عناصر الخطبة
1/مكانة صلة الرحم وأهميتها 2/من ثمرات صلة الرحم 3/التحذير من قطع الأرحام 4/من مظاهر صلة الرحم 5/مما يعين على صلة الرحماقتباس
إن الرحم ليست مجرد قائمة أسماء في دفتر العائلة، بل هي نسيجٌ من الأرواح اختاره الله لك قبل ولادتك، وجعلهم ميزاناً لاختبار صدق إيمانك، فمنهم القريب في السكن، ومنهم البعيد في الدار، ومنهم الموافق في الرأي، ومنهم المخالف في الطبع، والواجبُ صلتهم جميعاً...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحمد لله الذي جعل الرحم وشيجةً قدسية، وبقية من رحمته، وأمر بوصلها وجعلها سبباً لنيل جنته، نحمده -سبحانه- على نعمة الإسلام والاجتماع، ونعوذ به من شتات الأمر والقطيعة والنزاع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الواصل لأرحامه، المتمم لمكارم الأخلاق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
أوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:
أيها الناس: اعلموا أن من أعظم معاقد الإيمان وأوثق عرى الإسلام "صلة الأرحام"، لقد جعلها الله قرينة للتوحيد، ووسيلة للتمكين، وعنواناً للإحسان؛ يقول الله -جل وعلا-: (وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]؛ يقول الإمام الطبري في تفسيره: "أي: اتقوا الأرحام أن تقطعوها؛ فإنه -سبحانه- جعلها حقاً يجب أداؤه، كما جعل تقواه حقاً يجب التزامه"، يقول القرطبي عن سر هذا الاقتران بقوله: "إن الله عظم الأرحام حين قرنها باسمه؛ ليدلنا على أن برها واجب كما أن عبادته واجبة".
أيها المؤمنون: إن صلة الرحم ليست مجرد عادة اجتماعية فقط، بل هي قربة من أعظم القربات إلى الله؛ فبها تُفتح أبواب السماء، وبها تُبسط الأرزاق، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أحبَّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره؛ فليصل رحمه"(رواه البخاري ومسلم)، يقول ابن حجر عن هذا الحديث: "إن الزيادة في العمر والرزق حقيقية ببركة الصلة؛ فالواصل يُوفق لعمل صالح يبقى ذكره بعد موته، فكأنه لم يمت، أو هي زيادة حقيقية في صحفه التي بيد الملأ الأعلى".
عباد الله: احذروا من داء القطيعة، فإنه الداء العضال الذي يحجب الرحمات؛ يقول -تعالى-: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)[محمد: 22]؛ يقول ابن عثيمين: "إن في هذه الآية دليلاً على أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، بل هي إفساد في الأرض يُعاقب الله عليه بعمى البصيرة وفقدان الهدى".
أيها المؤمنون: إن رتبة الواصل الحقيقي لا تُنال بالمعاملة بالمثل، بل بالإحسان إلى من أساء، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها"؛ يقول النووي: "الواصل الكامل هو الذي يتفضل بصلته لمن يقطعه، أما من يصل من يصله فهو مكافئ للجميل بمثله، وليس هذا هو المقصود الأعظم من التعبد بصلة الرحم".
إن البعض قد يشتكي جفاء الأقارب، فاستمعوا لقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لمن جاءه يشتكي: "لئن كنت كما قلت، فكأنما تُسِفُّهُمُ المَلَّ -الرماد الحار-، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك"؛ يقول القاضي عياض: "المَلُّ هو الرماد الحار، وفي هذا إشارة إلى أن الخزي والإثم يلحق بالقاطع، بينما الواصل في حصن من الله ومعونة، فلا يضره جفاؤهم ما دام يحتسب الأجر عند الله".
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.
قد يتساءل سائل: مَن هم هؤلاء الأرحام الذين جُعلت صلتهم ديناً وقربة؟ هل هم الوالدان فحسب؟ أم أن الدائرة تتسع؟.
يُبين لنا الإمام النووي رحمه أن "الرحم هم الأقارب، وهم مَن بينك وبينهم نسب، سواء وجب لهم ميراث أم لا"، ويرسم العلامة ابن عثيمين حدود هذه الدائرة بوضوح فيقول: "الأرحام هم كل مَن يجمعك بهم جَدٌّ قريب أو بعيد، وأولاهم بالصلة الأقرب فالأقرب، فتبدأ بالوالدين، ثم الأبناء والبنات، ثم الإخوة والأخوات، ثم الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وكلما كانت القرابة أدنى، كان الحقُّ أعظم والصلةُ أوجب".
إن الرحم -يا عباد الله- ليست مجرد قائمة أسماء في دفتر العائلة، بل هي نسيجٌ من الأرواح اختاره الله لك قبل ولادتك، وجعلهم ميزاناً لاختبار صدق إيمانك، فمنهم القريب في السكن، ومنهم البعيد في الدار، ومنهم الموافق في الرأي، ومنهم المخالف في الطبع، والواجبُ صلتهم جميعاً بما يليق بحالهم وبما جرى عليه العُرفُ من بر وإحسان.
عباد الله: إن صلة الرحم ليست قالباً جامداً، بل هي طاعاتٌ تتشكل بحسب الحاجة والقدرة؛ فمن مظاهر الصلة ما يكون بالمال كنفقةٍ للمحتاج، ومنها ما يكون بالبدن كخدمةٍ لعجوز أو عيادةٍ لمريض، ومنها ما يكون بالقلب كدعاءٍ بظهر الغيب، أو باللسان كطِيب كلمةٍ وحسنِ سؤال، ويؤكد الإمام القرطبي أن "أدنى درجات الصلة هي ترك الهجر، وأعلاها بذل النفس والمال في سبيل مرضاتهم".
ولأن النفس قد تكلّ، والشيطان قد ينزغ، فإن هناك وسائل تُعين على هذا البر؛ أولها: توطين النفس على الاحتساب، فليكن وصلك لله لا لرد الجميل؛ لكيلا تنقطع بقطيعتهم.
وثانيها: التغافل عن الزلات، يقول الإمام أحمد بن حنبل: "تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل"، فمن استقصى في حق نفسه مع أقاربه لم يدم له ود.
وثالثها: استغلال التقنية الحديثة، فوسائل الاتصال اليوم قد رفعت الحجة عن المتعللين بالبُعد، فبضغطة زرٍ تنجلي الغربة وتتصل الوشيجة، فاجعلوا من هذه الوسائل جسوراً للجنة، ومغاليق لأبواب الجفاء والفرقة.
فاتقوا الله في أرحامكم، بلوا رحمكم بالسلام، وتفقدوهم بالصلة، واعفوا عمن ظلمكم؛ لعل الله أن يعفو عنا وعنكم.
اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واجعلنا ممن يصلون ما أمرت به أن يوصل، اللهم بارك لنا في أرزاقنا وأعمارنا بصلة أرحامنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90]، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم.
التعليقات