• 5 أكتوبر، 2020 الساعة 9:48 م
    شبيب القحطاني
    لِمَاذَا يُصَلُّونَ فِي قُبُورِهِمْ ؟ (الجمعة 1442/2/22هـ) تناسب تعميم الوزارة
    الخطبة الأولى
    أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي يُوردها الْعُلَمَاءُ فِي فَضَائِلِ الأنَبِيَّاءِ عَلَيْهِم السَّلَامُ وَالتي تَبَيَّنُ مَدَى تَعَلَّقِهِم عَلَيْهِم السَّلَامُ بِالصَّلَاةِ وَتَلَذُّذِهِم بِهَا حَتَّى أنَّهم يُصَلُّونَ فِي قُبُورِهِمْ ، فقد أَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ثَابِتٍ البُناني عَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – عَنْ النَّبِيِّ -صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- قَال : (الأنَبِيَّاءُِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ  أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصلُّون ) صحَّحه الألبانيُّ .
     وثَبَتَ فِي السنَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم أمَّ إخْوَانَه الْأَنْبِيَاءَ فِي رِحْلَتِهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فعن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( … وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّى فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَائِمٌ يُصَلِّى أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ – يَعْنِي : نَفْسَهُ – فَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَأَمَمْتُهُمْ ) رواه مسلم  .
    ورَوى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (أَتَيْتُ – وَفِي رِوَايَةٍ : مَرَرْتُ – عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، فِي هَذَا الحديثِ يَذكُرُ النبيُّ صلَّى اللهُ عَلَيْه وسلَّم بَعضَ مَا حدَث مَعه فِي لَيلةِ الإِسراءِ والمِعراجِ ، حيثُ مرَّ عَلى الأنبيَّاء عَلَيْهِم السَّلامُ لَيلةَ أُسرِيَ بِه ، وصَلَاةُ الْأَنْبِيَاءِ فِي قُبُورِهِمْ لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِ التَّكْلِيفِ ، إذْ التَّكْلِيفُ مُنْقَطِعٌ بِالْمَوْت ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ التَّنَعُّمِ وَالتَّلَذُّذِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَإِقَامَةِ ذِكرِه .
     
    قَالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : ” فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يُصَلُّونَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَيْسَ تِلْكَ الْحَالُ حَالَ تَكْلِيفٍ ؟   فَالْجَوَابُ : أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُكْمِ التَّكْلِيف ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِحُكْمِ الْإِكْرَامِ لَهُم وَالتَّشْرِيفِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا حُببْت لَهُمْ عُبَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةُ بِحَيْث كَانُوا يُلازمِون ذَلِك ، ثُمّ تُوفوا وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فشرَّفَهم اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ مَوْتِهِمْ بِأَنْ أَبْقَى عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا يُحِبُّونَ ، وَمَا عُرفُوا بِهِ ، فَتَكُونُ عِبَادَتُهُمْ إلهاميةً كَعِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ ، لَا تكليفيةً ، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا لِثَابِت الْبُنَانِيّ -تابعيٌّ ومُحدثٌ ثقةٌ – رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ فَإِنَّه حُببْت الصَّلَاةُ إلَيْهِ حَتَّى كَانَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ أَعْطِيت أَحَدًا يُصَلِّي لَك فِي قَبْرِهِ ، فَأَعْطِنِي ذَلِك ، فَرَآه مُلَحِّدُهُ بَعْدَمَا سَوّى عَلَيْهِ لَحدَه قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ  وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصَّحَيح : ( يَمُوتُ الْمَرْءُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ  ويُحشر عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ) ، وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ : ( أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ كَمَا تُلهمون النَّفَس ) انْتَهَى .
     
    أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : لَا تَخْفَى مكانةُ الصَّلَاةِ وأهميتُها عَلَى مسلمٍ ، فَهِي الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ،  وقد تَكَرَّرَ الأمرُ بِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آياتٍ كثيرةٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ } ، والصلاةُ أَوَّلُ مَا يحاسبُ عَلَيْه العبدُ مِنْ أَعْمَالِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ ، قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ ، فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ ؟ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ) رواه التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ،وَهُوَ حَدِيثٌ صَحَّحَه الْأَلْبَانِيّ .
    وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكرَ الصلاةَ يوماً فَقَال : (مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُرْهَانٌ وَلاَ نُورٌ وَلاَ نَجَاةٌ ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَهَامَانَ وَفِرْعَوْنَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ . ) رواه ابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ شَاكِر .
    وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ وَقَدْ أَكْمَلَهُنَّ وَلَمْ يَنْتَقِصْهُنَّ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ وَقَدِ انْتَقَصَهُنَّ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ)رواه أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
    الخطبة الثانية
    أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : كانت الصَّلَاةُ مِنْ آخَرَ مَا أَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ ، فَعَن أمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : (كان مِن آخِرِ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، حَتَّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَجْلِجُهَا فِي صَدْرِهِ وَمَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ) رواه أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيّ .
    رَبَّنَا اجْعَلْنَا مُقِيمِي الصَّلَاةِ ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا ، رَبَّنَا وَتَقْبَلْ دُعَاءِ . .
جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2020