• 10 يناير، 2019 الساعة 4:52 م
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
                           على خالد بن الوليد فلتبكِ البواكي

                           على خالد بن الوليد فلتبكِ البواكي

    الحمدُ للهِ الذي بعثَ نبيَّه محمداً في خيرِ القُرونِ، واختارَ له مِنَ الأصحابِ أَكملَ النَّاسِ عقولاً, وأقومَهُم دِيناً, وأغزَرَهُم عِلماً, وأَشجَعَهُم قَلباً، قوماً جَاهُدوا في اللهِ حقَّ جِهادِه فأقامَ اللهُ بهُمُ الدِّينَ, وأظهَرَهُم على المشركينَ, اللهمَّ صلِّ على نَبيِّكَ وآلِه وأصحابِهِ, والتابعينَ، أما بعد:

    فيا عِبادَ اللهِ، أوصيكُم ونفسِي أَولاً بتقوَى اللهِ جلَّ وعَلا، اتقوا اللهَ حقَّ التقوى، فقَد أَمَرَنَا ربُّنا بذلكَ في كتابِهِ الكَريمِ حيثُ قالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}؛ فتقوَى اللهِ نُورٌ في القلبِ وذُخرٌ في المُنقَلَبِ، وهي خَيرُ شَيءٍ نلقَى بهِ اللهَ تعَالى يومَ لا يَنفَعُ مَالٌ ولا بَنُونَ إلا مَن أَتى اللهَ بقَلبِ سَلِيمٍ.

    أيها المؤمنونَ: حدِيثُنَا اليومَ عَن عَظِيمٍ مِن عُظمَاءِ الإِسلامِ، وفارسٍ مِن فُرسانِ المَيدَانِ، وبَطلٍ مِن أَبطالِ الصَّحبِ الكِرامِ, إنَّه أَحدُ رِجالاتِ التاريخِ الذين ضَرَبُوا أَروعَ الأمثلةِ في الشَّجاعةِ والبُطولةِ والإِقدامِ, لَم يَخُضْ مَعركةً في جَاهليةٍ ولا إسلامٍ إلا انتصرَ فيهَا! فكان بحَقٍّ أُعجوبةً مِن أَعاجِيبِ الزّمانِ, إنه أَسدُ الإِسلامِ ومُهندِسُ انتصاراتِ المؤمنينَ, الفَارسُ البَاهرُ المَاهرُ.. إنَّه أَبو سُليمانَ، خالدُ بنُ الوليدِ القرشيُّ المخزوميُّ المَكِيُّ، سَيفُ اللهِ المسلُولُ وسَيفُ رَسولِهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ.

    نَشأَ خَالِدُ بنُ الوليدِ رضي اللهُ عنه في بِيئةٍ غَنِيةٍ مُترَفَةٍ، فكانَ أَبوهُ الوَليدُ بنُ المُغِيرةِ مِن أَغنى قُريشٍ، لكِنَّ خَالداً تركَ هذا الثَّراءَ والمالَ والغِنى، ولَم يَنشَغِلْ في تَثمِيرِه, بل ترَبَّى على الرُّجولةِ والفُروسِيةِ والخُشونةِ والبُطولةِ، وأَبدَى نُبُوغًا ومَهارةً غَيرَ عَادِيةٍ مُنذُ وَقتٍ مُبكِّرٍ، وتَميَّزَ على جميعِ أَقرانِهِ.  

    نَعمْ.. لَم يَكُن خَالدٌ فارساً عادياً مثلَ باقِي الفَرسانِ، فلَقد كانَ يُضرَبُ به المَثَلُ في فُروسِيَّتِهِ وشِدةِ قِتالِهِ فكانَ مُحترِفًا في استخدامِ جَميعِ أَنواعِ الأَسلحةِ بلا استثناءٍ، وكانَ أيضاً يُجيدُ الرُّكوبَ على الإبلِ والقتالَ عليها بسهولةٍ، كما عُرِفَ عَنه أنه كانَ يُقاتِلُ بسَيْفَيْنِ معاً, وهذا أَمرٌ لَم يَفرَحْ بهِ أَحدٌ!

    أيها الإخوة: كانَ خَالدٌ طويلَ القَامَةِ، طُولُهُ قُرابةَ المِترَيْنِ، وكانَ كذلك كَثَّ اللحيةِ، وسِيمَ الوَجهِ, شَديدَ الشَّبهِ بعُمرَ بنِ الخطابِ، حتى أَنَّ ضِعافَ النَّظرِ كانوا يخلِطُوَن بينهمَا. رضي اللهُ عنهما.

    وقَد وَرِثَ الكُرْهَ الشديدَ للإسلامِ عَن أبيهِ الوليدِ بنِ المغيرةِ, فقد شاركَ مع المشركينَ في قِتالِ المسلمينَ أَكثرَ مِن مَرَّةٍ, فَقد لَعِبَ دورًا حَيويًا في انتصارِ قُريشٍ على المسلمينَ في غَزوةِ أُحُدٍ، فبَاغَتَ الرُّماةَ الذين خَالفوا أَمرَ الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلمَ وتَشَتَّتَ الجَمْعُ وتَحوَّلَ نَصرُ المسلمينَ إلى هَزيمةٍ, كمَا شَاركَ أيضاً ضِمنَ صُفُوفِ الأحزابِ في غَزوةِ الخَندَقِ.

    لكنَّ اللهَ تعالى أَرادَ بهِ الخَيرَ, فأَسلَمَ -رضي اللهُ عنه- في السنةِ الثامنةِ للهجرةِ قبلَ فتحِ مكةَ بستةِ أَشهُرٍ, وخَرجَ مُهاجِراً إلى المدينةِ، فَسُرَّ المسلمونَ وفَرحوا بهِ فَرحاً شَدِيداً، وفَرِحَ بذلكَ رَسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ حتَّى إنَّه حِينَ رَآه هَشَّ في وَجهِهِ وقالَ: “الحمدُ للهِ الذي هَدَاكَ؛ قَد كُنتُ أرى لكَ عَقلاً رَجَوْتُ ألاَّ يُسلِمَكَ إلاَّ إِلى خَيرٍ”، وتَحوَّلَ عَداءُ خَالدٍ للإِسلامِ إِلى شِدَّةِ بَأسٍ علَى أَعدَاءِ اللهِ.

    أيهَا المؤمنونَ: ثَلاثةُ أَشهُرٍ فقَط، كانَتْ كَفيلةً بصِنَاعةِ هذَا الشَّخصِيَّةِ العَجِيبةِ معَ كَتيبةٍ مِنَ المسلمينَ عِندمَا شَاركَ في مَعركةِ مُؤتةَ, فقاتَلَ يومئذٍ قِتالاً شَدِيدًا لَم يُر مِثلُهُ، وقَد قَالَ صَلَّى اللهً عليه وسلم وهُو عَلى مِنبَرِهِ: “أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ” رواه البخاريُّ. ومِن يَومئذٍ سُمِّي “سَيفَ اللهِ”، وشَهِدَ خَيبَرَ وحُنَيْنًا، وفَتْحَ مَكَّةَ وأَبلَى بَلاءً حسنًا.

    وبَعدَ وَفاةِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم شَاركَ خَالدُ بنُ الوليدِ في قِتالِ المُرتدِّينَ في عَهدِ أَبي بكرٍ الصِّديقِ رضي اللهُ عنه، والتي تَمرَّدَ فيها قومٌ مِن المنافقينَ على الإسلامِ ومَنعُوا الزكاةَ، ومِنهم مَن ارتدَّ عن الإسلامِ بالكليةِ، ووقعَ اضطرابٌ كبيرٌ، إلاَّ أنَّ الخليفةَ الأولَ وَاجهَ تِلكَ الفتنةَ بشَجاعةٍ وحَزمٍ، وشَاركَ خالدُ بنُ الوليدِ بنَصيبٍ وَافرٍ في التصدِّي لهذِه الفتنةِ والقَضاءِ عليهَا، فقدِ استطاعَ -بفضلِ اللهِ- أنْ يُخمِدَ فِتنَتَهُم ويُعيدَ كَثيراً منهم إلى حظيرةِ الإسلامِ، ولَم يَستَرِحْ خَالدٌ بعدَ تِلكَ المعَاركِ -معاركِ حُروبِ الرِّدةِ- حتَّى فَجَأَهُ أَمرُ الصديقِ رضي اللهُ عنه بأَن يَنطلِقَ إلى أَعظَمِ مَملكةٍ، وأَقوى قُوَّةِ وُجِدَتْ على وَجهِ الأرضِ في ذلكَ الزمانِ، وهِي مَملكَةُ الفُرْسِ!

     أَمرَهُ أن ينطلقَ هُناكَ لمقَاتَلتِهِم، فانطلقَ مُباشرةً إلى هناكَ وبدأَ بِقتالِ الفُرسِ في عِدةِ مَعارِكَ إلى أَنِ انتَصَرَ عَليهِم في خَاتِمَةِ المعاركِ التي قَادَها رضي اللهُ عنه وهي مَعرَكةُ ذَاتِ السَّلاسِلِ.

    عباد الله: يُعَدُّ خَالدُ بنُ الوليدِ أَحدَ قَادةِ الجُيوشِ القَلائلِ في التاريخِ الذين لَم يُهزَمُوا في مَعركةٍ طوالِ حَياتِهِم، فلَم يُهزَمْ في أَكثرِ مِن مِائةِ مَعركةٍ أَمامَ قُوَّاتٍ مُتفَوِّقةٍ عَددًا، أبرَزُها الإمبراطوريةُ الرُّوميةُ والفَارسيةُ وحُلفَاؤهُم، بالإضافةِ إلى العَديدِ مِنَ القبائلِ العَربيةِ الأُخرَى.

    ومِن مَناقِبِهِ رضي اللهُ عنه: شَجاعَتُه الفَائِقَةُ وجُرْأَتُهُ النَّادرةُ، يَقولُ عَن نَفسِهِ: “لَقَدِ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ” رواه البخاريُّ، لَم تَصْبِرْ تِسعَةُ أَسيافٍ في يَدِهِ؛ فكُلُّهَا تَكسَّرتْ إلاَّ صَفيحَةٌ يمَانِيةٌ!!.

    أيها الإخوةُ: لَقد كَانَ حُبُّ الجَهادِ يَسرِي في مَفاصِلِ خَالدٍ رضي الله عنه، ويُحبُّهُ حُبًّا عَظيماً, نُصرةً لدينِ اللهِ، وإرغاماً لقِوى الشرِّ والكفرِ والطغيانِ، فشَغلَهُ الجِهادُ عَن كلِّ مَشاغِلِ الدُّنيَا، فقَد أُثِرَ عَنه كَلمةٌ بَديعةٌ عجِيبةٌ تَدلُّ على شَديدِ تَعلُّقِهِ بالجهادِ في سبيلِ اللهِ يقولُ كما ذَكَرَ عنه الذهبيُّ: “مَا مِنْ لَيْلَةٍ يُهْدَى إِلَيَّ فِيْهَا عَرُوْسٌ أَنَا لَهَا مُحِبٌّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لَيْلَةٍ شَدِيْدَةِ البَرْدِ، كَثِيْرَةِ الجَلِيْدِ، فِي سَرِيَّةٍ أُصَبِّحُ فِيْهَا العَدُوَّ“!.

    لقدْ كانَ الصَّبرُ علَى مشقةِ الجِهادِ ومُلاقاةِ العدوِّ أَحبَّ إليهِ وأَلذَّ على نفسِهِ مِما تَشتهِيهِ الأَنفسُ مِن الشَّهواتِ والملذاتِ.

    ومما قالَه رضي الله عنه: “مَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ أَرْجَى عِنْدِي بَعْدَ التَّوْحِيْدِ مِنْ لَيْلَةٍ بِتُّهَا وَأَنَا مُتَتَرِّسٌ، وَالسَّمَاءُ تُهِلُّنِي، نَنْتَظِرُ الصُّبْحَ حَتَّى نُغِيْرَ عَلَى الكُفَّارِ”.

     إنَّ هذه المشاعرَ -أيها الكرامُ- كانتْ عَامرةً في قلوبِ هؤلاءِ العِظامِ، فهم يسيرونَ في الدنيا والجنةُ مَاثلةٌ أَمامَهُم لا تَغيبُ عَنهم طَرفةَ عَينٍ؛ ولذلك كانوا يَبذِلُونَ كلَّ شيء من أَجلِهَا.

    اللهم ارْضَ عَن أصحابِ نبيِّك أجمعينَ ووفقنَا للسيرِ على مِنهاجِهِم واجعلنا ممن اتبعوهُم بإحسانٍ واحشُرْنا وإيَّاهُم في زُمرةِ سَيدِ المرسلينَ.

    أقول قولي….

     الخطبة الثانية

    الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وليِّ المتقينَ، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسَلَّمَ تسليمًا، أما بعد:

    تَمضِي الأيامُ في تاريخِ خَالدٍ مُضِيئةً برَّاقةً مُشرِقةً، يُرابطُ فيها في الثُّغُورِ، ويَحمِي بَيضَةَ المسلمينَ إلى أنْ جَاءَهُ الأجلُ المحتومُ، وإذا بهِ يَمُوتُ على فراشِهِ! هذا الذي خاضَ المعاركَ! هذا الذي تَتبَّعَ الموتَ مَظَانَّهُ يُريدُ أن يُقتَلَ شَهيداً في سبيلِ اللهِ! قُدْرَةُ اللهِ وحِكمَتُهُ أَنْ يَمُوتَ هذا الرَّجلُ الصَّالحُ البَطَلُ الشُّجاعُ على فِراشِهِ!

    فلمَّا حَضرَهُ الأَجلُ، ودَنَتْ سَاعةُ الاقترابِ، وعَلِمَ أنها النهايةَ، قالَ رضي اللهُ عنه وأرضاه: “لَقِيْتُ كَذَا وَكَذَا زَحْفاً، وَمَا فِي جَسَدِي شِبْرٌ إِلاَّ وَفِيْهِ ضَرْبَةٌ بِسَيْفٍ، أَوْ رَمْيَةٌ بِسَهْمٍ، وَهَا أَنَا أَمُوْتُ عَلَى فِرَاشِي حَتْفَ أَنْفِي كَمَا يَمُوْتُ العِيْرُ، فَلاَ نَامَتْ أَعْيُنُ الجُبَنَاءِ!”.

    كانتْ وفَاتُهُ رضي اللهُ عنه سنةَ إِحدَى وعِشرينَ مِن الهجرةِ في مَدِينةِ حِمصٍ الشَّاميةِ على المشهورِ، وعُمُرُهُ آنذاكَ ثَمانيةٌ وخمسونَ عامًا.

    ولما بلغَ خبرُ وفَاتِه المدينةَ ارتجَّتْ مَدينةُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بالبكاءِ، فبكَى الصغيرُ والكبيرُ، وبكى النساءُ والرجالُ، وجاء رجلٌ إلى عُمَرَ رضي اللهُ عنه وأرضاه، يقولُ: “يا أميرَ المؤمنينَ، إن النِّساءَ يَبكِينَ خَالِداً! فمُرْهُنَّ بالسكوتِ”، فقالَ عُمرُ: اسْكُتْ لا أُمَّ لكَ؛ علَى مِثلِ أبي سليمانَ فلْتَبْكِ البَواكِي!“.

    اللهم ارضْ عن خالدٍ، واجمعنا به في دارِ كرامَتِكَ مع سائرِ الآلِ وأصحابِ رسولِ اللهِ الذي أمركمُ اللهُ جل وعلا بالصلاةِ والسلامِ عليه في مُحكَمِ التنزيلِ فقالَ سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، وقال نبيُّكُم وحبيبُكُم محمدٌ: “مَن صَلَّى عَليَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَليهِ بِهَا عَشراً”.

    اللهم صَلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما صَليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجِيدٌ، وبارِكْ علَى محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركتْ علَى إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّك حَميدٌ مَجِيدٌ.

جميع الحقوق محفوظة لموقع خطباء © 2019