو فرحُ الشكرِ والإذعان، والتواضُع والامتِنان بما أكرمَ اللهُ عبدَه وأنعمَ به عليه من خيرَي الدنيا والآخرة.

 

وفرحٌ مذمومٌ منبوذ، مبغوضٌ مرفوض: وهو فرحُ الكِبْرِ والبَطَر، والخُيَلاءِ والأَشَر. والفرحُ بمعصيةِ اللهِ -عياذًا بالله-؛ قال -تعالى-: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)[التوبة: 81].

 

ومن الفرحِ المحمودِ: فرحُ القلبِ بالله، بمعرِفتِه وبمحبَّتِه وبكلامِه؛ قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)[الرعد: 36]. قال الإمامُ ابنُ القيم -رحمه الله-: "فإذا كان أهلُ الكتابِ يفرحون بالوحي، فأولياءُ اللهِ وأتباعُ رسولِه -صلى الله عليه وسلم- أحقُّ بالفرحِ".

 

وقال -سبحانه-: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)[التوبة: 124].

 

وقال -سبحانه-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس: 57-58]. قال أهلُ التفسير: فضلُ اللهِ الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ.

 

ومن الفرحِ المحمودِ: الفرحُ بإنجازِ العبادةِ وإتمامِ الطاعةِ؛ ومن ذلك عبادةُ الصيامِ في شهرِ القيامِ، فهو -أعني الفرحَ- من النعيم المُعجَّلِ للعبادِ في الدنيا قبلَ يومِ المعادِ؛ وذلك أنَّه يتضمَّن التوفيقَ والتأييدَ والتيسيرَ والتسديدَ.

 

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ"(متفَق عليه).

 

وفرحةُ الصائمِ -عبادَ اللهِ- عند فِطرِه تشملُ: فرحتَه بالفِطرِ من صيامِ اليوم عند الغروب، وفرحتَه بالفِطرِ من صيامِ الشهر عند الأول من شوال.

 

ألَا فاتقوا الله -عبادَ اللهِ-؛ وافرَحوا بما خصَّكم به من إتمامِ صيامِ شهرِ رمضان، واشكُروه على ما أكرمَكم به من نعمةِ القيام وتلاوةِ القرآن، وكونوا من الراشدينَ.

 

أقولُ قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ؛ فاستغفِروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ مُجيبِ الدعوات، وقاضي الحاجات، وواهِبِ الأُعطيات. نحمَدُه -سبحانه وتعالى- ونشكُرُه؛ كفَّر عَنَّا السيئات، ومحَا عَنَّا الزلَّات، وسَتَرَ عَنَّا العورات. والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ البريَّات، وسيِّدِ السادات، وعلى آلهِ وصحابتِه أُولِي الفضائلِ والمكرُمات.

 

أما بعدُ: قال ابنُ القيمِ -رحمه الله تعالى-: "فالفرحُ بالله وأسمائِه وصفاتِه، ورسولِه -صلى الله عليه وسلم- وسُنتِه وكلامِه محضُ الإيمان وصفوتُه ولُبُّه، وله عبوديَّةٌ عجيبة، وأثرٌ في القلب لا يُعبَّرُ عنه. فابتهاجُ القلبِ وسُرورُه وفرحُه بالله وأسمائِه وصفاتِه وكلامِه، ورسولِه -صلى الله عليه وسلم- ولقائِه؛ أفضلُ ما يُعطاه، بل هو أجلُّ عطاياهُ. والفرحُ في الآخرة بالله ولقائِه بحسبِ الفرحِ به ومحبَّتِه في الدنيا".

 

ثم اعلموا -رحمكم الله- أنَّ مِنْ شُكرِ اللهِ على توفيقِه ومعونتِه: إتباعَ العبادةِ بالعبادة، والطاعةِ بالطاعة؛ ومن ذلك إتباعُ صيامِ رمضانَ بالستِّ من شوال. فعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ"(أخرجه مسلم).

 

فمَنْ كان مستطيعًا للصوم، سهلًا عليه؛ فليصُمِ الستَّ متى ما تيسَّر له. وأمَّا من كان يشُقُّ عليه فليبادِرْ ما دامَت حرارةُ الصومِ باقية، ونفسُه له تائِقَة.

 

ثم صلُّوا وسلِّموا على خيرِ خلقِ اللهِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ؛ فقد أمرَكم بذلك ربُّكم فقال -جلَّ في عُلاه-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

فاللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وزِدْ وبارِكْ على عبدِكَ ورسولِكَ نبيِّنا محمدٍ. وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ وعنَّا معهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمينَ.

 

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، وانصُر عبادَك الموحِدين. اللهمَّ فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كربَ المكرُوبين، واقضِ الدَّينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المسلمين.

 

اللهمَّ آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِحْ أئمَّتَنا وولاةَ أمورنا، وأيِّدْ بالحقِّ والتوفيقِ والتسديدِ إمامَنا ووليَّ أمرِنا خادمَ الحرمين الشريفين. اللهمَّ أطِلْ عُمرَهُ في صحَّةٍ وعافيةٍ ونعمةٍ سابِغةٍ ضافيةٍ. اللهمَّ وفِّقه ووليَّ عهده الأمين لِمَا فيه صلاحُ البلادِ والعباد، وعزٌّ ورفعةٌ للإسلام والمسلمين يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ احفَظ جُندَنا المُرابِطين على الحدود والثغور. اللهمَّ احرُسهم بعينِك التي لا تنام، واكنُفهم بكنفِك الذي لا يُرام يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ كُنْ لإخوانِنا المُستضعَفينَ في كل مكان، اللهمَّ كُنْ لهم مُؤيِّدًا وظهيرًا ومُعينًا ونصيرًا. اللهمَّ أبدِلْ ضعفَهم قوةً، وخوفَهم أمنًا، وبُؤسَهم سعةً ورخاءً. اللهمَّ انصُرهم في فلسطين على الصهاينة الغاصِبين.

 

اللهمَّ احفَظ على بلادنا أمنَها واستِقرارَها ورخاءَها وجنودَها، ورُدَّ عنها كيدَ الكائِدين وعُدوانَ المُعتَدين؛ وسائرَ بلاد المسلمين يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ حبِّبْ إلينا الإيمانَ وزيِّنْه في قلوبِنا، وكرِّهْ إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

 

اللهمَّ جنِّبنا الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطَن؛ عن بلدِنا هذا خاصَّةً، وعن سائر بلاد المسلمين عامَّةً، برحمتِك يا أرحم الراحمين.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصافات: 180-182].

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life